مقالات

عون وسلام ماضيان في استنساخ تجربة الـ 83

لا يزال الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام يعيشان حالة إنكار شاملة، رافضيْن الاعتراف بأن الوضع السياسي والعسكري تغيّر جذرياً منذ 27 تشرين الثاني 2024. ويبدو أنهما ماضيان في محاولة استنساخ تجربة الرئيس أمين الجميل عام 1983، وفق ما تؤكده المعلومات والتسريبات حول مفاوضات محتملة مباشرة مع العدو الإسرائيلي.

وفي الوقت الذي سرّبت فيه وسائل إعلام تديرها جهات إسرائيلية ما اعتُبر «مبادرة فرنسية»، كانت إسرائيل ترسل إشارات واضحة إلى عدم رغبتها في أي تفاوض قبل نزع سلاح حزب الله، مهدّدة بشن عملية برية واسعة في جنوب لبنان.

غير أن صحيفة «هآرتس» كسرت هذا الجو عبر نشر معلومات نقلاً عن مصادر دبلوماسية تفيد بأن «وفداً إسرائيلياً وآخر لبنانياً سيلتقيان خلال الأيام المقبلة»، وأن الوزير السابق رون ديرمر سيمثّل الجانب الإسرائيلي، فيما يقود المبعوث الأميركي جاريد كوشنر الوساطة بين الطرفين.

غير أن باريس سارعت إلى نفي هذه الأنباء، مؤكّدة أن المعلومات غير دقيقة، وأن فرنسا «دعمت انفتاح السلطات اللبنانية على إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، وعرضت تسهيل هذه المحادثات، على أن تحدّد الأطراف المعنية وحدها جدول أعمالها، وكل ما عدا ذلك مجرّد تكهّنات».

وبحسب مصادر سياسية بارزة، يمكن رسم الصورة على الشكل الآتي:

أولاً: يعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على إقناع الرئيس نبيه بري بتسمية شخصية شيعية للمشاركة في المفاوضات، وسط إصرار الأخير على أن ملف التفاوض يبقى رهن وقف إطلاق النار والعودة إلى إطار «الميكانيزم».

وفيما سمع بري من النائب السابق وليد جنبلاط، الذي سمّى السفير السابق شوقي بو نصار في عداد الوفد المفاوض، بأنه يفضّل أن يكون الوفد كاملاً، أي بحضور ممثّل عن الشيعة، علمت «الأخبار» أن دوائر بعبدا والسراي الحكومي تشهد نقاشات في إمكانية اختيار شخصية شيعية بمعزل عن رأي عين التينة، وقد بادرت إلى التواصل مع شخصيات شيعية من خارج الثنائي حزب الله وحركة أمل، لكنّها فشلت كما حصل مع السفير رامي مرتضى الذي رفض الانضمام إلى الوفد، إذ يتهيّب الجميع التورّط في هكذا مسار فيما إسرائيل تواصل عدوانها على أهل الجنوب والضاحية والبقاع.

ثانياً، هناك عدم وضوح في الموقف الأميركي، إذ لم تحسم واشنطن بعد هوية الشخصية التي ستتولّى ملف التفاوض، وسط تضارب في المعطيات حول اختيار كوشنر، بينما أبلغ السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى الرئيس بري بأن الملف في عهدته. وفي الوقت نفسه برزت مؤشرات أخرى إلى تحرّك للمبعوث توم براك انطلاقاً من دوره على مستوى المنطقة.

ثالثاً، تحمل الرسائل الواردة من تل أبيب إشارات متناقضة. ويقول مصدر سياسي بارز إن «إسرائيل اتخذت قرارها بعملية برية واسعة النطاق في الجنوب، وهي لن تفاوض قبل تنفيذها، لكنها في المقابل عمدت إلى رسم مسار للتفاوض وسمّت ديرمر ليترأّس الوفد الإسرائيلي، وهذا الأمر ليس جديداً، إذ إن هذا الطرح وصل إلى لبنان قبل الحرب بأشهر وتضمّن مفاوضات سياسية – اقتصادية خارج الميكانيزم»، وتكمن خطورته في الفصل بين المسار الدبلوماسي والعسكري، أي إطلاق مسار التفاوض تحت النار.

رابعاً، انحسار دور قبرص، بعد شعور المسؤولين فيها بأن الوقت غير مناسب لإطلاق المسار السياسي، ولكنها، ركّزت في الأيام الأخيرة على معرفة موقف حزب الله من عملية التفاوض، كما لمست عدم حماسة إسرائيلية للجلوس إلى الطاولة، فيما اتّهم البعض رئيس الحكومة نواف سلام بأنه عمل على الدفع باتجاه أن يكون لفرنسا الدور الأساسي بدلاً من قبرص، بشكل استفزّ الأخيرة ودفعها إلى الانكفاء.

