مقالات

إنجازات حزب الله “المرحلية” تُمهد لانتصار تأسيسي

لا يمكن مقاربة مسار المواجهة بين حزب الله وجيش الاحتلال “الإسرائيلي” بوصفها مجرد تفاعل عسكري تقليدي تحكمه معادلات القوة النارية أو التفوق التكنولوجي، بل هي ساحة مركبة تتداخل فيها أبعاد المبادرة، والإدراك، وإدارة الزمن، وإعادة تعريف الأهداف.

وفي هذا السياق، تبرز جملة من “الإنجازات المرحلية” التي حققها حزب الله، ليس بوصفها نتائج نهائية للصراع، بل كتحولات بنيوية أعادت تشكيل قواعد الاشتباك، وقيّدت خيارات العدو، وفرضت معادلات جديدة على المستويين الميداني والسياسي.

هذه الإنجازات لا تُقرأ منفصلة، بل ضمن نسق استدلالي متكامل يكشف تطور حضور المقاومة وفاعليتها في حسابات أعدائها الخارجيين والداخليين.

أولاً: إحباط عنصر المفاجأة

أحد أبرز التحولات تمثّل في إفشال خطة العدو القائمة على توجيه ضربة مفاجئة لحزب الله.

هذا الإحباط لا يُقاس فقط بمنع الضربة بحد ذاتها، بل بفرض معادلة معاكسة: تحويل “زمن المبادرة” -وإن من موقع الرد على اعتداءات- من كونه امتيازًا “إسرائيليًا” إلى عنصر سجالي بين الطرفين.

فمجرد وجود نقاش داخل المستويين السياسي والعسكري “الإسرائيلي” حول أولوية ضرب حزب الله أو إيران يكشف عن حرصهما على مفاجأة حزب الله ابتداء.

هنا، الإنجاز ليس دفاعيًا فقط، بل دفاعي استباقي رغم كونه أيضًا ردًا على مسار طويل من الاعتداءات.

ثانيًا: كسر معادلة الاغتيالات

قبل 2 آذار، فرض العدو تثبيت نمط من الاغتيالات شكّل قاعدة ردع أحادية الاتجاه. غير أن كسر هذا المسار يُعد إنجازًا استراتيجيًا لأنه أعاد إدخال عنصر “الكلفة” في حسابات العدو.

فمحاولة إعادة فرض هذا النمط تحت سقف وقف إطلاق النار تكشف أن “إسرائيل” لم تنجح في تثبيته كقاعدة مستقرة. الاستدلال هنا أن الردع لا يُقاس بعدد الضربات، بل بقدرة الطرف المقابل على منع تحويلها إلى قاعدة دائمة. وبالتالي، نجح حزب الله في نقل المعركة من مستوى “الفعل” إلى مستوى “شرعية الفعل” أيضًا.

ثالثًا: مفاجأة العدو بجهوزية وتكتيكات فعّالة

إقرار بعض قادة الجيش “الإسرائيلي” بأنهم فوجئوا بجهوزية حزب الله يعكس خللًا استخباراتيًا عميقًا. فالمفاجأة هنا ليست في امتلاك القدرات، بل في القدرة على إخفائها وإدارتها حتى لحظة الاستخدام.

هذا يعني أن المقاومة نجحت في الجمع بين “التمويه الاستراتيجي” و”الفعالية التكتيكية”، وهو ما يفسر عجز الجيش عن تحقيق إنجازات حاسمة رغم تفوقه المادي. الاستنتاج المفاهيمي أن السيطرة على الإدراك باتت جزءًا من ميدان المعركة، وليتس مجرد عنصر مساعد.

رابعًا: انقلاب الكمين الاستراتيجي

أحد أكثر المؤشرات دلالة هو نجاح حزب الله في استدراج العدو إلى كمين استراتيجي، بعد أن كانت الخطة الأصلية تقضي بعكس ذلك. هذه النقطة تعكس تحولًا نوعيًا: من طرف يُفترض أنه هدف للمبادرة، إلى طرف يعيد توجيهها.

إشارة قادة “إسرائيليين” مثل قائد المنطقة الشمالية اللواء رافي ميلو إلى هذا التحول تؤكد أن المسألة ليست دعاية، بل قراءة داخلية للخلل. الاستدلال هنا أن التفوق لا يُقاس فقط بمن يخطط، بل بمن يفرض على الآخر أن ينفذ ضمن شروطه.

خامسًا: تيئيس العدو من الحسم العسكري

نجاح حزب الله في دفع القيادة “الإسرائيلية” للاعتراف بأن نزع سلاحه هدف طويل الأمد وليس قابلًا للتحقيق عسكريًا في المدى القريب، يمثل تحولًا في “سقف الأهداف”. فعندما ينتقل الهدف من الحسم إلى الإدارة، يكون الطرف المقابل قد فرض قيودًا استراتيجية.

