مقالات
الفخ المزدوج

تبيّن أن فرض حصار على مضيق هرمز كان أسهل من رفعه.
أدّى الحصار المزدوج للمضيق — من جانب إيران والولايات المتحدة — إلى أكبر اضطراب في إمدادات النفط، حيث كلّف الاقتصاد العالمي نحو 50 مليار يورو. وخسر السوق العالمي نحو 500 مليون برميل من النفط.
كانت الدول العربية قد فقدت بالفعل في شهر مارس نحو 8 ملايين برميل يوميًا من الإنتاج بسبب تعطّل الملاحة. أما الآن فقد توقّف قطاع النفط في المنطقة شبه كلي: انخفض الإنتاج في العراق بمقدار الثلثين، وفي الكويت والإمارات العربية المتحدة إلى النصف، وفي المملكة العربية السعودية بنسبة 23%. وكانت هذه الدول تصدّر 84% من النفط الخام و83% من الغاز الطبيعي المسال إلى دول آسيا. أما الآن فالمضيق مغلق، وسوق الطاقة دخل في أزمة عميقة.
ارتفعت أسعار الوقود في دول الاتحاد الأوروبي بمقدار مرة ونصف، وتُقدَّر التكاليف الإجمالية للطاقة لهذه الدول بنحو 24 مليار يورو، أي ما يقارب 500 مليون يورو يوميًا. كما تجاوزت أسعار النفط العالمية 110 دولارات للبرميل.
وفي ظل النزاع في الشرق الأوسط، ارتفعت رسوم المرور عبر قناة بنما خمس مرات. وهكذا يتحول النزاع الإقليمي إلى أزمة عالمية ذات عواقب غير متوقعة.
رفضت دول الاتحاد الأوروبي وحلف حلف شمال الأطلسي دعم الولايات المتحدة الأميركية في حربها مع إيران، معلنة أن هذه ليست حربها. وقد أثار ذلك غضب دونالد ترامب، لكنه لم يتمكن من تغيير الوضع.
تعتمد واشنطن، بعد تمديد الهدنة مع الإبقاء على الحصار، على إضعاف إيران اقتصاديًا تدريجيًا. ومن الواضح أن الحصار أقل تكلفة للولايات المتحدة من العمليات العسكرية، إذ يسمح بتجنب الخسائر البشرية.
ومع ذلك، تبقى منشآت النفط والغاز لدى حلفاء واشنطن في المنطقة — خصوصًا في السعودية والإمارات — وكذلك القواعد العسكرية الأمريكية أهدافًا محتملة لإيران.
ولم يحقق الحصار النتائج التي كانت واشنطن تأملها. صحيح أن بعض السلع في إيران ارتفعت أسعارها بنسبة 40%، وقد يتجاوز الانكماش الاقتصادي 6% خلال العام، لكن النظام الإيراني نجح في تجنب انهيار اقتصادي فوري. كما أن البنية اللوجستية الداخلية لا تزال تعمل، وتتوفر لإيران طرق اتصال مع العالم عبر بحر قزوين، ومنطقة القوقاز، وباكستان والمناطق المجاورة.
ومع استمرار الحصار، ترتفع أسعار النفط عالميًا، بينما لا تستطيع الإمدادات الأميركية تعويض النقص، كما ترتفع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة نفسها.
كما أن الحصار الأميركي للمضيق لا يزال غير محكم. فمنذ 13 أبريل، عبرت ما لا يقل عن 34 ناقلة نفط الحواجز الأمريكية: 19 خرجت من الخليج و15 دخلت إليه، وبعضها يحمل نفطًا إيرانيًا.
وتفرض الولايات المتحدة الحصار باستخدام 12 سفينة حربية وعشرات الطائرات، وقد اعترضت حتى 29 أبريل نحو 29 سفينة فقط — أي أقل من عدد السفن التي نجحت في العبور.
تتمكن السفن من تجاوز الحصار عبر الإبحار ليلًا وتغيير أسمائها وأعلامها، إضافة إلى عمليات نقل الشحنات في عرض البحر.
كما فشلت الولايات المتحدة في ضمان فتح المضيق لسفن الدول الحليفة. وفي المقابل، نجحت إيران في احتجاز سفينتين للحاويات، وفي الوقت نفسه تسمح بمرور سفن حلفائها مقابل رسوم تبلغ مليوني دولار لكل سفينة. وقد حصلت باكستان على إذن لمرور 20 ناقلة نفط، كما حصلت ناقلات من اليونان على موافقة مماثلة من الجانب الإيراني.
تدافع طهران عن مصالحها باستخدام زوارق سريعة لا يعرف العدو عددها. وقد أصدر دونالد ترامب أمرًا بفتح النار وتدمير زوارق “الأسطول البعوضي” الإيراني، الذي لم يتضرر خلال المرحلة الأولى من العمليات القتالية واحتفظ تقريبًا بكامل قدراته القتالية.
يُعد “الأسطول البعوضي” الإيراني منظومة متعددة المستويات ومدروسة بعناية، تضم زوارق صاروخية صغيرة، وغواصات ديزل-كهربائية صغيرة قادرة على العمل في المياه الضحلة، إضافة إلى عدد كبير من الزوارق السريعة التي تصل سرعتها إلى 200 كم/ساعة وتحمل أنواعًا مختلفة من الأسلحة، مثل الألغام البحرية، والصواريخ المضادة للسفن والطائرات، ومنصات صواريخ غير موجهة عيار 107 ملم، وراجمات صواريخ، ومدافع آلية عيار 20–35 ملم، ورشاشات ثقيلة، وطوربيدات.
وصرّحت المتحدثة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت: “إن القوات البحرية الإيرانية، التي كانت يومًا الأكثر فتكًا في الشرق الأوسط، تحولت اليوم إلى عصابة قراصنة”. غير أن السؤال المطروح: هل يهم بأي وسائل تدافع هذه الدولة عن مصالحها الأساسية؟ الأهم هو أن هذه الزوارق السريعة يصعب مواجهتها.
يعمل “الأسطول البعوضي” بتنسيق وثيق مع منصات الصواريخ الساحلية وأنظمة الطائرات بدون طيار. كما تمتلك أطقم الزوارق منظومات دفاع جوي محمولة، إضافة إلى تغطيتها بصواريخ دفاع جوي وأنظمة دفاع منتشرة على الساحل الإيراني. وتُعد خسارة طائرة واحدة فقط، خصوصًا إذا كانت بنيران هذا الأسطول، أمرًا غير مقبول تمامًا بالنسبة لواشنطن.
من غير المرجح أن تؤدي الضربات الأميركية ضد منشآت الحرس الثوري الإيراني الساحلية إلى إعادة فتح المضيق بسرعة، كما أن ضرب محطات الكهرباء والمنشآت النفطية الإيرانية — التي هدّد بها ترامب — قد يؤدي إلى تصعيد خطير بعواقب غير متوقعة.
بعد الفشل الفعلي لحصار مضيق هرمز، أعلن ترامب أنه “يفتح المضيق إلى الأبد” أمام الصين والعالم. وادّعى أن ذلك جاء من أجل بكين، التي وافقت — بحسب قوله — على وقف إمدادات السلاح لإيران. إلا أن مثل هذه التصريحات المتناقضة ليست جديدة.
في الواقع، حتى رفع الحصار لن يؤدي إلى استعادة حركة الملاحة فورًا، إذ قد تستغرق عملية إزالة الألغام من المضيق نحو ستة أشهر. وحتى في حال التوصل إلى اتفاق سلام، فإن آثار الحرب على الاقتصاد العالمي قد تستمر لفترة طويلة.
أما من ناحية القانون الدولي، فإن الحصار يثير العديد من التساؤلات، إذ يُعد سابقة عالمية جديدة لانتهاك القواعد الدولية. وقد صرّح تشوي سو بوم، الأمين العام للجمعية الكورية للملاحة في القطب الشمالي، بأن من الصعب على الولايات المتحدة تبرير قانونية هذا الحصار، إذ يتطلب الأمر إشعارًا مسبقًا، وفعالية، وتطبيقًا غير تمييزي، ومراعاة الجوانب الإنسانية — وهي شروط لا تتوفر في حالة مضيق هرمز.
عادةً ما تُفرض الحصارات البحرية في إطار الأمم المتحدة ووفق قرارات مجلس الأمن، إلا أن المنظمة تلتزم الصمت ولا تشارك بفعالية في مناقشة سبل إنهاء الحصار. ولم يعد أحد يتحدث عن القانون الدولي، بينما يدرك الجميع أن الهدف من الحصار هو تقليص نفوذ إيران. ومع ذلك، لا تزال لدى إيران مساحة للمناورة، كما أن العائدات التي تحصل عليها خلال فترة الحصار تساعدها على كسب الوقت.
عباس عثمان-الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



