مقالات
محور إبستين يسمّم الكوكب

تكشف الضربات الإسرائيلية على منشآت النفط في إيران، بدعم أميركي سياسي وعسكري، وجهاً آخر للحرب يتجاوز الدمار العسكري إلى كارثة بيئية عابرة للحدود.
فالدخان السام والأمطار الحمضية التي غطّت طهران، والفوسفور الأبيض الذي يحرق قرى الجنوب اللبناني، يهددان البشر والطبيعة ويتركان آثاراً قد تمتد إلى الكوكب كله
استيقظ سكّان إيران الأحد الماضي على «أمطار سوداء» بعد قصف إسرائيلي على عشرات مرافق تخزين النفط في أنحاء عدّة من البلاد. أدّت الأمطار الحمضية السامة والمُلوّثة إلى تعريض ملايين الإيرانيين لخطر بيئي خطير يُسبّب حروقاً كيميائية للجلد وتلفاً للرئتين. وبينما حاولت واشنطن التنصّل من الهجوم على المشنآت النفطية، أعلنت تل أبيب عن مسؤوليّتها عن الاستهداف من دون خجل.
بالتزامن مع ذلك، كشفت التقارير الدولية أنّ جرائم الحرب لا تحصل فقط على الجبهة الإيرانية، إذ أدانت أيضاً استخدام «إسرائيل» أسلحة محرّمة دولياً في قصفها العشوائي على لبنان، وتحديداً قراه الجنوبية.
على وقع هذه الأحداث، خرجت الأوساط اليمينية في الولايات المتحدة لتبدي خشيتها جرّاء استهداف خزّانات النفط الإيرانية، لكن ليس من باب المخاطر الهائلة على ملايين البشر، إنّما خوفاً على خسارة «أطنان من الأموال» التي قد تصل يدهم إليها في حال إسقاط النظام.
فجر بلا شمس
تصاعد الدخان ليل الأحد في سماء طهران بشكل كارثي، وحوّل النفط المُحترق الأفق إلى اللّون البرتقالي بعدما اشتعلت بسب الضربات الإسرائيلية على مستودعات الوقود على أطراف العاصمة. ويعدّ استهداف البنية التحتية النفطية الأوّل من نوعه منذ بدء الحرب الأسبوع الماضي، وشملت الضربات مستودعات في مدينة كرج المجاورة أيضاً، ما أدّى إلى اندلاع ألسنة اللّهب الضخمة في الهواء.
مع حلول الصباح، غطّى الدخان الداكن الزيتي العاصمة الإيرانية، ما دفع السكان إلى أخذ الحيطة والحذر.
ووفق منظّمة الصحة العالمية، يمكن أن تؤدي هذه الحرائق إلى إطلاق مواد كيميائية سامّة وملوّثات خطرة أخرى، إضافة إلى تأثيرها المباشر في صحّة الإنسان في حال التّعرض الشديد لها.
قلب غراهام انكسر على المستودعات النفطية المدمّرة، لا على حياة عشرات ملايين البشر
ووفق ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية نقلاً عن شهود عيان من طهران، تحوّل «اللّيل إلى نهار والصباح إلى ليل» بسبب شدّة الحرائق وما تلاها من سحب سوداء في النهار حجبت أشعّة الشمس.
إلى جانب ذلك، أفاد أحد السكان المجاورون لمستودع شهران النفطي المُستهدف، أنّهم شعروا بالغثيان فور خروجهم من منازلهم بسبب الدخان، واضطرّوا إلى البقاء في منازلهم وإغلاق جميع الأبواب والنوافذ.
إضافة إلى ذلك، ذكرت منصّة «دروب سايت» المستقلّة أنّ الغارات الإسرائيلية على مستودعات النفط حول طهران أطلقت كميات هائلة من الهيدروكربونات السامة وثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين. أمّا السلطات الإيرانية، فحذّرت من أنّ هذا الدخان السام يؤدي إلى ضائقة تنفسية حادة وتهيّج في العين. كما أضافت أنّ المواد الكيميائية في الأجواء تتسبّب في هطول أمطار شديدة الحموضة يمكن أن تنتج منها حروق في الجلد وتلفاً شديداً في الرئتين عند الملامسة.
«شتاء نووي»
استكملت الجريمة البيئية معالمها بعدما غطّت مياه الأمطار المُشبّعة بالنفط المدينة، تاركة أسطح المنازل والشرفات والشوارع مغطاةً بسائل أسود كثيف وعكر وسخام زيتي. وبحسب السلطات، يُشكّل هذا التلوث خطراً طويل الأمد بسبب تسرّب المعادن الثقيلة مثل النيكل والفاناديوم إلى التربة وأنظمة تحلية المياه.
من جانبها، نبّهت جمعية الهلال الأحمر الإيراني من مخاطر المطر، ونصحت السكان بحماية أنفسهم وتغطية الأطعمة المكشوفة من جزيئات السخام الزيتي. كما قال مسؤولوها إنّ المطر شديد التآكل ويمكن أن يتلف المباني المدنية.
من جهة أخرى، حذّرت الجماعات البيئية من أن التلوّث يُهدّد أيضاً الطيور المهاجرة التي تعبر الخليج الفارسي. وأضافت أنّ «المطر الأسود» وأعمدة الدخان يُمكن أن تؤدي إلى تلف الأعضاء الداخلية وتدمير خصائص العزل لريش الطيور، وهو ما يلحقه انخفاض درجة حرارة جسمها والموت.
لم تنحصر آثار الكارثة على سكان طهران أو إيران، إذ حذّر علماء أرصاد من أنّ السحابة السامّة قد تتحرّك باتجاه الشمال الشرقي نحو بلدان آسيا الوسطى لتصل إلى غرب الصين.
لبنان لم يسلم
على المقلب الغربي من الشرق الأوسط، أبت «إسرائيل» إلّا أن تمعن في استحقار القوانين الدولية وترافق جريمتها البيئية المهولة في إيران، بقصف الجنوب اللبناني مجدّداً بأسلحة محرّمة دولياً.
في هذا السياق، وثّقت «هيومن رايتس ووتش» استخدام الاحتلال لقذائف الفوسفور الأبيض جواً فوق المنازل في بلدة يحمر جنوب لبنان يوم 3 آذار (مارس)، مستندة إلى سبع صور أكّدت على استعمال ذخائر من هذا النوع في هذا المكان الجغرافي.
وشرح أحد الباحثين القطريين في «معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث» أنّ الفوسفور الأبيض يشتعل عند ملامسته الأوكسجين لينثر 116 قطعة مشتعلة على مساحة 250 متراً، ويلتصق بالجلد ويحترق حتى يصل إلى العظام. كما لا يمكن إطفاؤه بالماء، ويتسبّب في فشل الأعضاء وانهيار الجهاز التنفسي.
الجدير بالذكر أنّها ليست المرّة الأولى التي يلجأ فيها الاحتلال إلى أسلحة محرّمة دولياً في لبنان، إذ كان قد أمعن في استعمال هذا النوع من القذائف على القرى الجنوبيّة، لا سيّما في عدوان عام 2024.
جرائم حرب غير مسبوقة
يُحذّر الباحث القطري من أنّ الأطفال الذين يتنفسون الهواء اليوم في إيران، قد يُصابون بمرض السرطان خلال العقود المقبلة من دون ربط ذلك بما يحدث الآن، ومن دون تحمّل «إسرائيل» تكاليف العلاج ولا محاسبتها.
ويعود الباحث إلى عام 1991، مشيراً إلى إصابة الجنود الأميركيين بـ«متلازمة حرب الخليج» بعد احتراق حقول النفط، ما تسبّب في آلام مزمنة وأضرار عصيبة وأمراض مستعصية على مدى ثلاثة عقود.
ويلفت إلى أنّ تلك الحادثة حصلت في الصحراء، أمّا ما يحدث الآن، فهو داخل مدينة يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة.
في هذا الإطار، اعتبر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أنّ «الهجمات الإسرائيلية على منشآت تخزين الوقود لا تقلّ عن كونها حرباً كيميائية متعمّدة ضدّ المواطنين الإيرانيين».
ولفت إلى أنّ الاستهداف أدّى إلى إطلاق مواد خطرة وسامة في الهواء، ما يتسبّب في تسميم المدنيّين وتدمير البيئة على نطاق واسع، محذّراً من أنّ الكارثة البيئية لن تقتصر عواقبها على حدود إيران.
وأكّد بقائي أنّ الضربات تُشكّل جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، كما تُصنّف ضمن خانة الإبادة الجماعية.
ينصّ القانون الدولي، من خلال البروتوكول الأوّل لاتفاقيات جنيف، على حظر شنّ هجمات على المنشآت أو المرافق التي تحتوي على مواد خطرة، بما في ذلك على وجه التحديد السدود ومحطات توليد الطاقة النووية.
ورغم فظاعة ما ارتكتبه الاحتلال خلال الأيّام الأخيرة، إلا أنّ ذلك ليس بجديد بعد قصفه المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي، إلى جانب جريمة بيئية هائلة كان قد تسبّب فيها عام 2006 عند ضربه خزانات الوقود في لبنان، وما نتج من ذلك من كارثة بيئية لسنوات طويلة.
وعلى وقع المجزرة البيئية غير المسبوقة في إيران، خرج السيناتور الأميركي اليميني، ليندسي غراهام، لينتقد الضربات الإسرائيلية من زاوية أهميّة الإبقاء على هذه المقدّرات لمرحلة ما انهيار الحكومة الإيرانية الحالية.
قلب غراهام انكسر على المستودعات النفطية المدمّرة، لا على حياة عشرات ملايين البشر، إذ زعم أنّ الولايات المتحدة الأميركية كان يمكن أن تجني «أرباحاً طائلة» بعد الحرب من خلال السيطرة على احتياطات إيران النفطية الضخمة.
علي سرور-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



