أكّد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر، اليوم الجمعة، أنّ الهجمات العسكرية والاعتداءات التي تطال البنية التحتية للجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تمرّ من دون عقاب، جازماً بأنّها “ستُقابل بالثأر” الحتمي من قبل القوات المسلحة.

وشدّد ذو القدر على معادلات الردع والمواجهة المباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه في المنطقة، قاطعاً بالقول: “لن يكون الكيان الإسرائيلي المجرم في مأمن من ردّ القوات المسلحة الإيرانية”.

وفي سياق متصل، وجّه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني انتقاداً حاداً للإدارة الأميركية ورئيسها، معقّباً بالقول إنّ “الشخصية الأكثر كراهية في العالم غاضبة من عظمة الملحمة التاريخية للشعبين الإيراني والعراقي”.

برلماني إيراني: واشنطن ستتراجع إذا رددنا بحزم

ومساء أمس الخميس، أكد النائب الإيراني علي أصغر نخعي راد، في حديث للميادين، أنّ الولايات المتحدة لا تمتلك القدرة على العودة إلى الحرب، معتبراً أنّ واشنطن ستتراجع إذا ردّت إيران بحزم على الاعتداءات.

وشدّد نخعي راد على أنّه إذا ارتكبت “إسرائيل” حماقة هذه المرة، فإنّ الردّ الإيراني سيكون أقوى، وستتركّز الضربات على الكيان الصهيوني. وختم بالقول إنّه في حال اندلاع الحرب، فإنّها ستشهد اندحاراً تاريخياً للأعداء.

ونفّذت إيران استهدافات واسعة للقواعد الأميركية في الخليج خلال اليومين الماضيين، ردّاً على انتهاك الولايات المتحدة لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث تعرّضت مناطق مختلفة في إيران لعدوان أميركي وُصف بأنّه الأكبر منذ توقيع “مذكّرة التفاهم” بين الطرفين، حيث كانت إيران قد حذّرت في وقتٍ سابق من أنّ أيّ هجوم على أراضيها سيُواجه بردّ فوري وبنطاق أوسع، وهو ما تُرجم في اليومين الماضيين بسلسلة ضربات هزّت القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.

تدخل مرحلة “خفض التصعيد” القائمة بين الرياض وصنعاء منذ أربع سنوات مرحلة حرجة جداً على وقع تبادل التهديدات والتلويح بخيارات عسكرية في ظلّ انسداد الأفق، وتجميد “خارطة الطريق” التي اتفق عليها الطرفان بوساطة عمانية وكان يفترض إعلانها عبر الأمم المتحدة قبيل اندلاع معركة “طوفان الأقصى” قبل ثلاث سنوات لولا تملّص الرياض من تنفيذها مدفوعة برهانات خاطئة على ما يمكن أن يفرزه العدوان الأميركي الإسرائيلي في المنطقة من نتائج ووقائع تخوّل أميركا وحلفاءها وتحديداً السعودية و”إسرائيل” من فرض إملاءاتهم.

إنّ ما دفع صنعاء لرفع “الكرت الأحمر” في وجه الرياض، والشروع في مرحلة جديدة وحاسمة مرتبطة باستحقاقات شعبية وسيادية أبرزها: إنهاء الحصار والاحتلال واستعادة السيادة والثروة الوطنية كاملة من دون انتقاص؛ هو استمرار النظام السعودي في “احتلال مساحة واسعة من اليمن”، وفرض الحصار وتصعيد الحرب الاقتصادية والاستحواذ على ثروة اليمن السيادية من النفط والغاز وتوريد إيراداتها إلى البنك الأهلي السعودي من دون أن ينتفع بها الشعب شمالاً وجنوباً في دفع المرتبات والخدمات، إلى جانب استمرار الرياض في “تجييش الميلشيات والتكفيريين” وصناعة الموت بكلّ أشكاله وتفريخ تشكيلات مسلحة تهدّد النسيج الوطني وتقسّم اليمن وتفخّخ حاضره ومستقبله، وتلك العوامل مجتمعة بنظر صنعاء تدعو إلى إعادة النظر في “مرحلة خفض تصعيد” صعّد فيها العدو كلّ أنواع الحروب.

دعوة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي بداية العام الهجري سرعان ما ترجمت ولا تزال بترحيب رسمي وشعبي وسياسي، وحالة استنفار شاملة وجاهزية كاملة لدى سائر القبائل اليمنية، أعقبتها خطوة عملية على طريق كسر الحصار بأن حطّت طائرة مدنية إيرانية في مطار صنعاء الدولي فجر يوم الجمعة الماضي محمّلة بأكثر من 200 مريض وعالق من أبناء اليمن، وعادت إلى إيران محمّلة بـ 200 مريض وعالق يرافقهم وفد الجمهورية اليمنية الرسمي والشعبي للمشاركة في تشييع القائد الأممي الشهيد السيد علي الخامنئي.

هذه الخطوة الإنسانية الإيرانية المقدّرة لدى اليمنيين كسرت الحصار من دون إذن مسبق من الرياض التي تنصّب نفسها وصياً على اليمن وسيادته، تصرّف النظام مقابل هذا بعدوانية وحالة هستيرية مفرطة، إذ عمد من فوره إلى إرسال تشكيل من المقاتلات الحربية السعودية لمحاولة منع الطائرة الإيرانية من الهبوط وكأنها ستحطّ في مطار الرياض، لولا أنّ الدفاعات الجوية اليمنية تصدّت لها فوراً وأجبرتها على مغادرة أجواء اليمن وفق ما كشفه متحدّث القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع في بيان متلفز يوم الجمعة الماضي، محذّراً “العدو السعودي من تكرار أيّ محاولة لخرق الأجواء”، مهدّداً بأنّ “أيّ عدوان سعودي يستهدف بلدنا سيقابل بردّ شامل يستهدف مطاراته ومصالحه الحيوية في البر والبحر”، وشدّد على معادلة كسر القيود برفض “استمرار الحصار السعودي الأميركي الظالم على بلدنا” متوعّداً باتخاذ “كلّ الخطوات المشروعة لإنهائه” وأكّدت القوات المسلحة اليمنية “استمرار الرحلات بين مطاري صنعاء وطهران لفكّ الحصار والمعاناة عن شعبنا اليمني العزيز والمظلوم مهما كانت النتائج والتداعيات”.

في المقابل ظهر موقف النظام في حالة من الارتباك الواضح ومحاولة الهروب إلى الأمام من الالتزامات الإنسانية واستحقاقات السلام، حيث خرج المتحدّث باسم وزارة الدفاع السعودية تركي المالكي (انفرط التحالف)، ببيان مليء بالمغالطات والأكاذيب ومشحون بالغطرسة السعودية من دون أن يأتي على ذكر إيران، محاولاً تمييع الحادثة وتبرئة نظامه من سجلها الحافل بالجرائم، معتبراً أنّ تصريحات صنعاء “محاولة لصرف الأنظار عن انتهاكاتها الجسيمة” ضدّ نفسها وشعبها و”تصدير المشكلات الاقتصادية ومعاناة الشعب اليمني إلى محيط اليمن الإقليمي ودول الجوار” مدّعياً أنّ صنعاء “رفضت التوقيع على خارطة الطريق”، وتوّج تلك المزاعم والمغالطات بتهديد عسكري بالضرب بـ “كلّ حزم وبقوة غير مسبوقة للتصدّي لأيّ محاولات لاستهداف المملكة ومواطنيها ومقدّراتها الوطنية أو محاولة انتهاك سيادة الجمهورية اليمنية”.

وهذه النقطة هي الأكثر وقاحة في البيان بأن يضع النظام السعودي نفسه في إطار “الحامي والوصي على اليمن واليمنيين”، وهو بعلم كلّ العالم من اعتدى على سيادة الجمهورية اليمنية ودمّر بنيتها شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً وقتل عشرات الآلاف من أبنائها ونهب ثرواتها النفطية والغازية وحاصرها وجوّع أهلها وحرم موظفيها من مرتباتهم ولا يزال منذ 11 عاماً، كما أنه فكّك نسيجها الاجتماعي والسياسي ومزّق جغرافيتها في كلّ الاتجاهات، وممن يحمي اليمن؟ من أهل اليمن أنفسهم! وهذه لعمري من نكبات الدهر.

أمام ما سوّق له النظام السعودي من الدعايات الزائفة والمغالطات الكاذبة، دخلت وزارة الخارجية اليمنية على خط المواجهة سياسياً لإيضاح الصورة للرأي العامّ، ودعم ما جاء في بيان القوات المسلحة اليمنية، وفي بيانها الناري فنّدت الخارجية في صنعاء الرواية السعودية بالكامل، معلنة أنّ خطوة يوم الجمعة ليست سوى الأولى في معادلة كسر الحصار، مؤكّدة أنّ “مطار صنعاء الدولي مطار سياسي وإعادة تشغيله لا تحتاج إذناً من أحد”، وأنّ “الشعب اليمني بمؤسساته كافة اتخذ قراره بإنهاء العدوان وكسر الحصار ولن يتراجع عن ذلك مهما كلّفه من ثمن”، موجّهة تحذيراً مباشراً للنظام السعودي بأنّ عليه أن ينظر إلى حقول النفط وأرامكو وينبع وبقية الموانئ وبورصته ورؤية 2030 لعلّه يعود إلى رشده”، وكأنها تعدّد قائمة من بنك أهدافها في أيّ مواجهة مقبلة.

بيان الخارجية لم يخلُ من الرسائل السياسية التي ترسي السلام العادل، ففيما نفت مزاعم الرياض بأنّ صنعاء رفضت خارطة الطريق، أكّدت أنها وافقت عليها وطالبت بها مراراً وتكراراً ودعت الرياض للتوقيع عليها، وبموازاة نصيحتها للنظام السعودي بأن تفتّش عن الطريق الأسلم لها ولليمن، حذّرت من أنّ “أيّ خطوة يقدم عليها النظام السعودي بالأصالة أو الوكالة، ستكون لها تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي.

في الختام فإنّ موجة البيانات الحادّة بين صنعاء والرياض، بما تضمّنته من تهديدات متبادلة، تؤكّد أنّ صبر صنعاء والشعب اليمني قد نفد، وأنها انتقلت بالفعل من الصبر الاستراتيجي إلى خيارات استراتيجية عنوانها استعادة الحقوق والسيادة والثروة بعد أن وصلت المرحلة إلى حالة من انسداد الأفق السياسي، وفي الوقت الراهن يطرح سؤال جوهري ومصيري: هل ستدخل الدولتان الجارتان في حرب لعشر سنوات مقبلة.

وبالتالي تتجه المنطقة نحو جولة حرب شاملة، أم أننا أمام مرحلة “عضّ أصابع” تمهّد لحلّ دبلوماسي إجباري يخلّص اليمنيين من ظلم الجارة الجائرة وعدوانيتها وحصارها، هذا ما ستجيب عنه الفترة القريبة المقبلة، وسيعلمون غداً من يعيش في “حفرة الأرنب” وإنّ غداً لناظره قريب.

علي ظافر – الميادين

ذكر موقع “زمان إسرائيل”، اليوم الخميس، أنّ على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن “يصغي إلى دروس التاريخ، وأن يوقف التدهور قبل الوصول إلى الهاوية”.

وقال الموقع إنّ “نتنياهو يعلم جيداً أن أي تحقيق جاد ونزيه في كل ما حصل سيوصي بتنحيه العاجل عن الحياة العامة”.

وفي السياق، أشار إلى “قلق كبير من انعدام جدوى استمرار وجود إسرائيل بسبب ما يحاول الائتلاف الحكومي تكريسه بالقانون”.

ولفت إلى ما كشفه استطلاع سنوي عن أنّ “73% من العاملين في إسرائيل يفكرون في الانتقال للعمل والإقامة في الخارج”.

“نتنياهو بقي مع سلسلة من الإخفاقات”

بدورها، قالت صحيفة “معاريف” إنّه “كان من المفترض أن تكون هذه فترة الخلاص لنتنياهو، لكنه في النهاية بقي مع سلسلة من الإخفاقات المؤلمة”.

وأكّدت الصحيفة أنّ “نتنياهو يدرك مع كل يوم يمر أن نهاية حكمه تقترب أكثر فأكثر”.

وكان موقع “زْمان إسرائيل” قد أقرّ، في وقتٍ سابق، بأنّه “لا يوجد في التاريخ الإسرائيلي أي إخفاق يضاهي، من حيث حجمه، وربما أيضاً من حيث تداعياته، العاصفة الكاملة التي تجتاح هذه الأيام العقيدة الأمنية التي قادها نتنياهو على مدى سنوات”.

وأكّد الموقع أن رئيس الحكومة الإسرائيلية جلب كارثة استراتيجية على “إسرائيل”.

الميادين

دخل مصطلح “الهندسة” بقوة على القاموس السياسي الفلسطيني في السنوات الأخيرة، ليصبح الأكثر شيوعاً في وصف ما يُعقد من مؤتمرات (الثامن لحركة فتح)، وما جرى من انتخابات بلدية ومحلية…وما يجري التحضير له من انتخابات مقبلة (مجلس وطني، تشريعية، رئاسية) …لا شيء يُترك للصدف عندما يتعلق الأمر بإحكام القبضة على السلطة، ولا شيء يبقى للمنافسة، حين يتصل الأمر براهن النظام السياسي الفلسطيني ومستقبله.

و”الهندسة” تعني، من ضمن ما تعني، أن نتائج أي استحقاق انتخابي، يتعين أن تكون محسومة سلفاً لصالح فريق مدجج بسطوة السلطة والمال والأمن، ومن لا يأتي بالقوة الناعمة، سيأتي بالقوة الخشنة، إنفاذاً لقاعدة أزلية لخصت دور “العصا والجزرة” في إحكام السيطرة، وإخضاع الخصوم والمعارضين، وإسكات المحتجين والمجادلين.

“شراء الصوت”، هو الهدف الأول لهذا التكتيك الانتخابي، فإن تعذر فلا بأس من “شراء الصمت”، وذلكم أضعف الإيمان… وأحسب أنه بمقدور القارئ الفلسطيني الحصيف، أن يأتي بعشرات الأمثلة والشواهد الدالة على الأمرين معاً، وبما يدحض تماماً فكرة “دمقرطة” المؤسسات” و”تشبيبها”، والأهم “شرعنتها”، بعد أن “تقادمت” الشرعيات وتآكلت بمرور السنين والأجيال.

و”الهندسة” ليست أمراً مصاحباً للاستحقاقات الانتخابات الفلسطينية، وحدها دون سواها، فهي ظاهرة عربية بامتياز، تتخذ أشكالاً مختلفة، وتعتمد أدوات متنوعة، بيد أنها في الحالة الفلسطينية، تكتسي قدراً هائلاً من الخطورة، بوجود كثرة من “المهندسين”، أكثرهم نفوذاً وتأثيراً، من غير الفلسطينيين، أميركيين وعرباً وأوروبيين، والأخطر، إسرائيليين، فنتائج “الهندسة” هنا، لا تتعلق بتقرير أي من الأطراف المتنافسة، سيحظى بقصب السبق الانتخابي، بل تضرب مباشرة في صميم قضية الفلسطينيين وحقوقهم ومستقبل كفاحهم، وتمس بقدر من الأقدار، مستقبل “إسرائيل” واحتلالها وأمنها واستقرارها، وثمة قصص وحكايات تدعو للخجل والقلق، تعكس حجم التدخل الإسرائيلي في استحقاقات انتخابية، فصائلية خاصة ووطنية عامة.

وتزداد “الهندسة” خطورة، حين لا تقتصر أهدافها ومراميها، على نتائج مؤتمر حركي هنا، أو مجلس تشريعي هناك، فهي في الحالة الفلسطينية، تستبطن “هندسة للديموغرافيا والجغرافيا” الفلسطينيتين، فحين يُشهر “الفيتو الأميركي” في وجه انتخابات حرة ونزية لمجلس وطني جديد لمنظمة التحرير، فهذا يعني أنه يراد اختزال الشعب الفلسطيني بأهل الضفة والقطاع، أو من يتبقى منهم بنتيجة مؤامرات التهجير التي لم تدفن بعد، وهذا يعني أيضاً، اختزال المنظمة بالسلطة، فالأولى مفصلة على مقاس “الكل الفلسطيني”، فيما الثانية تم تكييفها على مقاس أهل الأراضي المحتلة عام 1967، أو بالأحرى، من تبقى منهم في وطنه، أو على ما تبقى لهم من وطن، سلطة أكلت أمها: المنظمة، وذوّبت في دوائرها وأجهزتها ما كان يُعرف ذات يوم، بـ”العمود الفقري” للحركة الوطنية الفلسطينية: فتح … سلطة مرشحة لممارسة بعضٍ من ولايتها، على قسم من شعبها، فوق ما يتبقى من أرضها.

المغزى مما سبق، أن “هندسة” النظام السياسي الفلسطيني، و”إعادة هندسته” إنما هي المقدمة الضرورية للمضي قدما في “هندسة” الجغرافيا والديموغرافيا” الفلسطينيتين، بما ينسجم مع مخرجات “الحل الإسرائيل” و”خطة الحسم”، أو باللغة الفلسطينية الدارجة: تصفية القضية وابتلاع الأرض، والحقوق، والمقدسات، والحلم.

استعجال واحدة واستمهال أخرى

في التفاصيل، كان مفاجئاً صدور مرسوم رئاسي يقضي بإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، فهذا المجلس لم يتشكل يوماً بانتخابات عامة، وظل تشكيله خاضعاً لـ”المحاصصة” تحت عنوان “التوافقات”، والتعيين وفقاً لأكثر معايير المحسوبية والولاء شيوعاً، وأصابته الشيخوخة بفعل تقادم الأجيال وتآكل موقع ودور المنظمات الشعبية والجماهيرية، وغياب المؤثرين والفاعلين من الأجيال الشابة، عن عمله.

مجلسٌ اعتاد الدخول في نوبات متعاقبة من السُبات الشتوي، اضطر معه في نهاية الأمر، لتفويض صلاحياته لغيره (المجلس المركزي)، بعد أن باتت لعبة انعقاده وتأجيل انعقاده وتعذر انعقاده، لعبة سمجة لا تُسعد أحداً، وبعد أن أثقلت كاهله عضويته الموسعة (قرابة 750 عضواً)، فلا يفوقه عدداً سوى مجلس الشعب الصيني.

لكن “فيتو” أميركي، سيداهم السلطة وهي في حمأة الترويج لأهمية انتخاب مجلس وطني جديد، لا لشيء إلا لأن الولايات المتحدة، نيابة عن “إسرائيل”، لا تريد للمنظمة بما تمثل ومن تمثل، أن تظل على قيد الفاعلية والحضور، فما كان من السلطة إلا أن استلت سيف المراسيم الرئاسية من جديد، فأصدرت واحداً يقضى بتقديم موعد إجراء الانتخابات التشريعية، التي لم تكن قد تقررت هذا العام بعد، والثاني يرفع عدد أعضاء المجلس من 132 عضواً إلى 200 عضو، ليطابق “كوتا الداخل” في المجلس الوطني، وليصبح مفهوماً أن أعضاء المجلس التشريعي، هم أعضاء تلقائيين في المجلس الوطني، في عملية التفافية، تعكس ارتهان المنظومة السياسية للإملاءات الأميركية.

وسيتم اختيار 150 عضو آخر، يمثلون الخارج، بالانتخاب حيثما أمكن والتعيين غالباً، والأرجح أن “تقدير موقف” سيصدر قريباً يوصي بتعذر إجراء الانتخابات في كل مكان، واللجوء إلى التعيين، لتكتمل بذلك دائرة الإمساك بتلابيب “الممثل الشرعي الوحيد”.

على أن أخطر ما يجري تداوله تسريباً، أن عضوية المجلس الجديد ستستثني من صفوفها ممثلين عن أ كثر من ستة ملايين فلسطيني (الأردن والخط الأخضر)، بخلاف ما جرت عليه العادة، أو الاكتفاء بتمثيل رمزي عنهم، لتفادي الدخول في إشكاليات مع “إسرائيل” والأردن، الأمر الذي يُبقي الخارج محصوراً بالجاليات ومن تبقى من فلسطينيي سوريا ولبنان، حيث سيسهل تعيين ممثلين عنهم من “الهياكل” القائمة، فتحكم “الجماعة” قبضتها على “خاتم الممثل الوحيد”، وربما لأداء آخر وظائفه: التوقيع على شهادة وفاة المشروع الوطني الفلسطيني.

الخلاصة، في نوفمبر القادم، من المفترض أن يتداعى الفلسطينيون إلى مراكز الاقتراع لاختيار 200 عضو تشريعي/وطني، لا نعرف إن كانت الانتخابات ستتم أم لا، وكيف سيتعامل الرئيس مع إقدام “إسرائيل” على منع سكان القدس من المشاركة، وهي الذريعة التي تحجج بها لتعطيل انتخابات 2021، ولا نعرف كيف ستتم الأمور في قطاع غزة المنكوب، لكن ما يقلق “الكل الفلسطيني” أن المشاركة في الانتخابات باتت مشروطة وليست مفتوحة، فإن أنت أردت المشاركة، عليك أن تعترف بالمنظمة وبرنامجها والتزاماتها والموافقة على قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وبخلاف ذلك، تكون قد اخترت المقاطعة أو جازفت برفض طلب الترشيح… وهذه لعمري، مقاربة إقصائية، هدفها تمكين فريق واحد فقط من المشاركة، وإقصاء بقية المخالفين والمعارضين، وتلكم ذروة غير مسبوقة في “هندسة الانتخابات”، خجلت منها أكثر النظم الانتخابية تعسفاً وتحوّطاً.

والأهم، أن الانتخابات التي يُراد بها “شرعنة” و”تشبيب” و”دمقرطة” النظام السياسي الفلسطيني، يجري ترتيبها و”هندستها” من جانب فريق واحد، من دون تشاور أو تفاعل أو حوار مع بقية المكونات الفلسطينية، وفي ظل انقسام ممتد لعقدين من الزمان، أكل الأخضر واليابس، وفي ظل قانون واشتراطات يُراد بها إقصاء الطرف الآخر، بدل إدماجه واحتوائه، الأمر الذي سيجعل منها سبباً في تعميق الانقسام، بدل ان تكون جسراً للعبور نحو الوحدة.

واللافت أن لا حديث رسمياً عن الانتخابات الرئاسية، برغم مرور أزيد من عشرين على آخر جولة منها، كل ما نعرفه أنها ستجري مطالع العام المقبل، من دون توقيتات أو مراسيم، وبعد أن رفضت فكرة إجرائها متزامنة مع “التشريعية”.

الرئاسة على ما يبدو في مأزق، فإن هي قررت إجراء الانتخابات الرئاسية بعد أشهر، توجب عليها البحث عن مرشح عنها، يمثلها ويمتلك القدرة على المنافسة والفوز فيها، وهذا غير متوفر من بين صفوفها، أو إعادة ترشيح الرئيس لولاية جديدة، وهو الذي جاوز التسعين عاماً.

أغلب التقديرات تقول إن الانتخابات الرئاسية سيجري تمديدها حتى إشعار آخر، فيحصل التجديد بفعل العوامل الطبيعية، ويخرج الرئيس إلى الحياة الأخرى من مقره في المقاطعة، رئيساً عاملاً، لا رئيساً سابقاً، ما لم يقطع مسار “التوريث” أشواطاً سريعة جديدة، بعد الشوط الذي قطعه في المؤتمر الثامن لحركة فتح، وهبوط عباس-الابن،  بالبراشوت على لجنتها المركزية. فالتوريث في الحالة الفلسطينية، كما العربية، يفضل أن يكون “بيولوجياً”، وليس سياسياً أو حزبياً فحسب.

ماذا أنتم فاعلون؟

فيما مشهد النظام السياسي الفلسطيني يرتسم أمام أنظار الجميع، وعمليات “الهندسة” جارية على قدم وساق، تقف الفصائل الفلسطينية الإسلامية (حماس والجهاد) والوطنية (جبهة اليسار)، عاجزة عن اجتراح خيارات وبدائل، تتخطى المناشدات والنداءات، التي تعظّم الوحدة وتهجو الانقسام، وتستحضر أفكاراً ومقترحات من صناديق ما قبل السابع من أكتوبر القديمة والبالية، من دعوة الإمناء العامين للانعقاد، إلى تفعيل الإطار القيادي الموحد الذي لم ير النور، للالتئام فوراً، واستئناف مسارات المصالحة والوحدة وترتيب البيت الداخلي.

نداءات ومناشدات لم تشفع لها من قبل، مجازر الاحتلال في غزة، وحرب الإبادة والتطهير، واستباحة الضفة الغربية وابتلاع أجزاء واسعة منها.

نداءات واستغاثات لم تجد طريقها إلى آذان قومٍ لم تطرق مسامعهم نداءات الأقصى وأهل القدس والحرم الإبراهيمي، ولا أنّات وعذابات عشرة آلاف أسير يذوقون الموت صبح مساء.

لماذا تراهن الفصائل الخمس التي أصدرت بيانها المشترك مؤخراً، بأن نداءات الحاضر ستلقى صدى أفضل من نداءات الماضي، وإلى متى تبقى تسلك الطريق ذاته، وتستخدم الأدوات ذاتها، وتتنظر الحصول على نتائج مغايرة؟

لقد آن الأوان، أن لم نقل فات الأوان، لتجريب خيارات أخرى، من قبيل الدعوة لمؤتمر وطني فلسطيني تأسيسي، يضم آلاف الشخصيات الوطنية من كل مكان، داخل وخارج، وتشارك فيه كل الفصائل، وكل من بقي على “فتحاويته” من فتح، وكل المؤتمرات الشعبية والمنظمات الجماهيرية والمجتمع المدني والمثقفين الفلسطينيين، ينتخب مؤسسات قيادية بديلة، ويعلن “نزع الشرعية” عن القيادة المتنفذة وهندساتها، ويشرع في مزاحمتها على أهلية النطق باسم منظمة التحرير والشعب الفلسطيني، فالمنظمة ليست ملكاً لهؤلاء، وهي مختطفة من قبلهم، وقد آن أوان استعادتها، أما السلطة فيتعين أن تعود إلى وظائفها “البلدية والخدمية”، لتنطق المنظمة وحدها باسم الشعب الفلسطيني، ولتقوم بتمثيله في مختلف أماكن تواجده.

آن الأوان، لإسقاط مؤامر اختزال الشعب الفلسطيني بأهل الضفة والقطاع، وتكريس ابتلاع السلطة للمنظمة، واستنقاذ المشروع الوطني الذي يراد له أن يكون “سهلة مهملات” لاستيعاب فضلات الحل الإسرائيلي ومخرجاته، والطريق إلى ذلك، ليس بالمناشدات والنداءات التي ملّها الشعب الفلسطيني، بل بالجرأة على تحدي سلطة الأمر الواقع، ومن يقف وراءها، ويرعى تحولاتها و”هندساتها” التي نعرف وتعرفون، أين ستنتهي، وفي أي وعاء تصب.

عريب اللنتاوي – الميادين

بيان صادر عن بلدية بنت جبيل

إنّ الانتهاكات الصهيونية المستمرة بحق أرضنا وشعبنا لم تتوقف يوماً، وهي تضرب بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية وقرارات وقف إطلاق النار. وبالرغم من النداءات والمطالبات الدولية، وآخرها بيان جامعة الدول العربية الذي أدان عمليات التدمير الممنهج للمدن والقرى في جنوب لبنان، لا يزال العدو الإسرائيلي يمعن في سياسته التدميرية التطهيرية

إننا في بلدية بنت جبيل، ندين بأشد العبارات الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال بالأمس، والمتمثلة في التدمير الكامل والممنهج لـ “حي الدورة” في مدينة بنت جبيل. إن هذا الاعتداء السافر لا يمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاق وقف إطلاق النار فحسب، بل يندرج ضمن مخطط أوسع عبّر عنه علانية وزراء في حكومة الاحتلال، أمثال بن غفير وسموتريتش، الذين يسعون بوضوح إلى تحويل مدننا وقرانا إلى أرضٍ محروقة وصحراء قاحلة، مفرغة من أهلها وتاريخها وروحها.
بناءً على ما تقدم، فإن بلدية بنت جبيل تؤكد على الآتي:

دعوة الحكومة اللبنانية: نُطالب الدولة اللبنانية بتحمل مسؤولياتها الوطنية والقانونية، والتحرك الفوري والعاجل لدى مجلس الأمن والمحافل الدولية لتوثيق هذه الجرائم، والضغط لفرض وقف فوري وشامل لهذه الاعتداءات التي تستهدف البنية التحتية والنسيج العمراني لمدينتنا

المسؤولية الدولية: إن استمرار الصمت الدولي أمام هذه الأعمال العدائية الموثقة، التي تجري على مرأى ومسمع من العالم، يعد شراًكة ضمنية في تقويض السلم والأمن في المنطقة، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى التزامه بالقوانين الدولية والإنسانية

التمسك بالأرض: نؤكد لأهلنا الصامدين وللرأي العام، أن هذه السياسات التدميرية لن تزيدنا إلا تمسكاً بمدينتنا وأرضنا، وأن إرادة الحياة والبقاء أقوى من آلة الدمار والتهجير

ستبقى بنت جبيل، كما كانت دائماً، عصية على الانكسار، وسنبقى نلاحق حقوقنا في كافة المحافل لضمان محاسبة المعتدين وإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الصهيونية.

أقرّ رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بوجود خلافات في الرأي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مشيراً في مقابلة مع شبكة “فوكس” الأميركية إلى أن موعد زيارته لواشنطن لم يُحدد بعد.

ووصف نتنياهو “إسرائيل”، بـ”الحليف المثالي” لواشنطن، مؤكداً وجود آلية لتسوية الخلافات، في وقتٍ يُلاحق فيه منذ عام 2024 بمذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة منذ عام 2023.

وأعرب نتنياهو عن تطلعه لتحقيق ما وصفه بـ”السلام” مع لبنان خلال لقائه المرتقب مع ترامب، فيما يواصل “جيش” الاحتلال عدوانه على مختلف المناطق جنوبي لبنان موقعاً شهداء وجرحى.

كما استحضر نتنياهو تجربة إبرام “اتفاقيات أبراهام” السابقة مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، كنموذج لما يمكن تحقيقه مجدداً مع الإدارة الأميركية.

وفي الشأن الإيراني، حذّر نتنياهو من ما وصفه بـ “تمكين طهران من امتلاك سلاح نووي”، بالرغم من التأكيدات الإيرانية المستمرة على سلمية برنامجها.

يُذكر أن نتنياهو ردّ أمس الأحد، على تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس التي قال فيها إن الولايات المتحدة هي الحليف الوحيد لـ”إسرائيل”، قائلاً: “لدينا أيضاً عدد من الأصدقاء الآخرين مثل دولة صغيرة اسمها الهند يعيش فيها 1.4 مليار نسمة”.

جاء ذلك بعد تصريح نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بأن واشنطن هي “الحليف القوي الوحيد” المتبقي لـ “إسرائيل”.

وفي منتصف حزيران/يونيو الماضي، قال فانس إن ترامب هو الزعيم العالمي الوحيد الذي يتعاطف مع “إسرائيل” في الوقت الراهن.

الميادين

كتب رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل على منصة “أكس”: “3 مشاهد في الجنوب، مشهد يكبر القلب لما أهلنا في القرى الحدودية يتمسكون بالـ١٠٤٥٢كلم2، مشهد محزن لما إسرائيل تستهدف مديرة مدرسة مع عائلتها، ومشهد مخيف لما السلطة تكون عاجزة أمام إتفاق كشف لبنان وأعطى الغطاء إلى إسرائيل للاعتداء والاحتلال، ومنعنا حتى نتشكى وخلانا نخاف أكثر على لبنان”.

العهد

تخليدًا لدمائهم الزاكية وإحياءً لذكراهم العطرة، أقام حزب الله الحفل التكريمي لشهداء المقاومة الإسلامية في بلدة صديقين، والذين ارتقوا في معركة العصف المأكول، بحضور عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسين جشي، إلى جانب عوائل الشهداء وفعاليات وشخصيات وعلماء دين وحشود من الأهالي.

بعد تلاوة آيات من القرآن الكريم، ألقى النائب جشي كلمة حزب الله، قال فيها إن السلطة في لبنان، وفي سياق الوصول إلى ما سُمّي باتفاق الإطار خلال الاتفاق الذي وقعته مع العدو الصهيوني، لم تكن تفاوض بقدر ما كانت تتلقى التعليمات، فالمفاوضات عادةً تقوم على امتلاك كل طرف أوراق قوة؛ العدو يمتلك أوراق قوة عسكرية وميدانية، ويحتل الأرض أو جزءًا منها، ولديه القدرة على الاعتداء، فضلًا عن كونه مدعومًا أميركيًا، في حين أن السلطة ذهبت إلى هذه المفاوضات من دون أي عنصر من عناصر القوة.

وتابع النائب جشي: لو جلس الوفدان اللبناني والإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات، وقال الوفد اللبناني إنه لا يقبل بهذا الشرط أو ذاك، فما الذي يمكنه أن يستند إليه؟ ماذا يستطيع أن يقول؟ هل يمكن أن يقول إنه يعتمد على الجيش اللبناني، مع محبتنا واحترامنا وتقديرنا له ولعقيدته الوطنية، ولكن الجيش ينقصه أمران أساسيان: القرار السياسي، والتسليح، وهذا قرار تتحمله السلطة منذ خمسين عامًا، إذ لا يوجد لديها قرار بمواجهة العدو، ولا بتسليح الجيش، وأكثر من ذلك جرمتم المقاومة، وعندما ذهبتم إلى المفاوضات تخليتم عنها، ووضعتم قرارات اعتبرتها خارجة عن القانون، فبأي عنصر قوة تواجهون العدو؟

وأضاف النائب جشي: قد يُقال إن عنصر القوة الذي نملكه هو قانون الدولة، ولكن العدو الإسرائيلي لا يحترم حتى القانون الدولي، فالولايات المتحدة، عندما اعتدت على الصومال وأفغانستان والعراق، فعلت ذلك من دون قرار من مجلس الأمن، وضربت بعرض الحائط القانون الدولي، وكان آخر اعتداء على الجمهورية الإسلامية، واليوم العدو الإسرائيلي مدعوم من الأميركي، ولذلك لا يقيم وزنًا لا للقانون الدولي ولا لقراراته.

بعد أكثر من ذلك، في عام 2024، قام المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة بتمزيق ميثاق الأمم المتحدة أمام الكاميرات، وفي قاعة المنظمة نفسها، هذا عدو، أولًا، لا يعترف بقانون الدولة ولا بالقانون الدولي، وثانيًا، هو مدعوم من دولة مجرمة ومتسلطة على الشعوب، هي الولايات المتحدة، التي لا تعترف أيضًا بالقانون الدولي.

وحتى الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان يقول إنه لا يعنيه القانون، وإنما ما يراه محققًا للمصلحة، وللعلم، فقد صدر بحق العدو الإسرائيلي مئة وثلاثون قرارًا أمميًا، ولم ينفذ قرارًا واحدًا منها.

وتوجه النائب جشي إلى السلطة في لبنان: أنتم تتحدثون عن قانون الدولة، بينما هذا القانون لا قيمة له عند العدو الإسرائيلي ولا عند الأميركي. والأميركي نفسه، الذي يزوّد العدو الإسرائيلي بالطائرات والقنابل والصواريخ، هو من يقدّم نفسه حكمًا ووسيطًا في الوقت نفسه. فإذا كان قانون الدولة لا قيمة له عند هؤلاء، فبماذا ستواجهونهم؟ أما الجيش، فليس هناك قرار سياسي يسمح له بمواجهة العدو، ونحن نحترم الجيش اللبناني، ونؤكد على عقيدته الوطنية، لكننا جميعًا رأينا أن القرار كان يقضي بانسحاب الجيش كلما توغل العدو الإسرائيلي، والمقاومة التي كان يمكن أن تشكل عنصر قوة، قمتم بتجريمها، فماذا بقي لديكم من عناصر القوة؟

مواقف النائب حسين جشي جاءت أيضًا خلال مشاركته في الاحتفال التكريمي الذي أقامه حزب الله في بلدة كفردونين لشهداء المقاومة الإسلامية الذين ارتقوا في معركة العصف المأكول، إلى جانب عوائل الشهداء وفعاليات وشخصيات وعلماء دين وحشود من الأهالي، حيث أشار في كلمته إلى أن السلطة في لبنان قدّمت للعدو الإسرائيلي تنازلات تجاوزت حتى ما نصّت عليه المبادرة العربية للسلام التي أُقرت في القمة العربية عام 2002، والتي قامت على مبدأ «الأرض مقابل السلام»، بما يعني إنهاء حالة العداء بين العرب والعدو الإسرائيلي مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة، لكن في مسار إنهاء الحرب بين لبنان والعدو الإسرائيلي، تخلّت السلطة حتى عن هذه المبادرة العربية، وتخلّت أيضًا عن اتفاق الهدنة لعام 1949 الذي حدّد الضوابط الناظمة للعلاقة بين لبنان والعدو الإسرائيلي في ما يتعلق بالحدود والاعتداءات وسائر القضايا المرتبطة بها.

وطالب النائب جشي السلطة في لبنان بأن تجيب على الأسئلة التي تُطرح حيال ما يقوله العدو الإسرائيلي نفسه، فالعدو يعلن جهارًا نهارًا أنه استفاد من اتفاق الإطار، وأن هذا الاتفاق شرّع وجوده في لبنان، ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو صرّح بأن «اتفاق الإطار عزّز وجودنا في لبنان بموافقة السلطة اللبنانية»، لذلك فإن على ركني السلطة في لبنان اللذين أبرما هذا الاتفاق أن يوضحا للبنانيين: إذا كان عدونا يقول ذلك، وكانت الوقائع على الأرض تؤكد ما يقوله، فما هي الفوائد التي جناها لبنان من اتفاق الإطار.

وقال النائب جشي: أنتم، أولًا، اعترفتم بالعدو من خلال المفاوضات المباشرة، وأنتم جرّمتم المقاومة قبل الذهاب إلى الاتفاق، واعتبرتموها خارجة عن القانون، كما أنكم منحتم العدو ما لم يكن يحلم بالحصول عليه، فبحسب اتفاق الإطار، بات يحق للعدو البقاء في المنطقة التي يسمّيها «الخط الأصفر»، كما يحق له أن يقتل اللبنانيين ويفعل ما يشاء بذريعة الحفاظ على مصالحه الأمنية، وهو الذي لا تنقصه الذرائع لتبرير اعتداءاته، وإن اتفاق الإطار الذي أبرمتماه لم ينجح، حتى الآن، في وقف إطلاق النار في لبنان، لأن العدو لا يزال يقتل اللبنانيين يوميًا، ويدمر بيوتهم، ويفجر الحقول والوديان متى شاء، فأين هي الإيجابيات التي وعدتم بها اللبنانيين، وقلتم إنهم سيحصلون عليها من خلال اتفاق الإطار؟ أين هي الحماية التي زعمتم أن الاتفاق يؤمنها لهم؟ فالعدو لا يزال يقتل، ويدمر المنازل، وينفذ اعتداءاته في الوقت الذي يريده، فأين هي هذه الحماية؟ وأكثر من ذلك، فإن الإسرائيليين أنفسهم يقولون إن شعارهم في واشنطن هو أنهم «يفاوضون أنفسهم»، في إشارة إلى مستوى الانحياز الأميركي لهم.

وختم النائب جشي: أما في ما يتعلق بالعدو الصهيوني، فهو يفترض كعادته أن القتل والتدمير يمكّنانه من فعل ما يشاء وتحقيق ما يريد، لكن أهلنا بحمد الله أهل معرفة ووعي، ومن الواضح للقاصي والداني أن المشروع الأميركي الإسرائيلي قد مُني بنكسة كبيرة في هذه المعركة الأخيرة، وهذا أمر لا يحتاج إلى كثير من الشرح، وحتى الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال يومها إن الحرب ستنتهي خلال أربعة أيام، وإنهم لا يقبلون إلا باستسلام إيران، وإنهم يريدون تحقيق تسعة وتسعين في المئة من مطالبهم، كما كان كلام الإسرائيليين واضحًا أيضًا، إذ تحدثوا عن «شرق أوسط جديد»، وعن إنهاء المقاومة، وهذا هو المعلن، فضلًا عن الأهداف غير المعلنة التي كانت بلا شك أكبر، وإذا تذكرتم فقد كان البعض يتحدث عن تهجير أهل الجنوب إلى ما بعد الأولي، ثم إلى ما بعد الزهراني، ثم إلى ما بعد الليطاني، واليوم يتحدثون عن ما بعد الخط الأصفر، لكن الواضح أن الأميركي والإسرائيلي قد أصيبا بنكسة كبيرة في هذه المعركة.

المصدر: المنار

على الرغم من توقيع إطار اتفاقية التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران ببنودها الأربعة عشر، وبدء الجولة الأولى من المفاوضات في جنيف، إلا أن الجولة الثانية غير المباشرة في قطر كانت مفاجئة بحجم المرونة التي أبداها الأميركيون تجاه إيران.

وجاءت هذه المرونة بعد أن عملت واشنطن على نقض الاتفاق وتفريغه، خاصة فيما يتعلق بمضيق هرمز، ليقينها بالمخاطر المنعكسة على نظام البترودولار الذي تشكّل فيه دول الخليج المرتكز الأساسي له.

كما سعت واشنطن إلى فصل المسارين الإيراني واللبناني تلبية للضغوط “الإسرائيلية” داخل الإدارة الأميركية، لمنع التحولات الاستراتيجية في منطقة غرب آسيا على حساب دورها.

هذا الأمر يوضح محورية غرب آسيا كقلب للعالم في تحديد مسارات النظام الدولي الجديد الذي لم يُعلن عن ولادته بعد. فالمرحلة الأخيرة من خطة إسقاط الدول السبع التي كشفها الجنرال الأميركي المتقاعد ويسلي كلارك عام 2001 – والتي كانت تهدف إلى إسقاط العراق، سوريا، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان، وإيران – قد سقطت في مرحلتها الأخيرة من الناحية الفعلية، بفعل القدرات الإيرانية غير المتماثلة وبنية الشخصية الإيرانية المتجذّرة تاريخياً وحضارياً في إدارة الحرب التي شُنّت عليها.

سقوط مشروع إعادة هيكلة الشرق الأوسط

ما حدث يعني سقوط مشروع تدمير إيران، الذي كان ضرورياً لعملية إعادة هيكلة ما يسمّى غربياً “الشرق الأوسط” وفقاً للرؤية الغربية. لقد أثبتت الحرب أن إيران لم تكن مجرد حلقة في سلسلة، بل كانت الحلقة الأقوى التي كسرت السلسلة بأكملها.

فبينما كانت الخطة الأميركية تتصوّر أن إسقاط نظام بغداد سيكون البداية، وأن دمشق وبيروت وطرابلس ستسقط كقطع الدومينو، فإن الواقع أثبت أن طهران كانت حجر الزاوية الذي لم يتحرك، بل تحرّك هو وأطاح كل الحسابات.

اليوم، يفرض الواقع الجديد على واشنطن الاعتراف بالتعاطي مع قوى جديدة في المنطقة، وعلى تل أبيب أن تعترف بأن مشروع “إسرائيل الكبرى” أصبح في مكان آخر. لم تعد الخرائط التي رسمتها المخيّلة الصهيونية “من الفرات إلى النيل” قابلة للتحقيق، بعد أن أثبتت المقاومة في غزة وجنوب لبنان، بدعم من الإرادة الإيرانية، أن هذه المشاريع التوسعية تصطدم بحقائق الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا.

خيار واشنطن الوحيد: الاقتصاد أم “إسرائيل”؟

هذا الواقع الجديد يفرض على واشنطن خياراً واحداً لا اثنين. فالحرب التي يمكن أن تندلع من جديد لن تغيّر من واقع هرمز، الذي بات بيد إيران مفتاح الاقتصاد العالمي، وبيدها إغلاقه نحو الكساد الكبير. فمنذ اليوم الأول للحرب، أظهرت إيران قدرتها على شلّ حركة الملاحة في المضيق، ما يهدد بإغراق العالم في ركود لا يقلّ كارثية عن الكساد الأعظم.

في هذا السياق، تبرز معادلة صارخة: إما أن تختار واشنطن إنقاذ اقتصادها واقتصاد العالم، وإما أن تختار “إسرائيل” ودمار العالم اقتصادياً. فالدين الأميركي الوطني تجاوز حاجز 37 تريليون دولار,وهو رقم يعادل اقتصاد الصين ومنطقة اليورو مجتمعَين.

وهذا الدين يتضاعف بمعدل تريليون دولار كل خمسة أشهر، مع توقعات بأن يصل إلى 54 تريليون دولار خلال عقد، وإلى 150 تريليون دولار بحلول 2055. في هذا السياق، أي حرب جديدة تعني إنفاقاً عسكرياً هائلاً سيزيد من الدين، وأي إغلاق لمضيق هرمز يعني ارتفاعاً جنونياً في أسعار النفط، وأي ركود عالمي يعني انهيار الإيرادات الضريبية، وكلها عوامل تضرب الاقتصاد الأميركي في مقتل.

أما “إسرائيل”، فهي تخرج من هذه الحرب منهكة أكثر مما دخلتها، بعد قرابة ثلاث سنوات من الحروب المتواصلة التي استنزفت اقتصادها وجيشها ومخزونها الاستراتيجي. لم تعد القوة التي يمكنها تغيير التحولات الاستراتيجية في غرب آسيا، ولم تعد الورقة الرابحة التي يمكن لواشنطن المراهنة عليها.

لقد أثبتت الأيام أن “إسرائيل” لم تعد قادرة على فرض إرادتها على جيرانها، وأن مشروعها التوسعي قد اصطدم بحائط المقاومة المسلحة والإرادة الإيرانية الصلبة.

الاختيار المحتوم

وبكل الأحوال، حتى لو اختارت واشنطن الخيار الأول – أي إنقاذ الاقتصاد العالمي – فإن ذلك لن يؤثر على مسار الديون الأميركية المتصاعدة. فالدين الوطني البالغ 37 تريليون دولار ليس مجرد رقم في دفاتر الخزانة، بل هو قنبلة موقوتة تحت اقتصاد واشنطن، تنتظر اللحظة المناسبة للانفجار.

فائدة الدين وحدها تجاوزت تريليون دولار سنوياً، متجاوزة ميزانية الدفاع بأكملها، ومهددة بتحويل الولايات المتحدة إلى دولة مفلسة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها الدولية.

في هذه المعادلة، لم يعد خيار الحرب مطروحاً بجدية، لأن أي حرب جديدة ستعني ليس فقط استمرار الاستنزاف، بل انهياراً اقتصادياً قد يطيح الولايات المتحدة من موقعها كقوة عظمى. كما أن خيار الاستمرار في دعم “إسرائيل” من دون قيد أو شرط لم يعد ممكناً، لأن هذا الدعم سيصبح عبئاً لا تحتمله الميزانية الأميركية، وسياسياً لا يحتمله الرأي العام الأميركي المتعب من حروب الشرق الأوسط.

أسئلة مفتوحة في زمن الغموض

في ظل هذه المعطيات، تبقى هناك أسئلة  مفتوحة على كل الاحتمالات:

· هل ستنجح إدارة ترامب في إقناع “اللوبي الإسرائيلي” بضرورة التضحية ببعض المصالح الإسرائيلية من أجل إنقاذ الاقتصاد الأميركي، أم أن ضغوط الآيباك ستكون أقوى من أي اعتبار اقتصادي؟

· كيف سيكون شكل غرب آسيا إذا اختارت واشنطن الانسحاب الاستراتيجي والاعتراف بالنفوذ الإيراني، وهل سيكون هذا الانسحاب منظّمًا أم فوضويًا؟

· هل تستطيع إيران، المنتصرة معنوياً وسياسياً، تحويل انتصارها إلى مكاسب اقتصادية حقيقية تعزز مكانتها الإقليمية، أم أن العقوبات والضغوط ستستمر في تقويض اقتصادها؟

· وإذا اختارت واشنطن “إسرائيل” على حساب الاقتصاد العالمي، فهل سيكون العالم مستعداً لتحمّل تبعات كساد كبير جديد، أم أن القوى الصاعدة (الصين، روسيا، الهند) ستتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

· والسؤال الأهم: هل تدرك “تل أبيب” أن الوقت قد حان لإعادة تعريف دورها في المنطقة، من مشروع إمبراطوري توسّعي إلى دولة إقليمية تبحث عن البقاء في محيط متغيّر، أم إلى كيان غير قابل للبقاء؟

الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار غرب آسيا للسنوات المقبلة، وربما لخمسة عقود. فإما أن نصل إلى تسوية تاريخية تعيد تشكيل المنطقة، وإما أن ننزلق إلى فوضى واسعة قد تطيح الجميع.

لكن المؤكد أن خيارات واشنطن و”تل أبيب” لم تعد كما كانت، وأن المنطقة التي كانت تُدار بوصاية غربية أصبحت اليوم ساحة لتوازنات جديدة، تحكمها قوى إقليمية صاعدة تدرك أن مستقبلها لم يعد مرتبطًا بإملاءات الخارج، بل بإرادتها الذاتية وقدرتها على الصمود وبناء تحالفاتها الخاصة.

احمد الدرزي – الميادين

بعد ألف يوم من الحرب، لم تعد “إسرائيل” أمام حدث عسكري عابر يمكن قياسه بعدد الجبهات أو حجم النيران أو اتساع العمليات. فالحرب التي بدأت من لحظة صدمة كبرى، ثم امتدت في الزمن والجغرافيا، تحوّلت إلى اختبار مفتوح لـ”الدولة” والمجتمع والعقيدة الأمنية والقيادة السياسية.

لكنَّ السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما فعلته “إسرائيل” في ساحات القتال، بل بما فعلته الحرب داخل “إسرائيل” نفسها. هل منحت هذه الحرب “إسرائيل” فرصة لترميم صورتها وقوتها وردعها، أم أنها فتحت أسئلة أعمق حول حدود القوة، وكلفة الأمن، وقدرة المجتمع على الاحتمال؟ وهل كانت الجبهات المتعددة دليلًا على اتساع القدرة الإسرائيلية، أم على اتساع المأزق الذي وجدت نفسها داخله؟

من هنا، لا يبدو مرور ألف يوم مجرد رقم زمني في حرب طويلة، بل محطة كاشفة تستدعي قراءة أبعد من بيانات “الجيش” وتصريحات السياسيين. فهي تطرح سؤالًا مركزيًا: أي “إسرائيل” كشفتها الحرب بعد ألف يوم؟ “إسرائيل” القادرة على الصمود والقتال طويلًا، أم “إسرائيل” التي وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف معنى الأمن والقوة والشرعية في بيئة لم تعد تشبه ما قبل السابع من أكتوبر؟

أولًا: العقيدة الأمنية بين الإخفاق وإعادة التشكيل

لم يكن السابع من أكتوبر مجرد إخفاق أمني عابر في منظومة الإنذار أو الاستخبارات، بل لحظة أعادت فتح السؤال حول صلاحية العقيدة الأمنية الإسرائيلية نفسها. فاستقالة رئيس الأركان هرتسي هاليفي في يناير/كانون الثاني 2025، مع إقراره بمسؤوليته عن فشل “الجيش” في ذلك اليوم، منحت هذا النقاش بعدًا رسميًا داخل المؤسسة العسكرية، لأنها لم تتعامل مع ما جرى باعتباره خللًا ميدانيًا محدودًا، بل فشلًا في المهمة الأساسية لـ”الجيش”: حماية المواطنين.

وفي دراسة «الأمن القومي لدولة إسرائيل: العقيدة والتوجيهات السياسية للأعوام 2025–2026»، الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، يظهر بوضوح أن الحرب لم تفرض فقط مراجعة للأداء العسكري، بل مراجعة أوسع لمفهوم الأمن القومي ذاته. وتذهب دراسة «عقيدة أمنية جديدة لإسرائيل»، الصادرة عن معهد ميسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية، إلى اتجاه أكثر صراحة، حين تطرح الحاجة إلى عقيدة جديدة تنطلق من إعادة فحص الافتراضات الأساسية، لا من مجرد ترميم العقيدة التاريخية.

غير أن المعضلة لا تكمن فقط في الاعتراف بالحاجة إلى عقيدة جديدة، بل في شروط إنتاجها. فالعقيدة الأمنية ليست وثيقة عسكرية تصدر عن هيئة الأركان، بل هي تعبير عن توافق سياسي ومجتمعي حول طبيعة التهديد، وحدود استخدام القوة، وحجم الأثمان التي يقبل المجتمع دفعها. وبعد ألف يوم من الحرب، لا يبدو أن هذا التوافق قد تبلور داخل “إسرائيل”، في ظل استمرار الخلاف حول أهداف الحرب، وحدود استخدام القوة، وموقع “الجيش” في المجتمع.

لذلك تبدو “إسرائيل” وكأنها تجاوزت كثيرًا من يقينيات العقيدة القديمة، لكنها لم تستقر بعد على عقيدة جديدة قادرة على جمع المؤسسة السياسية والعسكرية والمجتمع حول رؤية أمنية واحدة.

ثانيًا: حدود القوة العسكرية في إنتاج أمن قومي مستقر

كشفت ألف يوم من الحرب أن القوة العسكرية الإسرائيلية، على اتساعها، لا تكفي وحدها لإنتاج أمن قومي مستقر. فالمشكلة لم تكن في قدرة “إسرائيل” على استخدام القوة، بل في قدرتها على تحويل هذه القوة إلى نتيجة استراتيجية قابلة للاستمرار.

وقد بدا ذلك واضحًا في انتقال مركز الثقل من غزة إلى لبنان ثم إلى إيران، ثم العودة إلى لبنان، حيث اتسع نطاق العمليات العسكرية من دون أن يعني ذلك إغلاق مصادر التهديد أو تثبيت معادلة أمنية نهائية.

وفي دراسة الأمن القومي “لدولة إسرائيل” نفسها، يرد تحذير لافت من الاعتقاد بأن مزيدًا من القوة العسكرية وحدها يمكن أن يكون الحل، إذ تؤكد أن التاريخ يعلّم أن الأمن الدائم يتطلب الجمع بين القوة العسكرية والجهد السياسي.

ويعزز هذا المعنى ما خلصت إليه دراسة أخرى للمعهد بعنوان «تفكيك المحور: إضعاف وتعطيل شبكة وكلاء إيران»، التي ترى أن إيران ومحورها تراجعا، لكنهما لم يُهزما، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل النجاحات التكتيكية إلى إنجازات استراتيجية طويلة المدى.

وتأتي الحرب الإسرائيلية–الأميركية ضد إيران في نهاية فبراير/شباط 2026 بوصفها المثال الأقصى على هذه المفارقة. فحتى عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب إلى جانب “إسرائيل” منذ اللحظة الأولى، بقي السؤال مفتوحًا حول قدرة القوة القصوى على إنتاج استقرار أمني دائم.

وهذا ما تؤكده أيضًا دراسة «حرب إسرائيل–إيران: الانفتاح الاستراتيجي الجديد لإسرائيل» الصادرة عن مركز بيغن–السادات للدراسات الاستراتيجية، والتي ترى أن الحرب أظهرت حدود قدرة “إسرائيل” على تشكيل النظام الإقليمي منفردة، رغم ما حققته من نجاحات عملياتية.

بهذا المعنى، لا تقول ألف يوم من الحرب إن “إسرائيل” ضعيفة عسكريًا، بل تكشف فجوة أعمق بين القدرة على الضرب والقدرة على تثبيت الأمن.

فالقوة قد تُضعف الخصوم، وتؤخر قدراتهم، وتعيد ترميم الردع مؤقتًا، لكنها لا تكفي وحدها لإغلاق الجبهات أو بناء ترتيبات سياسية وإقليمية مستقرة.

بل إن الإفراط في الاعتماد عليها قد يدفع “إسرائيل” إلى حرب استنزاف ممتدة على أكثر من جبهة. وهذه الفجوة بين التفوق العسكري والحصيلة الاستراتيجية تمثل أحد أهم الدروس التي كشفتها الحرب في بنية الأمن القومي الإسرائيلي.

ثالثًا: المجتمع الإسرائيلي… صمود استثنائي أم صمود بشروط؟

كان أحد أبرز الأسئلة التي فرضتها الحرب الطويلة يتعلق بقدرة المجتمع الإسرائيلي على الاستمرار في تحمل كلفتها البشرية والاقتصادية والنفسية. فبعد ألف يوم من القتال، لم يعد الحديث يدور حول الأسابيع الأولى التي اتسمت بحالة تعبئة وطنية واسعة، وإنما حول مدى قدرة هذا المجتمع على الحفاظ على مستوى الصمود نفسه في ظل حرب مفتوحة زمنيًا وجغرافيًا، واتساع دائرة الخسائر، واستمرار حالة عدم اليقين.

وتشير استطلاعات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في مايو/أيار 2026 وأكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى أن صورة التماسك المجتمعي لم تعد كما كانت في بداية الحرب؛ إذ ظهر تباين واضح في تقييم الإسرائيليين لقدرة مجتمعهم على الصمود، بين من رأى أن الحرب زادته قوة، ومن اعتبر أنها أضعفت تماسكه، إلى جانب قلق متزايد تجاه الأوضاع الاجتماعية والأمن الشخصي.

ويعزز هذا الاتجاه ما خلص إليه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في استطلاعاته حول المجتمع الإسرائيلي أثناء الحرب، إذ بدأ قطاع مهم من الإسرائيليين يتساءل عن قدرة المجتمع على تحمل حرب طويلة، خاصة إذا استمرت الكلفة البشرية والاقتصادية من دون وضوح في الأهداف أو في أفق إنهاء القتال.

كما خلصت دراسة أخرى لمعهد دراسات الأمن القومي حول الصمود المجتمعي والوطني إلى أن صمود المجتمع لا يعتمد على القدرة النفسية وحدها، وإنما يرتبط أيضًا بمستوى الثقة بالقيادة، ووضوح الرؤية الاستراتيجية، وشعور الجمهور بأن التضحيات التي يقدمها تُترجم إلى إنجازات ذات معنى.

ومن هنا، لا يبدو أن الحرب كشفت عجز المجتمع الإسرائيلي عن الصمود، كما لا يمكن القول إنها أثبتت أن هذا الصمود بلا حدود.

فالوقائع تشير إلى أن المجتمع الإسرائيلي ما زال يمتلك قدرة عالية على التعبئة وتحمل الضغوط، إلا أن استمرار هذه القدرة أصبح أكثر ارتباطًا بثلاثة عوامل رئيسية: الثقة في القيادة السياسية والعسكرية، والاقتناع بجدوى استمرار الحرب، والإحساس بأن التضحيات تقود إلى نتائج استراتيجية واضحة.

وكلما تراجعت هذه العناصر، ازداد خطر انتقال المجتمع من مرحلة الصمود إلى مرحلة الاستنزاف، وهو تحوّل لا يظهر فجأة، بل يتراكم تدريجيًا مع امتداد الحرب.

رابعًا: اقتصاد الحرب… بين القدرة على التمويل وحدود الاستنزاف

لم تكشف ألف يوم من الحرب انهيار الاقتصاد الإسرائيلي، لكنها كشفت أن قدرة هذا الاقتصاد على تمويل الحرب ليست بلا كلفة. فقد استطاعت “إسرائيل” الحفاظ على مؤسساتها المالية وسوقها الإنتاجي وقدرتها على الاقتراض، إلا أن استمرار الحرب نقل الاقتصاد من مرحلة امتصاص الصدمة إلى مرحلة إدارة الاستنزاف: إنفاق دفاعي متزايد، تعويضات واسعة، تضرر قطاعات إنتاجية، وضغط متصاعد على المالية العامة.

وفي توقعاته الصادرة في مارس/آذار 2026، قدّر بنك “إسرائيل” عجز الموازنة بنحو 5.3% من الناتج المحلي، والدين العام بنحو 70.5% من الناتج، وهي مؤشرات تعكس انتقال كلفة الحرب من بند طارئ إلى عبء مالي ممتد.

كما أشار المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، في قراءته لموازنة عام 2026، إلى استمرار الضغوط على المالية العامة وارتفاع الدين مقارنة بما قبل الحرب.

ولم يقتصر الأمر على المؤشرات المحلية، إذ خفّض صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) توقعاتهما لنمو الاقتصاد الإسرائيلي، مع التحذير من أن استمرار التوترات الإقليمية واتساع الإنفاق العسكري قد يضغطان على مسار التعافي الاقتصادي.

بهذا المعنى، لا يقول الاقتصاد إن “إسرائيل” عاجزة عن تمويل الحرب، بل يقول إن استمرار التمويل يغيّر أولويات الدولة ويضغط على مستقبلها المالي. فكلما طال أمد الحرب، تحوّلت الكلفة من إنفاق عسكري مباشر إلى شبكة أوسع من الأعباء تشمل إعادة الإعمار، والتعويضات، ودعم القطاعات المتضررة، وارتفاع خدمة الدين، وتراجع اليقين الاستثماري.

وهنا تظهر المفارقة: الاقتصاد الإسرائيلي صمد، لكنه صمد عبر ترحيل جزء من كلفة الحرب إلى السنوات المقبلة. ولذلك، فإن الدرس الاقتصادي لألف يوم من الحرب لا يتمثل في سؤال الانهيار، بل في سؤال الاستدامة: إلى متى تستطيع “إسرائيل” تمويل حرب مفتوحة من دون أن تعيد هذه الحرب تشكيل اقتصادها وأولوياتها الاجتماعية؟

إذا كانت هذه المحاور قد رسمت جانبًا من صورة “إسرائيل” بعد ألف يوم من الحرب، فإن بقية الصورة لا تزال تنتظر. وفي الجزأين التاليين، نستكمل قراءة القضايا الأخرى التي كشفتها الحرب، من الداخل السياسي الإسرائيلي إلى موقع “إسرائيل” في علاقتها بحلفائها والعالم.

حسني لافي – الميادين

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24