هذا الإنجاز يعكس انتقال الصراع من منطق “الحرب الحاسمة” إلى “إدارة النزاع”، وهو تحول عادة ما يخدم الطرف الأقل تقليديًا في القوة، لأنه يراكم الزمن لصالحه.

سادسًا: تحويل الاحتلال إلى عبء أمني دائم

في المناطق المحتلة، لم يعد الوجود “الإسرائيلي” مستقرًا أو آمنًا، بل تحول إلى عبء دائم.

غياب التمركز الثابت في بعض القرى يشير إلى فقدان السيطرة الميدانية الفعلية، حتى لو استمر الحضور العسكري شكليًا. هذا يعكس نجاح المقاومة في تطبيق نموذج “الاستنزاف الذكي”، حيث لا يكون الهدف طرد العدو فورًا، بل جعل بقائه مكلفًا إلى حد لا يمكن تحمله. الاستدلال هنا أن السيطرة لا تُقاس بالانتشار، بل بالقدرة على الاستمرار.

سابعًا: فرض قواعد اشتباك جديدة

تمكن حزب الله، بدعم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من فرض قيود على هامش العدوان “الإسرائيلي”. هذا يعكس أن الصراع لم يعد ثنائيًا، بل جزءًا من توازن إقليمي أوسع. الإنجاز هنا هو إدخال متغيرات خارجية في حسابات العدو، ما يقلل من حريته في التصعيد. الاستنتاج أن الردع لم يعد محليًا، بل متعدد المستويات.

ثامنًا: نقل الاشتباك إلى الداخل “الإسرائيلي”

من أبرز التحولات أيضًا نقل المواجهة إلى داخل البنية السياسية “الإسرائيلية”، حيث ظهر انقسام بين الجيش والحكومة، وبين الحكومة والمعارضة.

هذا يعني أن المقاومة لم تعد تستهدف فقط القدرات العسكرية، بل أيضًا تماسك القرار السياسي. الاستدلال هنا أن إضعاف “وحدة القرار” هو شكل من أشكال الإنجاز الاستراتيجي، لأنه يساهم في إرباك عملية القرار.

تاسعًا: إنتاج واقع ميداني يفرض الانسحاب كخيار

مع ارتفاع الكلفة البشرية والأمنية، يصبح البقاء في المناطق المحتلة خيارًا مكلفًا سياسيًا وعسكريًا. هذا لا يعني الانسحاب الفوري، بل تحويله إلى احتمال واقعي مطروح على طاولة القرار. الإنجاز هنا هو نقل النقاش داخل “إسرائيل” من “كيف نبقى” إلى “هل يجب أن نبقى”.

عاشرًا: استعادة الثقة وفرض الحضور في المعادلة

نجح حزب الله في استعادة ثقة بيئته وحلفائه، وفي فرض نفسه كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مستقبلية.

هذا يعكس أن الإنجاز ليس فقط ميدانيًا، بل أيضًا سياسي-استراتيجي. فضلًا عن أن الشرعية الشعبية والسياسية تشكل ركيزة أساسية للاستمرار في الصراع.

حادي عشر: فرض معادلة تفاوضية جديدة

أرست المقاومة معادلة تجعل أي اتفاق لا يمكن فرضه على لبنان دون أخذ موقفها في الاعتبار. هذا يعني أن ميزان القوى لم يعد يُقاس فقط في الميدان، بل أيضًا على طاولة التفاوض. الاستدلال أن من يملك القدرة على التعطيل، يملك جزءًا من القرار، حتى لو لم يكن حاضرًا بشكل مباشر.

في المحصلة، تكشف هذه الإنجازات، وغيرها، عن تحول بنيوي في طبيعة الصراع: من مواجهة غير متكافئة تقليديًا، إلى حالة من التوازن المركب القائم على التبادلية الميدانية وإدارة الكلفة.

ما حققه حزب الله ليس حسمًا نهائيًا، بل بناء تدريجي لبيئة استراتيجية تجعل تحقيق أهداف العدو أكثر صعوبة وتعقيدًا.

والأهم أن هذه النتائج، بوصفها مرحلية، تؤسس لمسار أطول يتجاوز الميدان إلى إعادة تشكيل مفاعيل معادلات القوة، حيث يصبح “منع الهزيمة” بحد ذاته مقدمة لـ“إنتاج شروط الانتصار” لاحقًا، من الواضح أنه سيكون أيضًا تأسيسيًا في معادلات الداخل وتجاه الخارج.

جهاد حيدر-الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى