مقالات
أيُّ وحدة وطنية مع حلف الإبادة؟

في كل محطة مفصلية يمرّ بها لبنان، تعود شعارات مثل «الوحدة الوطنية» و«العيش المشترك» لتتصدّر الخطاب السياسي والإعلامي.
تُطرح هذه المفاهيم كمسلّمات وطنية لا يجوز مساءلتها، بوصفها ثوابت متعالية على التاريخ، غير مرتبطة بالتحوّلات التي يشهدها لبنان، ولا بالتناقضات والتحالفات الجديدة التي تتشكّل إقليمياً ودولياً. وكأنّ المطلوب من الناس أن يتوحّدوا فقط لأنهم يحملون الجنسية اللبنانية، بغضّ النظر عن موقع كل طرف في المعركة التاريخية التي تعيشها المنطقة.
لكن ما نشهده اليوم، في ظل الإبادة المستمرة في فلسطين، والعدوان الهمجي على لبنان، والانخراط المباشر للولايات المتحدة والكيان الصهيوني في إعادة رسم المنطقة بالقوة، يفرض إعادة طرح أسئلة أساسية: ما معنى الوحدة الوطنية؟ وما تعريف الهوية الوطنية؟
لا يمكن الحديث عن هوية وطنية في لبنان بمعزل عن الصراع القائم في المنطقة.
نحن لا نعيش لحظة داخلية معزولة، بل نقف في قلب مواجهة كبرى بين مشروعين متناقضين: مشروع إمبريالي تقوده الولايات المتحدة، يشكّل الكيان الصهيوني أداته العضوية في المنطقة، وتدعمه أنظمة الرجعية العربية وقوى داخلية مرتبطة به عضوياً، سياسياً واقتصادياً؛ ومشروع آخر مقاوم، مناهض للهيمنة الصهيو-أميركية وللاحتلال والاستيطان والإبادة، يجمع قوى المقاومة في المنطقة من فلسطين إلى لبنان واليمن والعراق، بقيادة إيران اليوم، وكل القوى العالمية المناهضة للإمبريالية، من أميركا اللاتينية إلى مختلف حركات التحرر في العالم.
ضمن هذا المشهد، تصبح مسألة الهوية الوطنية في لبنان مسألة سياسية بامتياز. فالهوية الوطنية لا تُبنى على الحياد في لحظة الإبادة، ولا على التعايش والحوار مع من يتواطأ على قتل شعبه، ومن يعمل مع حلف الإبادة على تجريده من حقّه في المقاومة والدفاع عن نفسه وحمل السلاح، في وقت يتعرّض فيه الوطن لعدوان همجي يستهدف البشر والحجر، ويسعى إلى الاستيلاء على الأرض.
لا يمكن الحديث عن وحدة وطنية مع قوى سياسية تأسّست تاريخياً كامتداد عضوي للمشروع الغربي والصهيوني داخل لبنان، وظيفتها ضرب أي مشروع مقاوم أو تحرّري.
كيف يمكن الحديث عن وحدة وطنية مع فئة تتباهى علناً بأنها، أباً عن جد، تنتمي إلى الصهيونية المسيحية، وتعلن بفخر تحالفها التاريخي مع الكيان الصهيوني؟ وكيف يمكن بناء هوية وطنية مشتركة مع قوى لا ترى في العدو الإسرائيلي عدواً، بل حليفاً سياسياً واستراتيجياً، وتتعامل مع المشروع الصهيوني كامتداد طبيعي لمصالحها في الداخل؟
لا يمكن الحديث عن وحدة وطنية مع نمط إعلامي لبناني-إماراتي يكتب في صحف صهيونية، ويعظ الشعب اللبناني من منصاته بضرورة الاحتذاء بالنموذج الإماراتي الاستسلامي المُطبِّع، ويطالب، من داخل الحضن الصهيوني، بتطبيق «نموذج السلام» مع كيان تدمّر ترسانته العسكرية الجنوب والضاحية، وتقتل شعباً كاملاً، وتحاصره، وتعمل على إبادته.
الوحدة الوطنية لا تقوم مع من يتموضع ضمن حلف الإبادة، بل مع من يقف فعلياً، بالكلمة والفعل، في مواجهة المشروع الذي يقتل شعبنا ويدمّر أوطاننا.
لا يمكن الحديث عن حكومة وحدة وطنية مع سلطة لبنانية تمثّل امتداداً عضوياً للبورجوازية اللبنانية المرتبطة تاريخياً بالخارج، وتلعب دوراً واضحاً في إعادة إنتاج الانقسام الداخلي واستغلاله لمحاصرة المقاومة سياسياً. سلطة تشيطن المقاومة وتصنّفها منظمة إرهابية، وتفاوض عدواً يعربد ليلَ نهارَ في أرضنا، ويستبيح جوّنا وأرضنا ومياهنا، ويقتل شعبنا. سلطة تفاوض على دماء شهداء لم تجف بعد، وتتجاهل تضحيات المقاومة وانتصاراتها في الميدان، وتتواطأ على الشعب اللبناني بتمرير مشاريع التسوية والتطبيع.
من هنا، تصبح إعادة تعريف الهوية الوطنية ضرورةً سياسية. فالهوية الوطنية اليوم تُبنى على قاعدة مشروع سياسي وطني يتموضع في مواجهة المشروع الإمبريالي الصهيوني، الذي لا يشكّل تهديداً للسيادة الوطنية اللبنانية فحسب، بل يفرض تهديداً وجودياً على الهوية القومية العربية ككل، عبر استهداف أي مشروع تحرّري عربي جامع. ومن هذا المنطلق، يشكّل ذلك مدخلاً لإعادة تشكيل هوية وطنية جامعة للشعب اللبناني، بوصفها جزءاً من مشروع تحرّري عربي، قائمة على أساس الصراع الطبقي بدلاً من الانقسام العمودي الطائفي.
وعليه، فإن الوحدة الوطنية الحقيقية اليوم ليست شعاراً يُرفع، بل مشروع نضالي يجمع كل القوى المقاومة، والقوى الوطنية، واليساريين، والقوميين، والشيوعيين، وكل من يرفض حلف الإبادة والاحتلال والتطبيع. إنها وحدة قائمة على وضوح الاصطفاف السياسي: مواجهة المشروع الإمبريالي وأدواته في الداخل والخارج بلا مواربة.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية تاريخية على عاتق القوى الوطنية واليسارية تحديداً، إذ إنّ الهجمة الإمبريالية الصهيونية ذات الطابع الإبادي تفرض موقفاً سياسياً وأخلاقياً حاسماً، وخطوات عملية ترتقي إلى مستوى خطورة المرحلة التاريخية.
وعليه، إمّا أن تكون في صف التحالف الإمبريالي، ومعه البورجوازية الرجعية العربية والكيان الصهيوني الذي يقتل شعبك ويدمّر وطنك، أي في صف الإبادة؛ أو أن تكون في صف معسكر المقاومة، المعسكر المناهض للإمبريالية، الممتدّ من فلسطين ولبنان إلى اليمن والعراق وإيران، والمتقاطع مع كل أحرار العالم الذين يرفضون الهيمنة والاستعمار.
وعلى هذه القاعدة، لا مكان للرمادية في لحظات تاريخية كهذه. التاريخ يُصاغ الآن، وكل القوى السياسية والاجتماعية في لبنان مُطالَبة بتحديد موقعها بوضوح في هذه المواجهة، لأن التاريخ لن ينسى أين وقف كل طرف في زمن الإبادة.
لولا ابراهيم-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