سلطة العجز والاستجداء
في غضون ذلك، لم يعد هناك شك بأن السلطة الحالية تعطي الأولوية المطلقة لإرضاء واشنطن، وتنفّذ معها خطة مشتركة لمحاصرة المقاومة وأخذ لبنان إلى واقع سياسي خطير ولو كان الثمن تفجير لبنان من الداخل. وهي تستبق المعطيات والميدان وتحرق المراحل وتهرول في اتجاه تكرار التجارب السابقة الفاشلة. ومشكلة أركان هذه الدولة أنهم لا يراجعون التاريخ متجاهلين أن إسرائيل لم تتغيّر، علماً أن سلام نفسه، كان حاضراً في كل مشاريع الاستسلام في مرحلة ما بعد الاجتياح الصهيوني عامَ 1982، وكان شريكاً في كل المفاوضات التي جرت يومها.

وكأنه لا يتذكّر أن 32 جلسة تفاوض بوساطة أميركية، في خلدة وفي كريات شمونة، وعدة شهور من الاجتماعات، لم تقنع العدو بالانسحاب، مصراً على فرض ترتيبات أمنية تضمن نفوذه في الجنوب.

آنذاك، كان الوفد اللبناني يضمّ ممثلين عن مختلف الطوائف، حتى الشيعة، وقد انبثقت عن المحادثات مسارات مختلفة: سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية، وكان العدو يعود بعد كل جولة بالمزيد من الشروط التعجيزية، وهو ما وثّقه وزير الخارجية الأسبق إيلي سالم في مذكّراته، كما تناول هذه النقطة، الصحافي الفرنسي آلان مينارغ في كتابه «أسرار الحرب اللبنانية»، كاشفاً كيف كان الإسرائيلي في كل مرة يغيّر شروطه وفق موازين القوى، إذ طرح في واحدة من المرات انسحاب الجيش السوري من البقاع مقابل الانسحاب الإسرائيلي.

وهو دليل إضافي يؤكد أن إسرائيل تعتمد أسلوب المراوغة، ولا تلتزم باتفاقاتها وخير دليل اتفاق 27 تشرين.

وفي هذا السياق، تذكّر أوساط سياسية، بمسوّدة الاتفاق التي كان ينقلها ممثّل أمين الجميل سامي مارون من بيروت إلى تل أبيب وبالعكس. وأكثر ما يُقلِق بالعودة إليها، بحسب المصادر، هو الثمن الذي دفعه المسيحيون بسبب عدم قدرة الجميل على حماية الاتفاقية، إذ زجّت إسرائيل بهم في حرب الجبل، متسائلة: «هل لعون وسلام قدرة على دفع أثمان خياراتهما الانهزامية»؟ وهل يدرك هذا الثنائي معنى مفاوضات تفتقد للشرعية الوطنية، حيث ترفضها المقاومة والفريق الوطني المعارض لهذا العهد وفريق واسع من اللبنانيين؟ هنا تفرض مقارنة 82-83 نفسها، لا كاستعارة تاريخيّة فحسب، بل كمفتاح لفهم الطريقة التي تُدار بها الحروب الإسرائيليّة على لبنان وكعبرة لمن يريد أن يتّعظ!

إسرائيل: المطلوب من لبنان الاستسلام
أكّدت مصادر مطّلعة أن الولايات المتحدة هي التي بادرت إلى التواصل مع قبرص للعمل وسيطاً بين لبنان وإسرائيل ورعاية المفاوضات المُحتملة بينهما، قبل أن يدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الخط، محاولاً فرض نفسه على الطاولة. غير أن الأميركي أحبط محاولته، رافضاً أن يكون هناك أي دور فرنسي في أي مبادرة. وفي هذا السياق، أكّدت المصادر أنه خلافاً لما هو مُتداول، «ليس هناك اقتراح فرنسي بل مجموعة أفكار يطرحها ماكرون خلال اتصالاته».

وأضافت أن السقف الأدنى لكل ما يُطرح هو اعتراف لبنان بدولة إسرائيل ونزع سلاح حزب الله، وهما «نقطتان نالتا موافقة الرئيسين جوزف عون ونواف سلام».

ولكن، بحسب المصادر، عندما حاول القبارصة جسّ نبض الإسرائيليين، أتتهم إجابة سريعة جعلتهم يعتقدون بأن التفاوض لن يؤدّي إلى أي نتيجة بسبب عجز رئيس الجمهورية عن تنفيذ أي اتفاق وعدم امتلاكه أوراق ضغط تجبر حزب الله على التجاوب، رغم أن رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو سمّى، تحت الضغط الأميركي، وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي السابق رون ديرمر ممثّلاً له.

وتضمّن الجواب الإسرائيلي تهديداً بأن جيش الاحتلال لم يبدأ معركته الفعلية بعد، ولا حدود للحرب التي يرغب بخوضها، مع تكرار لازمة أن من الأفضل القبول بأي اتفاق تجنّباً لدمار هائل سيلحق بالدولة اللبنانية كاملة.

وأشارت المصادر إلى أن نيقوسيا ستوفد مبعوثاً خاصاً للقيام بجولة على الرؤساء الثلاثة، ومحاولة الاجتماع مع حزب الله، و«معاينة مدى استعداد لبنان للاستسلام».

ميسم رزق-الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى