التحضير للمفاوضات
الاتّفاقُ المشؤوم كان مُعَدّاً قبل أن تندلع الحرب الأخيرة، في ما سُمِّيَ بحرب إسناد إيران. الافتراض أنّ الحزب قد اندثرَ وأنّه لن يستفيقَ من الضربات التي تلاحقت، وبخاصّة بعد تفجيرات الـ«بيجرز» واغتيال نصرالله وصفي الدين وقادة «الرضوان». الافتراض كان منطقيّاً في ظاهره.
كيف يمكن لحزب أو حركة مسلّحة أن تتعرّضَ لِما تعرّض له الحزب في أشهر قليلة أن يبقى واقفاً؟ كيف يمكن لحزب نصرالله أن يستمرَّ بعده؟ يبقى النقاش حول قرار الانخراط، إذا كان صائباً، أو لم يكن.
إسرائيل كانت تُعِدُّ العُدّة، وهي لم تتوقّف عن القتْل والتدمير حتى في الأشهر الخمسة عشر التي فصلت بين الحربَين.
في تاريخها، هي لا تلتزم بميثاق أو تعهّد أو اتّفاق، لكنّ سلطة لبنان الساقطة تظنّ أنّ إسرائيل تغيّرت وأنّها، في مفاوضاتها مع لبنان، ستكون حسنة النيّة والجوار. لم يكن هناك حتى إعداد لتشكيل الوفد. المهم هو الاستجابة السريعة لأوامر من واشنطن بناءً على رؤية اللّوبي الإسرائيلي، وبدعم سعودي.
رئيسة الوفد اللّبناني ليست معروفة من الشعب اللّبناني. ولم تكن معروفة حتى من رئيس الحكومة أو رئيس الجمهوريّة. الاسم أُسقِطَ على العهد من فَوق، أو من واشنطن تحديداً.
فريق عمل الصحناوي يتعامل بصورة يوميّة مع فريق عمل رئيس الجمهوريّة، والفريق الأوّل ليس إلّا مُنفِّذاً لأوامر اللّوبي الصهيوني وأجندته. ندى حمادة معوّض كانت معروفة في نشاطات «مؤسّسة رينيه معوّض» وحفلاتها السنويّة، التي تجمع عُتاة كارهي العرب والمسلمين في البلاد، كما تحتفي بأقطاب اللّوبي الصهيوني.
تدرك دور «مؤسّسة رينيه معوّض» عندما تذكر أنّ بول وولفويتز وإليانا روس-ليتينن كانا يحضران حفلاتها، وأنّ مايك بومبيو (الذي يقف اليوم على يمين نتنياهو وترامب) كان من أشدّ المناصرين لـ«مؤسّسة رينيه معوّض» وأعمالها «في البيئة الشيعيّة» ولأسباب بريئة صرف. لكن نسأل: ما هو الدور الإنساني المحض الذي تقوم به المؤسّسة ولماذا من بين كلّ الأعمال الإنسانيّة لا يتحمّس الصهاينة إلّا لهذه المؤسّسة؟ طبعاً، السبب خيري لأنّ الصهاينة لديهم من الحسّ الإنساني الإحساني ما لا يتوفّر لباقي البشر.
الاتّفاق كان شرطاً من شروط التعامل الأميركي مع السلطة التي كانت مُعدَّة من قِبل أميركا لمهمّة واحدة لا غير، ألا وهي الاستفادة من حرب إسرائيل على الحزب كي تقوم السلطة بالإجهاز على الحزب بالكامل، وبكلّ الوسائل المُتاحة. ليس الموضوع المطروح (غرباً) هو الإصلاحات التي ترِد فقط كسلاح بوجه معارضي أميركا. لاحظوا ولاحظن، لم يرد أيّ حديث عن الإصلاح في لبنان في أحاديث الحكومة الأميركيّة أو الحكومات الغربيّة والعربيّة.
ليس هناك إلّا موضوع حزب الله. أكبر دليل على ذلك هو الإفراج الصفيق عن رياض سلامة: ليس هو الوحيد الذي أفسدَ وسرقَ لكنّه اختصر في شخصه الفساد السياسي والمصرفي والديني والسيادي (كان ينفِّذ أوامر وزارة الخزانة الأميركيّة التي كانت تكافئه دوريّاً بالثناء وإبداء الثقة المُطلقة). شخص نواف سلام جاء من علٍ ولا يعرف أحد مصدره إلّا القريبين من السعوديّين وحاملي مفاتيح سرّ الأوامر السعوديّة والأميركيّة في لبنان. كان جوزيف عون قد اتّفق، وبموافقة أميركيّة، مع نجيب ميقاتي كي يرأس أوّل حكومة له (الحكومة الأخيرة ألّفها ميقاتي بتنسيق مع دوائر الصهيونيّة في واشنطن وكان ديفيد هيل شبه مستشار له في تكوين الحكومة).
لا ندري شيئاً عن مسار تكوين الوفد واختيار الأعضاء أو عن تعيين سيمون كرم، غير الخبير في المفاوضات الدوليّة. أمّا ندى حمادة، فهي ليست خبيرة في القانون أو الشأن السياسي أو الدبلوماسي. درست الأعمال في الجامعة الأميركيّة ثم تخصّصت في الماجستير في «التمويل» من جامعة جورج واشنطن. تعيينها بحدّ ذاته يفضح توجّهاتها السياسيّة وحماسها للمهمة. لو أنّها تحمل شهادات متخصّصة أو خبرة دبلوماسيّة أو تفاوضيّة، لكان تعيينها منطقيّاً جدّاً.
فريق عمل الصحناوي يتعامل بصورة يوميّة مع فريق عمل رئيس الجمهوريّة، والفريق الأوّل ليس إلّا مُنفِّذاً لأوامر اللّوبي الصهيوني وأجندته
لكنّ تسميتها من دون مقدّمات أو تفسيرات ومن دون أن تكون معروفة، يعني أنّ الذي عرفها وعرف مواقفها نحو إسرائيل قرّرَ أنّها خير مَن يقوم بالمهمة (أنّ الراعي لها هو المصرفي الذي خرج إلى العلن في واشنطن كصهيوني مُجاهِر وكلبناني تربّى من قِبل والديه تربية صهيونيّة مسيحيّة-حسب شهادة مورغان أورتاغوس-يقضي على مصداقيّة المسار برمّته). السلطة الحالية لا تؤمن بالشفافية مع أنّ مؤيّديها من «ثوار» السعودية والإمارات في بلادنا لوّثوا آذاننا بشعارات الشفافيّة والديمقراطيّة عندما كان ميشال عون (عدوّهم، فقط بسبب تحالفه الذي لم يُعمِّر، مع حزب الله) رئيساً.
آخر إطلالة لسيمون كرم قبل تبوّئه منصباً شبيهاً بمنصب صائب عريقات، ككبير المفاوضين، كانت في ذكرى حبيب صادق، الذي كان في الماضي السحيق يساريّاً وكان من أنصار مقاومة إسرائيل عسكريّاً. لكنّ كُثراً تغيّروا. عدتُ أمس إلى النصّ الكامل الذي قرأه سيمون كرم في ذلك اليوم في آخر عام 2025 كي أفهم سبب تعيينه من دون مقدّمات مفاوضاً أساسيّاً في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل فعثرتُ على الجواب. الخطاب صهيوني في تبريراته وفي سرديّته التاريخيّة. يقول إنّ لبنان نعِمَ باستقرار وسلام لعقدَين بعد تأسيس إسرائيل حتى اتّفاق القاهرة في عام 1969.
أي إنّ سيمون كرم هذا يرى أنّ تفجير إسرائيل للطائرات المدنيّة في مطار بيروت كان من ضمن الاستقرار الذي نعِمَ به لبنان بفضْل نيات إسرائيل السلميّة نحو لبنان. هو طبعاً لا يرى أنّ ضرْب مضخّات المياه اللّبنانيّة في الجنوب في عام 1964 خرق عقدَي الاستقرار في العلاقة بين لبنان وإسرائيل. أمّا اغتيال المزارعين وخطْف المدنيّين وزرْع جواسيس وقصْف طائرة لبنانيّة مدنيّة في تموز 1950 فكل ذلك لا يدخل في حسبانه لتقييم السلم الذي أضفته اتّفاقيّة الهدنة على لبنان. يستطيع أن يقيّم العقدَين حتى عام 1969 بهذه الطريقة لأنّه ختم حياته السياسيّة عضواً في قرنة شهوان، أصرَخ تجمّع طائفي يميني رجعي منذ تأسيس «جبهة الحريّة والإنسان» ثمّ «الجبهة اللّبنانيّة» في ما بعد.
وطائفيّة سيمون كرم تتجلّى في إهماله كلّ جنوب لبنان وأهله في تقييم سياسات إسرائيل وممارساتها نحو لبنان. لم تقصف إسرائيل جونية في العقدَين ولم تخطف مواطنين من قرنة شهوان، ولهذا فإنّ نياتها سلميّة. وفي زمن تتبدّى فيه وحشيّة إسرائيل وإباديّتها على الشاشات العالميّة، فإنّ سيمون كرم يمنحها شهادات في الإنسانيّة، فيقول إنّ قصْفها للبنان كان «بدقّة»، وإنّها أصابت فقط ناشطين وأعضاء في الحزب. لا، هو يشمت في قدرة إسرائيل على قتْل أعدائها «بدقّة». لو كنتُ مكان إسرائيل لأصررتُ على أميركا أن تختار سيمون كرم من بين كلّ اللّبنانيّين كي يفاوضها لأنّه عملة نادرة في الانبهار بقصْف إسرائيل «الدقيق» حتى بعد إبادة أكثر من سبعين ألف فلسطيني في غزّة، وبعد قتْل الآلاف في لبنان. إسرائيل على الأرجح هي التي أملَت على الحكومة اختياره كما أملَت على أمين الجميّل اختيار أنطوان فتّال، الدبلوماسي اللّبناني الذي كان معروفاً من قِبل الإسرائيليّين قبل أن يحتلّ منصب المفاوض في اتّفاقات 17 أيّار.
وسيمون كرم، على عادة مماحكات مواقع التواصل الاجتماعي، يسخر من التفريط في السيادة في اتّفاق المياه الذي رعته أميركا، والذي كان -على سوئه- أكثر إجحافاً للبنان قبل تهديدات نصرالله العسكريّة. الكلمة المفتاح التي أطلقها كرم في تلك الخطبة أنّه لمّح إلى ضرورة تجاوز اتّفاق الهدنة لأنّ المُراد هو اتّفاقيّة سلام وتطبيع مع إسرائيل. وباسم حبيب صادق، اقترح كرم «قلب صفحة العداوة» مع إسرائيل كمكافأة على جرائم إسرائيل في لبنان وغزّة. لا ينسى كرم في خطبته أن يسخر من عدم ردّ حزب الله على عدوان إسرائيل خلال الخمسة عشر شهراً من الالتزام الصارم من قِبل الحزب باتّفاقيّة «وقْف الأعمال العدائيّة».
خطاب سيمون كرم الرصين لم يكن إلّا رصْفاً لكلمات تراها على صفحات عتاة المبتذلين والسوقيّين والمزايدين من المتعاطفين مع إسرائيل من اللّبنانيّين. هل يعني أنّ كرم هذا أُعجب بالحزب عندما أطلق الصواريخ الستة وجازف في فتح حربٍ، لم تكن إسرائيل قد أنهتها أصلاً؟ على كرم أن يختار: هل يفضّل عدم ردّ الحزب أم ردّه؟ لأنه يبدو أنّه لا يريد من الحزب أن يردّ ويسخر منه عندما لم يردّ، أم أنّه يريد فقط لإسرائيل أن تستمرّ في عدوانها كي تقضي على خصومه من الحزب، أو من الطائفة برمّتها؟ وبعيداً عن السياسة، على أيّ أساس اختير كرم مهنيّاً؟ هو مارس المحاماة من دون أن يجلّي في المهنة أو أن يبرز. وهو عمل محافظاً من دون أن يذكره أبناء المحافظات وبناتها بالخير. وهو عمل سفيراً في واشنطن من دون أن يترك بصمات في عمله ولم ينسَ خلال عمله أن ينسّق مع السفير السوري في العاصمة. كنّا قرأنا عن ذلك لو أنّ وليد المعلّم قد ترك وراءه مذكّرات. مَن يدري: لعلّ هناك مذكّرات غير منشورة له بحوزة عائلته (وردني أنّ ذلك كان صحيحاً لكنّ أوراقه تبعثرت).
سنعرف يوماً ما كيف تشكّل الوفد التفاوضي وكيف زيَّن جوزيف عون الوفد بوفد عسكري. لكن: ماذا حلَّ بالعقيدة الوطنيّة للجيش اللّبناني والتي زرعها الرئيس الوطني إميل لحّود؟ ثم لماذا لا يرى نوّاف سلام من اتّفاق الطائف إلّا نزْع سلاح الميليشيات؟ لماذا لا يذكر ما يرد عن عدوان إسرائيل واحتلالها وعن حماية لبنان من التهديدات الإسرائيليّة؟ فلننسَ موضوع الدفاع عن لبنان: كيف يُغفِل سلام إعادة تشكيل توزيع موازين السلطة السياسيّة في الحُكم وإضعاف موقع رئاسة الجمهوريّة لصالح مجلس الوزراء؟ إذا كان يرتضي بالعودة إلى مرحلة ما قبل الطائف من ناحية الرئاسة المُطلقة الصلاحية، فهذا ينزع عنه مصداقيّة الحديث باسم اتّفاق الطائف. اتّفاق الطائف أنهى—أو كان يجب أن يُنهي—مرحلة رئيس الحكومة الضعيف (الطرطور في القاموس الشعبي اللّبناني). هو عاد إلى زمن شمعون وشهاب والحلو حين كان رؤساء الحكومات مجرّد أدوات بيد رئيس الجمهوريّة.
اسعد ابو خليل-الاخبار
بيان قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي بمناسبة التشييع المهيب لجثمان الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي (قدس الله نفسه الزكية) في العراق وإيران
بسم الله الرحمن الرحيم
السَّلامُ عليكَ يا ثارَ اللهِ وابنَ ثارِه، والوترَ الموتور. السَّلامُ عليكَ وعلى جدِّكَ وأبيكَ وأمِّكَ وأخيكَ والمعصومين من وُلدِكَ.
سلامٌ على الإمام الذي امتدّ نداءُ نهضته الذي يبث الحياة، صدىً عظيمًا مدوّيًا للبعثة النبوية، إلى أعماق التاريخ البعيدة، فانبثقت من أثره الثورة الإسلامية في إيران؛ تلك الثورة التي كانت حسينيةً من أساسها، وبُنيت وارتقت بشعار الحسين (ع) ونهجه. لقد نشأ شهيدُ إيران أيضًا على هذا النهج؛ فكان حسينيًا، وفكّر حسينيًا، وتحرّك حسينيًا، وجاهد وقاوم حسينيًا، وعاش حسينيًا، وبذلَ دمه حسينيًا في سبيل مدرسة الحسين، فنال الشهادة.
من بين الحسينيين رجالٌ، حين تُسفَكُ دماؤهم مظلومين في سبيل الحسين، ومن أجل مدرسته ونهجه (عليه السلام)، تنهض الأمة الإسلامية، فيتصل ذلك الزمان بعاشوراء، وذلك المكان بكربلاء. واليوم، الملحمة الحسينية ذاتها قد بعثت شعبنا، وأضفت على مدرسة الإمام الخميني الكبير والإمام الخامنئي الشهيد تجلّيًا جديدًا. هذه هي تلك الملحمة التي تبث الحياة، وهي الصدى لنداء مظلومية الحسين (عليه السلام)، ونداء: «هل من ناصرٍ ينصرني؟» في إيران، ثم في العراق وسائر البلدان، فتُزلزل الباطل.
كما يجدر، في هذه المناسبة، أن أتقدّم بخالص الشكر والتقدير إلى عشرات الملايين من الناس الذين سجّلوا حضورًا مذهلًا، كاسرًا للأعداء، وتاريخيًا، في مدن إيران والعراق وقراهما، ولا سيما في طهران وقم والنجف وكربلاء ومشهد.
شعبنا يُنادي بالثأر لدماء الحسين (ع)؛ فلقد قدّم هذا الشعب العظيم، على مدى السّنين، أبناءه فداءً في سبيل الحسين (ع)، وفي الحرب ضد أعداء الحسين والغيرة الحسينية، وهو يطالب اليوم أيضًا بالثأر لدمائه ولدماء حسينيّي هذا الزمان.
والآن، أخاطب إمامنا الشهيد فأقول:
أيها القتيل المظلوم، أيها المظلوم الشامخ، أيها العبد الصالح لله، فيما نحن نودّع جثمانك بعيون دامعة وقلوب مكسورة، نعاهدك أن نصون مدرستك، وأن نسلك بثبات ذلك الصراط المستقيم الذي رسمته، وألّا نهاب مشقّات هذا الطريق، وأن نعقد القلوب، كما فعلت، على البشارات والوعود الإلهية.
ونعاهدك أن نثأر لدمك الطاهر، ولدماء شهداء هاتين الحربين جميعهم، من القتلة المجرمين المَخزيين. فهذا الثأر مطلب شعبنا، ولا بدّ أن يتحقق حتمًا. إنّ هؤلاء المجرمين، الذين توجد قائمة كاملة بأسمائهم من أوّلهم إلى آخرهم، سيحملون معهم إلى قبورهم أمنيةَ أن يموتوا موتًا هانئًا على فراشهم. وعليهم أن يعلموا أنّ هذا الأمر لا يتوقف على وجودي أنا أو وجود سائر المسؤولين؛ فنحن، سواء أكنّا موجودين أم لم نكن، سيتحقق هذا الأمر، وقريبًا سيؤدي أفرادٌ من أحرار العالم، كلٌّ منهم، جزءًا من هذه المهمة الإلهية.
يا أبا الأمّة الشهيد، هنيئًا لك ارتشاف شهد الشهادة الذي كنت تتمناه عمرًا طويلًا. ومبارك عليك ارتداء ثوب الشهادة ببدن يحمل علامات من أمّك الزهراء الطهرى وجدّك أبي عبد الله الحسين وأبي الفضل العباس (عليهم الصلاة والسلام). وأنتم يا رفاقه المظلومين الذين تعرضتم لهجوم مباغت من العدو ونلتم الشهادة، طوبى لكم، إذ تحلّون الآن ضيوفًا على ذلك المولى الذي ربما تلمّستم رأفته ولطفه مرارًا وتكرارًا. إن ذلك السيد الذي يمثل باب الرحمة الإلهية للجميع، ولا سيما لأهل هذه الديار، هو المستضيف لكم الآن، وقد غدا جواره الآمن منزلًا لكم.
أيها المولى العالي المقام، أيها الجليل، أيها الإمام الرؤوف، يا أبا الحسن الرضا المرتضى، عليك أفضل صلوات الله، يوارى الآن في هذا الثرى الطاهر الجثمانُ المقطع لخادم من خدّام حضرتك والعترة الطاهرة، بعد سنوات من الجد والجهد والجهاد الدؤوب، ومعه أبدان شهداء من عائلته، يُذكّر كل منهم بشهيد من شهداء صحراء كربلاء، ليرقدوا هنا إلى ذلك اليوم الذي يخرج فيه، بأمر الله، بقية الله (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الشَّمس الساطعة من خلف غيوم الغيبة، ليفيض بنور الرحمة الإلهية على أهل المعمورة. وفي ذلك اليوم الذي نرجو أن يكون قريبًا جدًا، سترافقه – عجل الله فرجه – نجومٌ من الصدّيقين والشهداء والأولياء، ونأمل أن يكون سيدنا الشهيد أحد هؤلاء، ليعيد مجددًا رسم مشاهد واعدة وخالصة من الجهاد والوفاء بعهد «ألست»، ولعل هؤلاء المرافقين يصحبونه في ذلك اليوم أيضًا.
يا مولاي الرؤوف، إننا نستودعك سيّدَنا الذي بذل ما يملكه كله في سبيلكم، ومعه رفاقه الشهداء، ليتشرفوا بلطفكم وعنايتكم، وكما كانوا ينعمون بفيض لطفكم في حياتهم الدنيا، فليحظوا به من الآن فصاعدًا على نحو أكمل وأسمى بكثير.
وفي الختام، نتقدم مجددًا بالعزاء لسيدنا بقية الله (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ونبتهل إلى ذلك المولى الرحيم أن يشمل بدعائه الزاكي سيد شهداء إيران ورفاقه الشهداء والشهداء كلهم، وأن يسأل الحق (جل وعلا) علو الدرجات للشهداء جميعهم، والصبر والأجر لذويهم، والفتح والنصر الحاسم والقريب للشعب الإيراني المظلوم، إن شاء الله.
السيد مجتبى الحسيني الخامنئي
9 تموز/ يوليو 2026
على وقع تتالي مؤشرات احتواء التصعيد بين واشنطن وطهران، سُجّل تضارب أميركي ــ إسرائيلي بشأن ما زُعم أنها «معلومات استخباراتية»، نقلتها تل أبيب عن «مخطّط إيراني» لاغتيال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.
وجاء ذلك في وقت برزت فيه تقديرات إسرائيلية بقرب انتهاء جولة القتال الحالية، وعودة الطرفَين إلى المسار الدبلوماسي.
ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولَين أميركيين قولهما إن إسرائيل شاركت الولايات المتحدة معلومات استخباراتية بشأن ما ادّعت أنها «خطّة إيرانية لاغتيال ترامب».
غير أن المعلومات، بحسب المسؤولين، «لم تتضمّن خطّة محدّدة ومفصّلة، بل اقتصرت على معلومة تتعلّق بنقاش عام بين مسؤولين إيرانيين، من دون مزيد من التحقّق».
وأضاف المسؤولان أن إسرائيل أرادت عبر ذلك التأثير على سياسة ترامب تجاه إيران، و«تدفئة العلاقات» بين الرئيس الأميركي، وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وفي السياق نفسه، نقلت شبكة «سي إن إن» عن مسؤولين أميركيين قولهم إن التقرير الإسرائيلي قد يكون «محاولة لدفع ترامب نحو التصعيد».
في هذا الوقت، بدأ التقييم السائد في إسرائيل ينحو نحو «اقتراب جولة القتال الحالية بين الولايات المتحدة وإيران من نهايتها»، مع توقّع عودة الطرفَين إلى المسار الدبلوماسي، وذلك بحسب المحلل العسكري في «القناة 13» العبرية، ألون بن دافيد.
وأضاف بن دافيد أن إسرائيل تقدّر أيضاً «إمكان استمرار الوضع لمدة طويلة من دون اتفاق، ومن دون حرب في الوقت نفسه».
وفي مؤشر ميداني لافت يصبّ في الاتجاه نفسه، غادر، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب على إيران، سرب طائرات الشبح الأميركية من طراز «إف-22 رابتور»، الذي شارك في الهجمات على الجمهورية الإسلامية، إسرائيل، عائداً إلى الولايات المتحدة، رغم التصعيد الذي سُجّل هذا الأسبوع.
لكن في الوقت عينه، دخلت حاملتا الطائرات الأميركيتان «يو إس إس لينكولن» و«يو إس إس بوش» إلى خليج عُمان، حيث أظهرت صور أقمار صناعية وجودهما على مسافة 250 كيلومتراً فقط من الساحل الإيراني، فيما يُعتقد أن مهمّتهما تتمثّل في توفير الحماية للسفن التي تسلك المسار الأميركي في مضيق هرمز.
التقييم في إسرائيل يشير إلى اقتراب جولة التصعيد الحالية من نهايتها
ومع تراجع وتيرة التصعيد الميداني، وعودة الحرارة إلى الخطوط التفاوضية، نقلت شبكة «سي إن إن» عن مصادر إسرائيلية قولها إن «ترامب لا يريد تدخّل إسرائيل في القتال الدائر حالياً مع إيران، وذلك خشية فقدان السيطرة على الأحداث».
كما أفادت مصادر مطلعة بأن «نتنياهو يرغب بشدّة في الانضمام إلى الضربات الأميركية، إلا أن واشنطن ترفض أيّ مشاركة إسرائيلية في الوقت الحالي».
