مقالات
تحدّيات إعمار القرى المُهدَّمة: هل يمكن ترميم الذاكرة؟

ما عجزت طائرات العدو ومدافعه ودباباته عن تدميره في القرى الجنوبية، تكفّلت به المتفجّرات، فيما تولّت الجرافات محو ما تبقّى من هياكل.
لم يعد هناك ما يُبكى عليه؛ فلا أطلال أصلاً، بل اقتلاع للزمن نفسه، ونسفٌ ممنهج لطبقات متراكمة من الحياة، وتهجيرٌ للسكان نحو بدايات قسرية في أمكنة أخرى، بذاكرة جديدة.
القرى التي يجري مسحها يومياً ليست مجرّد جغرافيا أو تجمّعات سكنية، بل منظومة اجتماعية حيّة: بين الجار وجاره، بين البيت والساحة والسوق، بين الحقل والبيت، بين أجيال مضت وأخرى لم تولد بعد. بنية تشكّلت ببطء عبر قرون، وتبدّدت فجأة.
هنا تتبدّى تحدّيات إعادة الإعمار مستقبلاً. فالردم يمكن إزالته، والطرق يمكن شقّها من جديد، لكن ماذا عن إعادة بناء البيوت التقليدية؟ ماذا عن المعالم التراثية والمباني الرمزية والأسواق القديمة؟ والأهم: ماذا عن روح المكان؟ عن نسيجه الاجتماعي وذاكرته العاطفية التي لا تُرمَّم بالإسمنت؟ وكيف يتأثّر النسيج الاجتماعي والذاكرة العاطفية بالتحوّلات المعمارية؟ ويبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن إعادة بناء مكان اختفت ملامحه، من دون أن تنقطع صلته بما كان عليه؟
«ما يحصل اليوم يتجاوز كل ما عرفه لبنان سابقاً»، يقول نقيب المهندسين السابق جاد تابت، مشيراً إلى أنّ «أقرب مثال يمكن استحضاره هو ما جرى في وسط بيروت التجاري، حيث لم يكن الدمار وحده كافياً لمحو المكان، فجاءت السياسات الإعمارية لاحقاً لتُتِمّ عملية المسح عبر محو الماضي وبناء وسط تجاري جديد».
ويلفت إلى أنّ لبنان شهد خلال حرب عام 2006 عمليات تدمير طاولت أحياء في الضاحية الجنوبية، «لكن على نطاق أضيق بكثير مما نشهده منذ عام 2024، والذي يرقى إلى عملية محو شبه شاملة للماضي».
وبحسب تابت، فإن الوقائع الجغرافية الراهنة تفرض إعادة النظر جذرياً في مسألة الإعمار، إذ بات من المُتعذّر الاعتماد على المخططات السابقة.
فـ«المخططات التوجيهية لهذه المناطق تعود إلى السبعينيات والثمانينيات، وكانت تستند إلى واقع لم يعد قائماً، فيما تغيّرت مقاربة التنظيم المدني بشكل جذري منذ ذلك الحين».
ما العمل اذاً؟
يشدّد تابت على أنّه، في ظل الواقع الراهن، «لا يمكن الحديث عن إعادة بناء من دون استحضار البعد التراثي، وهو حتى لو كان قد اختفى مادياً، لا يزال حيّاً في ذاكرة الناس».
ومن هنا، يرى أن إعادة الإعمار يجب أن تسعى إلى إحياء هذه الذاكرة، وإن لم يكن ذلك عبر استنساخ الشكل المعماري السابق حرفياً، بل من خلال الحفاظ على العلاقة العضوية بين البعدين الهندسي والاجتماعي: علاقة البيت بمحيطه، بالمساحات العامة، بالشوارع، بالبيئة، وبالحقول والمساحات الزراعية.
وبحسب تابت، فإن الهدف يجب أن يكون الحفاظ على الطابع العام للقرى، حتى وإن اختلفت تفاصيل البناء، معتبراً أن هذا الخيار بحدّ ذاته «فعل مقاومة. ويكفي إجراء مقارنة بسيطة بين قرانا والمستوطنات المقابلة، لنلاحظ أن هذه الأخيرة لا تمتّ إلى محيطها ولا إلى الطبيعة ولا إلى الذاكرة بصلة، وهي مجرّد تجمّعات مُستوردة ومزروعة بلا جذور».
التحدّي يكمن في تحقيق توازن بين الحفاظ على الهوية المعمارية ومواكبة متطلّبات البناء الحديث بعيداً عن تجارب سريعة كمشروع «وعد»
في المقابل، يقدّم المهندس المعماري والمرمّم أنطوان فشفش مقاربة أكثر تمسّكاً بإعادة إنتاج الشكل السابق، إذ إنه «في حالات الدمار الشامل، ولا سيما في القرى ذات القيمة التراثية العالية، ينبغي إعادة بنائها كما كانت»، مستشهداً بتجارب مدن أوروبية أعادت تشييد نفسها بعد الحرب العالمية الثانية وفق نماذجها الأصلية.