وامتدّت الضغوط الأميركية الكابحة إلى الجبهة اللبنانية على ما يبدو؛ إذ أفادت «هيئة البث الإسرائيلية» بأن الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل «عدم تنفيذ أيّ عمليات استثنائية في جنوب لبنان». وبناءً على ذلك، «جمّد المستوى السياسي الإسرائيلي جميع العمليات التي تُصنّف حسّاسة في جنوب لبنان».
وبحسب الهيئة، تسري هذه التعليمات على الجيش حتى إشعار آخر، وإلى حين اتّضاح مسار التصعيد الحالي بين الولايات المتحدة وإيران، فضلاً عن مسار المفاوضات بين إسرائيل ولبنان.
لكن مسؤولين أميركيين أعربوا عن خشيتهم من أن «تجرّ إسرائيل المنطقة إلى مواجهة عسكرية أوسع».
من جهة أخرى، وفي تعليقات لافتة، عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إيهود باراك، في مقابلة مع صحيفة «معاريف» العبرية، سلسلة سيناريوات محتملة في حال استنتج نتنياهو أنه على وشك خسارة الانتخابات المقبلة.
وزعم باراك أن نتنياهو قد يُقدِم، في هذه الحال، على «مهاجمة الضاحية الجنوبية لبيروت بهدف تصعيد الحرب مع إيران وتأجيل الانتخابات».
وأضاف باراك أنه «ليس من المستبعد أن يُصدر نتنياهو، قبل أيام من الانتخابات، أوامر بقصف منشأة في النبطية، وأن يرسل حزب الله طائرات مسيّرة إلى إسرائيل، لتردّ الأخيرة بمهاجمة الضاحية الجنوبية، بما قد يؤدي إلى اندلاع حرب مع إيران، وليس مع حزب الله فقط».
الاخبار
تحوّلت المراسم المليونية لتشييع المرشد الإيراني الراحل، آية الله الشهيد علي الخامنئي، في مدينتَي النجف وكربلاء قبل أيام، إلى تظاهرة جيوسياسية ذات أبعاد متعدّدة ودلالات بالغة الأهمية.
فالحدث الذي ينظر إليه مسؤولون عراقيون باعتباره منعطفاً مفصلياً قد يقسم المشهد السياسي في البلاد إلى ما قبل التشييع وما بعده، جاء في توقيت إقليمي مهمّ، ليعيد رسم توازنات القوة، ويضع حكومة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، أمام اختبار داخلي وخارجي معقّد، لا سيما في ملفّ ضبط السلاح، والعلاقة الاستراتيجية الحذرة مع كلّ من الولايات المتحدة وإيران.
وفي هذا الإطار، تكشف مصادر سياسية مطلعة، لـ«الأخبار»، أن «واشنطن أعربت عن انزعاجها الشديد من آليات وأبعاد إحياء هذه المناسبة في العراق بهذا الزخم غير المسبوق». وتضيف المصادر أن «التشييع والتحشيد المدروس شكّلا اختباراً صعباً ومحرجاً للغاية للزيدي قبيل سفره إلى واشنطن، حيث تلقّت الإدارة الأميركية رسالة سياسية واضحة وميدانية مفادها أن العراق لا يزال يمثّل مركزاً وثقلاً لنفوذ المحور، وهو أمر يتناقض تماماً مع ما تسعى إليه الإدارة الأميركية وتضغط لأجله».
وفي قراءته لهذا المشهد ومآلاته، يرى الباحث السياسي العراقي، جودت كاظم، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «الكثافة العددية والظهور العلني المكثّف لقادة الفصائل العراقية وجمهورها خلال التشييع، حملا رسالة قصدية سياسية وميدانية واضحة لإثبات النفوذ على أرض الواقع».
ويشير كاظم إلى أن «هذا الاستعراض يمثّل ظهوراً علنياً منظّماً بعد أشهر من الصمت التكتيكي، وهو يتزامن مع تحركات حكومة الزيدي المعلنة الرامية إلى نزع السلاح، وحصره في يد الدولة». ويعتبر أن «الفصائل أرادت إيصال رسالة بليغة ومفصّلة مفادها أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه في أيّ معادلة أمنية أو سياسية، وأن عمقها الجماهيري والعقائدي يمنحها شرعية البقاء في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية، ما يجعل خطط نزع السلاح تواجه جداراً ميدانياً صلباً».
ومن جانبه، يشير الكاتب والمحلل السياسي، إبراهيم السراج، إلى البعد الدولي والإقليمي لهذا الحشد، معتبراً، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «التشييع المليوني اختصر فكرة جوهرية، وهي أن العراق لم يتأثّر بالخطاب والتهديدات الأميركية، بدليل نزول قادة وجمهور المحور بثقلهم الكامل». ويضيف أن «التحشيد من قبل الحشد والفصائل كان مدروساً لغرض إثبات عديدها في الميدان، كما أن حضورها اللافت بالتزامن مع تهديدات دونالد ترامب للمنطقة قد يبرّر لها استمرار جاهزيتها كقوة ردع أمنية أمام جمهورها».
ويعتقد أن «هذا الواقع الميداني يفرض تحدّياً حقيقياً على التفاهمات الأخيرة، لا سيما أن الزيدي صرّح مؤخراً بأنه اتفق مع الفصائل على أن تسلّم سلاحها، وقال أيضاً: سنعدّ برنامجاً لتسليم السلاح، وسينتقل عمل الفصائل إلى الميدانَين السياسي والاجتماعي. لكن زخم هذا الحضور اللافت والمؤثّر في التشييع قد يفرض إيقاعاً مغايراً تماماً، ويعيد صياغة أو إبطاء تنفيذ هذه المسارات السياسية».
وفي مقابل القراءات التي تربط الحدث بمحاور التصعيد؛ ينقل النائب في البرلمان العراقي، صكر الحميداوي، زاوية القراءة الرسمية للمناسبة، مؤكداً، لـ«الأخبار»، أن «التشييع لا يخلو من رسالة واضحة موجّهة للجميع بأن العراق يمتلك أصول الضيافة العربية والإسلامية، وقد تجلّى ذلك في استقبال قادة الأمة والوفود الرسمية في مدنه المقدسة».
وبشأن مستقبل الفصائل والضغط الدولي المستمر عليها، يشير الحميداوي إلى أن «مسألة وجود الفصائل تستند بالأساس إلى دورها الفاعل ومبدئها الثابت والراسخ الذي يرفض الوجود الأجنبي الأميركي وغيره على الأراضي العراقية، وهو أمر سيادي وعقائدي، وبالتالي ليس هناك مانع وطني من تموضعها، بل إن الضغط عليها قد يأتي بنتائج عكسية، فالشارع يرى فيها ضمانة لحفظ السيادة والاستقرار الإقليمي».
وبالفعل، أجمعت شهادات المشيعين الذين تحدّثت إليهم «الأخبار» في النجف وكربلاء، على أن وجودهم المليوني في الشوارع يمثّل «رسالة ثبات وإغاظة واضحة للرافضين للمقاومة، وخاصة الأطراف المقرّبة من أميركا والكيان الإسرائيلي».
ومن شأن هذه الرسالة أن تفرض نفسها على المشهد السياسي، وتتسبّب ربما بتغيير أو عرقلة برنامج الزيدي الخاص بحصر السلاح وجدولته، خصوصاً أنه ثبُت وجود أمر واقع لا يمكن الحكومة أو القوى الخارجية تخطّيه بسهولة.
فقار فاضل-الاخبار
اكدت مصادر دبلوماسية في بيروت، بان مذكرة التفاهم لن تسقط والتوترات ستبقى حروبا صغيرة لن تتدحرج الى مواجهات كبرى وشاملة نتيجة حرص واشنطن وطهران على تجنب وصول التوترات الى نقطة اللاعودة والتمسك بالمفاوضات في باكستان وقطر ومسقط وسويسرا حتى انتاج التسوية الكبرى، وتجزم المصادر، عن توجه اميركي ايراني لتمديد مهلة الـ 60 يوما الاسبوع المقبل في سويسرا.
رضوان الذيب – الديار
كشفت مصادر إعلامية عبرية أن الولايات المتحدة طلبت من كيان الاحتلال تعليق العمليات العسكرية التي يصفها بأنها “حساسة” في جنوب لبنان.
وذكرت شبكة “كان” العبرية أن المستوى السياسي في كيان الاحتلال أصدر تعليمات إلى الجيش بتعليق جميع العمليات “الحساسة” في جنوب لبنان، استجابةً لطلب أمريكي، على أن يبقى القرار سارياً حتى إشعار آخر، بانتظار مسار المفاوضات الولايات المتحدة وإيران، وكذلك مسار المفاوضات بين كيان الاحتلال ولبنان.
ويأتي هذا التطور في وقت يواصل فيه كيان الاحتلال اعتداءاته على الأراضي اللبنانية، رغم اتفاق الإطار الذي وُقِّع في 26 يونيو/حزيران 2026 بوساطة أمريكية، والذي نصّ على انسحاب قوات الاحتلال من جنوب لبنان وتسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني.
ورغم ذلك، أعلن مسؤولون في كيان الاحتلال، بينهم وزير الحرب يسرائيل كاتس، رفضهم الانسحاب من الأراضي اللبنانية، في خطوة أثارت انتقادات واسعة.
وبحسب تقارير، أسفرت اعتداءات كيان الاحتلال على لبنان منذ الثاني من مارس/آذار 2026 عن استشهاد أكثر من 4300 شخص، وإصابة أكثر من 12 ألفاً و200 آخرين، إضافة إلى نزوح نحو 1.5 مليون شخص.
العالم
لم تدمّر الغارات الإسرائيلية التي استهدفت وسط بلدة فرون منزل حسين مكي فحسب، بل أجّلت أيضاً مشروع زواجه الذي كان على الأبواب. يقول بحسرة: «كنت عم عفّش هالبيت وبدّي انقل بنت الحلال… بس راح البيت».
لم يقتصر أثر الحرب على خسارة المنزل، بل بات حسين مضطراً إلى قطع مسافة طويلة للوصول إلى بلدة قعقعية الجسر، بلدة خطيبته، بعدما دمّر الاحتلال الجسر الذي كان يربط بين شمال النهر وجنوبه، ومع استمرار توغّلات العدو باتجاه وادي الحجير حتى بعد وقف إطلاق النار.
«الحمد لله نحنا بخير. الحجر بيهون قدّام أرواح الشهداء، ويسوانا ما يسوا هالضيعة وأهلها»، يقول فيما يقف بين ركام منزله، ومنزل أهله، ومنازل الجيران التي «طحنتها» الغارات.
وسط كتلة هائلة من المباني المُدمّرة والمتصدّعة، كان بعض الأهالي يتنقّلون بين الأنقاض، لا يتفقّدون حجارةً فحسب، بل يستعيدون تفاصيل حياة كاملة كانت تنبض هنا حتى وقت قريب. بقايا غرف الجلوس والطعام، ألعاب الأطفال وثيابهم وأحذيتهم قرب الأبواب المُخلَّعة، ومرآة مُشظّاة تعكس صورة الخراب وجزءاً من قرية القنطرة شرق وادي الحجير.
سيارات مدفونة تحت الركام، وأخرى قذفها العصف عشرات الأمتار، ومحالّ تجارية متضرّرة كانت تشكّل جزءاً من اقتصاد البلدة.
بين آليات رفع الأنقاض وشاحنات مُحمّلة بالألمنيوم والحديد، في مهنة فرضتها الحرب، تنتشر الشظايا ومُخلّفات القصف والحفر التي خلّفتها المدفعية الإسرائيلية، فيما يمتد خط طويل من المنازل المُهدّمة والمتضرّرة على الطريق المؤدّية إلى الغندورية وبرج قلاويه. في قلب هذا المشهد، كانت امرأة تقف أمام ركام منزلها، تضرب كفّاً بكفّ، فيما بدت الندوب التي خلّفتها الحرب أعمق من أن تُرى بالعين.
جرّبوا كل أنواع الأسلحة
على أحد جدران المنازل المُدمّرة جزئياً كُتبت عبارة: «هنا احتدم الموت وكنّا أسياد النزال». يشير أحد أبناء البلدة إلى بقعة قريبة: «هنا استُشهد أخي وأحد أقربائنا. لم يغادرا فرون رغم كل القصف… هودي ولاد الأرض عن حق».
يعرف أبناء البلدة أن للعدو «حساباً» قديماً مع فرون، يعود إلى سنوات «الحزام الأمني» في الثمانينيات، مروراً بمأثرة وادي الحجير في حرب تموز 2006، وصولاً إلى الحرب الأخيرة، التي عجز خلالها عن احتلال فرون والغندورية رغم محاولاته المتكرّرة.
وتشير التقديرات الأولية في البلدة إلى أن العدو الإسرائيلي شنَّ نحو 250 غارة جوية على فرون، واستهدفها بأكثر من 500 قذيفة مدفعية، ما أدّى إلى تدمير نحو 200 منزل بالكامل من أصل 400، فيما توزّعت بقية المنازل بين مُدمّرة جزئياً ومتضرّرة، ولم يبق صالحاً للسكن سوى نحو 50 منزلاً عاد أصحابها لترميمها والإقامة فيها.
كما لحقت أضرار جسيمة بالبنى التحتية، من شبكات المياه والكهرباء والطرقات والاتصالات، إضافة إلى خسائر كبيرة في المؤسسات التجارية، ونفوق أعداد كبيرة من المواشي والدواجن وخلايا النحل، واحتراق مساحات واسعة من أشجار الزيتون وتلف المحاصيل الزراعية، ما يجعل البلدة في عداد المناطق المنكوبة.
250 غارة جوية وأكثر من 500 قذيفة مدفعية أدّت إلى تدمير 200 منزل بالكامل من أصل 400
يستغرب أبناء فرون إدراج اسم بلدتهم ضمن ما يُسمّى «المناطق التجريبية»، رغم أنها ليست مُحتلة. يقول أحدهم بسخرية مريرة: «تجريبية؟ كل أنواع الأسلحة جرّبوها بفرون!».
أن يتحدّث العدو عن فرون والغندورية كـ«منطقتين تجريبيتين» رغم أنهما ليستا تحت الاحتلال، فهذا يعني أنّه «يريد أن يختبر قدرته على فرض معادلات أمنية وعسكرية على المنطقة وسكانها، من دون أن يكون له وجود مباشر على الأرض، خصوصاً أنه يتوجّس من موقع البلدة الاستراتيجي المشرف على القرى المقابلة التي يحتلها الآن». ولأنّ فرون «بقيت عصيَّة على العدو»، على ما يقول عباس بزّي، الناشط السياسي والاجتماعي في البلدة، «يحاول الإسرائيلي فرض وقائع أمنية وميدانية من دون أن يكون قد انسحب فعلياً من أي مكان، وفي الوقت نفسه يوجّه رسالة إلى جمهوره حول مدى قدرته على فرض إرادته على قرارات السلطة اللبنانية».
ستظلّ عصيّة على الاحتلال
لم تكن فرون، بالنسبة إلى دانا مكي (27 عاماً)، مجرّد مكان وُلدت وترعرعت فيه، بل «بيتي وذاكرتي، وأول مكان تعلّمت فيه معنى الانتماء إلى الأرض». قبل الحرب، كانت حياتها مرتبطة بكل تفصيل في البلدة. تقول: «كنت حسّ إنو فرون جزء منّي، وإن كل زاوية فيها بتحمل ذكرى من طفولتي أو من حياتي، خصوصاً مع أبناء عيلتي الشهداء، وحتى بعد استشهادهم ظلّوا حاضرين بكل مكان».
خلال الحرب، كان مجرّد سماع اسم فرون يوقظ فيها شعوراً بالغ الألم. «كنت حسّ إن حدا عم بينادي على جزء منّي. كل غارة كانت كأنها بتنزل على قلبي. وحتى لما كانوا يعلنوا اسم شهيد من فرون، كان الوجع يصير شخصياً، لأنو بضيعة متل فرون الكل بيعرف الكل».
لم تُضعِف الحرب علاقة دانا ببلدتها، بل زادتها تمسّكاً بها. لذلك، تستغرب تداول اسم فرون باعتبارها «منطقة تجريبية»، وترى أن «فرون لم تكن يوماً أرضاً بلا أهل أو بلا إرادة حتى تُعامل كأنها مساحة لاختبار المشاريع الأمنية. هي بلدة يسكنها أناس متمسّكون بأرضهم وهويتهم». وتختم بثقة تشبه يقين أبناء بلدتها جميعاً: «فرون لم تكن ولن تكون حقل تجارب لأحد. هي بلدة صمدت وقدّمت تضحيات كبيرة لتحافظ على وجودها وكرامتها، وستبقى عصيّة على الاحتلال».
لدعم عودة الناس لا «تطفيشهم»!
منذ اللحظة الأولى لتداول اسم فرون ضمن لائحة «المناطق التجريبية» المُقترحة، كان رئيس المجلس البلدي حسن بزّي من أوائل الرافضين لهذا الطرح، معتبراً أنه «لزوم ما لا يلزم».
في حديثه إلى «الأخبار»، يدعو بزي اللبنانيين إلى زيارة البلدة والاطّلاع على حجم الدمار الذي خلّفته الحرب، مؤكّداً أن «الأولوية يجب أن تكون لدعم عودة الأهالي وتعزيز صمودهم، لا لإطلاق توصيفات من قبيل السيطرة بالنار أو المناطق التجريبية، لأن مثل هذه التصريحات لا تؤدّي إلا إلى تأخير عودة السكان والحياة إلى البلدة».
لم يكن سهلاً على بزي الوقوف متفرّجاً على أبناء بلدته «مشتّتين» بعد وقف إطلاق النار، فسارع، بالتنسيق مع الجهات المعنية، إلى تحويل مبنى المدرسة الرسمية إلى مركز لإيواء العائدين، في مبادرة هي الأولى من نوعها في قضاء بنت جبيل بعد الحرب. ويضيف: «أهالي فرون متعطّشون للعودة، لذلك كان لا بد من خطوة سريعة تؤمّن لهم مكاناً داخل بلدتهم. هم عملياً لا يزالون نازحين، لكن داخل ضيعتهم». لذلك، يناشد الوزارات والإدارات الرسمية والمنظمات الإنسانية تقديم الدعم العاجل للمركز، مشدّداً على أن «الهاجس الأساسي هو تهيئة الظروف التي تسمح بعودة جميع أبناء البلدة في أسرع وقت».
ويشدّد الناشطون من أبناء البلدة على أن المطلوب تأمين مقوّمات الحياة الأساسية للسكان «بما يشجّعهم على البقاء في بلدتهم ويحول دون تحقيق أهداف الاحتلال بإفراغها من سكّانها».
ويشير هؤلاء إلى مجموعة خطوات ضرورية مثل إزالة الركام وتأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية وتأمين بيوت جاهزة للعائلات التي دُمّرت منازلها إلى حين إعادة الإعمار، وتقديم دعم مباشر للمزارعين الذين فقدوا مصدر عيشهم في قرية يعتمد جزء أساسي من سكانها على الزراعة وتربية النحل والمواشي، إضافة إلى «أعمال تجارية» أخرى وتحويلات المغتربين من أبنائها.
فراس خليفة-الاخبار
أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أنه أصدر أوامر للجيش بالاستعداد لشنّ هجمات على إيران في حال أقدمت حكومة طهران على اغتيال الرئيس الأميركي أو الشروع في الاغتيال.
وقال في منشور على منصته للتواصل الاجتماعي “تروث سوشال”: “هناك ألف صاروخ جاهز للإطلاق وموجّه نحو إيران، مع آلاف أخرى ستتبعها فورا، في حال أقدمت الحكومة الإيرانية على تنفيذ تهديدها، الذي أطلقته في أنحاء متفرقة من العالم، باغتيال رئيس الولايات المتحدة،وهو أنا، أو محاولة اغتياله.
أصدرت الأوامر بالفعل، والجيش الأميركي على أهبة الاستعداد، وجاهز، وقادر، لمدة عام قابل للتمديد، على تدمير جميع مناطق إيران بشكل كامل”.
الوكالة الوطنية
لعل أبرز الأوراق التي يمتلكها لبنان الرسمي تتمثل في الشرعية الدولية والغطاء العربي والدولي، إذ يحظى مسار التفاوض المباشر بين لبنان و”إسرائيل” بدعم دولي وعربي، كما أن مطلب حصرية السلاح يشكل أولوية لدى معظم الدول الكبرى.
ويستند لبنان إلى قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 1701، وإلى الاعتراف الدولي بسيادته ووحدة أراضيه. كما أن معظم الدول الراعية للمفاوضات لا تعترف بأي تغيير دائم في الحدود أو بأي احتلال جديد للأراضي اللبنانية، ما يمنح بيروت أساساً قوياً للمطالبة بانسحاب “إسرائيلي” كامل.
كذلك، يعتبر لبنان الرسمي أن الوساطة الأميركية، وانخراط الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصياً في الملف اللبناني، يمثلان عنصر قوة يمكن البناء عليه، ولا سيما في ظل الضغوط الواضحة التي مارستها، ولا تزال، واشنطن على تل أبيب. ويعتقد لبنان الرسمي أن هذه الضغوط ستؤدي، عاجلاً أم آجلاً، إلى انسحاب “إسرائيلي” كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.
ومن الأوراق التي تمتلكها الدولة اللبنانية أيضاً قدرتها على توفير الاستقرار في الجنوب. فـ”إسرائيل”، كما الولايات المتحدة والدول الأوروبية، تدرك أن أي اتفاق لن يكون قابلاً للحياة ما لم تكن الدولة اللبنانية، ممثلة بالجيش والمؤسسات الرسمية، قادرة على تطبيقه.
وبالتالي، فإن نجاح انتشار الجيش وتعزيز سلطته جنوب الليطاني يشكلان مصلحة مشتركة، ويمكن للبنان أن يربط أي التزامات أمنية بالحصول على ضمانات سياسية وعسكرية.
بولا مراد – الديار
بعد مرور أسبوعين على توقيع اتفاق – الإطار، ما زالت قوات الاحتلال تمارس خرقها لوقف إطلاق النار، وتقتل وتقصف، بينما تحاول التوسّع في بعض المناطق، في وقت يستمر فيه تدمير البيوت وتجريف الأراضي في المناطق المحتلة، تحت إطار «شرعنة الاتفاق للوجود الإسرائيلي في لبنان» كما قال بنيامين نتنياهو.
وتشير مصادر عسكرية رفيعة لـ «الأخبار» إلى أن «لا اتفاق حول أي مناطق نموذجية، وما اقترحه الإسرائيلي سابقاً قوبل برفض تام من الجيش».
فكل ما جرى الحديث عنه في واشنطن تمحور حول مناطق غير محتلة ولم يتمكّن جيش العدو من الوصول إليها وبالتالي «لن يعمل الجيش تحت إمرة أحد، وإن الجيش ليست مهمته تنظيف الأرض للعدو، من أجل تسهيل دخوله إلى المناطق التي لم يتمكّن من الوصول إليها بفعل المواجهات الكبيرة مع المقاومة، ولن يكون الجيش سبباً في احتلال المزيد من الأراضي».
وقالت المصادر إن الجيش «يدخل إلى المناطق المُحرّرة لتعزيز الأمن فيها مع التزامه بفرض سيطرته عليها.
ولكنه يدخل إلى الأراضي المحتلة لأجل إعادة بسط سلطة الدولة فيها، وتوفير العودة الآمنة لأهاليها».
وبحسب المصادر فإن «الوفد العسكري شدّد أمام الأميركيين والإسرائيليين على حدّ سواء خلال جولة المفاوضات الأخيرة على عدم قبوله تلقّي تعليمات من جيش العدو، ولا التنسيق المباشر معه، ورفضه لأي آلية تتسبب بالإخلال بالسلم الأهلي أو يكون هدفها الأساسي وضع الجيش في مواجهة الأهالي. وهو ما أدّى إلى اصطدام الوفد العسكري اللبناني بالوفد السياسي آنذاك».
هيكل يعتبر وحدة الجيش ودوره أولوية حتى ولو كلفه الأمر إقالته من منصبه