ويشير إلى أنّ ما قد يساعد في ذلك هو توافر الخرائط الجوية والمسح العقاري والصور، التي يمكن الارتكاز عليها «لإعادة تشكيل النسيج العمراني التقليدي إلى أقصى حد ممكن، بما يواجه محاولات إسرائيل محو التاريخ من جذوره».
لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى حدود هذه المقاربة، موضحاً أنّ «أي بناء يتضرّر بنسبة تفوق 50% يفقد أصالته.
يمكن إعادة تشييد منزل تراثي بشكل مطابق تقريباً، لكنه لن يكون البيت نفسه بما يحمله من تاريخ وذاكرة».
وينبّه فشفش من مخاطر «العمران العشوائي الهائل» في الجنوب، معتبراً أنّ «هذا الواقع على مأسَويّته، قد يشكّل فرصة لإعادة رسم مخططات توجيهية حديثة، وتنظيم الإفراز العقاري، وبناء نموذج يحترم الأثر البيئي ويمنع التعدّيات ويسمح ببناء أبنية متجانسة». وبرأيه، فإن التحدّي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الهوية المعمارية ومواكبة متطلّبات البناء الحديث، ضمن رؤية طويلة الأمد لا يمكن اختزالها أو مقارنتها بتجارب سريعة كمشروع «وعد» في الضاحية الجنوبية بعد حرب 2006.
وحول إمكان نشوء تعارض بين الحاجة الملحّة إلى إعادة السكان إلى قراهم ومتطلّبات إعادة إعمار مدروسة تقنياً وهندسياً، ولا سيما في ظل محدودية الموارد المالية التي يُرجّح أن تُخصَّص أساساً لتأمين السكن لأكبر عدد ممكن من المتضرّرين، بدلاً من إعادة بناء دقيقة للبيوت التراثية، يلفت فشفش إلى أن «هذه الإشكالية برزت سابقاً بعد حرب الجبل، حين حصل الأهالي على تعويضات زهيدة، ما اضطرهم إلى التكيّف مع الإمكانات المُتاحة، فانعكس ذلك تشوّهاً عمرانياً واضحاً. ومع ذلك، يبقى ما جرى هناك غير قابل للمقارنة بحجم الكارثة التي يشهدها الجنوب اليوم».
أمّا في ما يخصّ البيوت الجاهزة كخيار مطروح، فيشدّد كلّ من تابت وفشفش على إمكان اعتمادها كحلّ مرحلي، شرط أن تبقى مؤقّتة، وأن تأتي ضمن رؤية تخطيطية واضحة ومتكاملة، تحول دون تحوّلها إلى واقع دائم يفاقم الفوضى العمرانية.
الطوبوغرافيا أول خطوة نحو العودة
في لحظة يختفي فيها كل ما كان يدلّ على الحدود، يصبح السؤال الأول ليس كيف نبني، بل أين نبني؟ هنا تحديداً يدخل العمل الطوبوغرافي كنقطة انطلاق أساسية لأي عودة.
يقول سركيس فدعوس، نقيب الطوبوغرافيين المُجازين في لبنان ورئيس الاتحاد العربي للمساحة، إن «أي عمل إنشائي، وفي أي ظرف، يستحيل أن يكون صحيحاً من دون أن يسبقه عمل طوبوغرافي».
وفي حالة التدمير الواسع الذي طاول عدداً من القرى الجنوبية ومحو أحياء في الضاحية الجنوبية، يشدّد فدعوس على أن التقنيات الحديثة تتيح إعادة رسم الحدود «بدقّة وكما كانت سابقاً»، وإعادة كل مالك عقار إلى ملكه، بفضل شبكة الإحداثيات المتوافرة لدى مديرية الشؤون الجغرافية في قيادة الجيش ومصلحة المساحة».
ويلفت أيضاً إلى أن «كل التجهيزات والتقنيات المطلوبة لمثل هذا العمل الدقيق والواسع متوافرة لدى مكاتب الطوبوغرافيا في لبنان، وبمعايير عالمية متقدّمة».
لكنّ الطوبوغرافيا، رغم مركزيتها، ليست سلطة مُطلقة. فهي تقف عند حدود تحديد المساحات وتثبيت الإحداثيات بأعلى درجات الدقّة الممكنة، «أمّا كل ما يتجاوز ذلك من نزاعات عقارية أو تعدّيات أو مخالفات فيخرج من أيدي الخبراء الطوبوغرافيين إلى القضاء العقاري».
ولا تقف المسألة عند حدود القياس، بل تمتد إلى طبيعة الأرض نفسها، إذ قد تؤدّي التفجيرات العنيفة إلى تغيير خصائص التربة إلى درجة تجعلها غير صالحة للبناء، ما يستدعي، كما يقول فدعوس، «فحوصات جيولوجية دقيقة تسبق أي مشروع إعمار في كل الظروف».
ويختم محذّراً من الاعتماد على غير المختصّين في أعمال الطوبوغرافيا، «وهي ظاهرة تتكرر وتنتج منها نزاعات عقارية مُعقّدة، وتؤدّي أحياناً إلى حرمان المتضرّرين من حقوقهم بسبب اللجوء إلى أشخاص غير مُجازين أو غير منتسبين إلى النقابة».
رضا صوايا-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



