مقالات
ما وراء الميدان: المعركة على تموضع لبنان الإقليمي

يشهد لبنان في الأسابيع الأخيرة تحرّكاً سعودياً–عربياً لافتاً، تَرجَمَ نفسه بسلسلة اتصالات وزيارات ولقاءات شملت الرؤساء اللبنانيين.
ونقل بعض التقارير أن هذا التحرّك، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، يهدف إلى احتواء تداعيات الحرب المفتوحة، ومنع الانزلاق إلى انفجار داخلي، وتحصين موقع الدولة اللبنانية في مواجهة ضغوط سياسية وأمنية متعاظمة، في ظل مفاوضات مع “إسرائيل” ورعاية أميركية مباشرة للملف.
واقعياً، لا تكمن أهمية هذا الحراك فقط في توقيته، بل في دلالاته السياسية الأعمق، إذ يعكس محاولة عربية لإعادة الإمساك بالملف اللبناني، خوفاً من أن تؤدي الضغوط المتعددة إلى انجراره الى حرب أهلية، أو وقوعه في فلك أحد المحاور المتقاتلة في الإقليم.
خيارات لبنان كدولة حاجز
يعتبر لبنان، تاريخياً، “دولة حاجز” بين الدول المتحاربة أو بين المحاور المتصارعة في المنطقة. وخلال فترة طويلة كان دولة حاجز بين سوريا و”إسرائيل”.
وبحكم موقعها ووظيفتها في النظام الإقليمي، لا تمتلك “الدول الحاجز” ترف الخيارات الواسعة في السياسة الخارجية، وتتجلى خياراتها فيما يلي:
الخيار الأول: الحياد
يبدو هذا الخيار -نظرياً – جذاباً، ويطالب به العديد من اللبنانيين. لكن، عملياً، إن خيار الحياد غير واقعي في الحالة اللبنانية. يتطلب الحياد بداية، قبول الأطراف الإقليمية المتنازعة بحياد الدولة الحاجز.
من هنا، لطالما كان حياد لبنان مرفوضاً خارجياً لأن القوى الإقليمية والدولية لا تقبل بتحويل لبنان إلى مساحة محايدة في قلب الصراع.
كما أنه مرفوض داخلياً بسبب عدم توافق المكوّنات اللبنانية عليه، فضلاً عن أن لبنان هو جزء بنيوي من الصراع العربي–الإسرائيلي وليس كياناً يقع على هامشه.
الخيار الثاني: الدوران في فلك أحد المحاور
حاولت الدول المتصارعة أخذ لبنان الى هذا الخيار خلال الحرب الأهلية لكنه سرعان ما سقط. حاولت إسرائيل، عبر اتفاق 17 أيار 1983، إدخال لبنان في فلكها وفشلت بسقوط الاتفاق.
في المقابل، حاول النظام السوري السابق بقيادة حافظ الأسد خلال الثمانينيات فرض ما سمي حينها بـ “الاتفاق الثلاثي” الذي سقط هو الآخر.
فشل هذان الخياران (الحياد والدولة التابعة) دفع لبنان لأن يكون ساحة صراع إقليمية، حيث وجدت صراعات الإقليم (سوريا- إسرائيل) والصراعات البينية (العربية – العربية)، في لبنان ساحة اشتباك تتنفس فيها جميع الصراعات، بدل الاشتباك المباشر.
الخيار الثالث: تقسيم جغرافي
عكست التسوية التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية ميزان القوى الذي أنتجته الحرب الميدانية في نهاية الثمانينيات. قام اتفاق الطائف بتغيير واسع في الدستور اللبناني بتوافق وطني واسع.
لكن التسوية (غير المعلنة)، والتي رعتها الولايات المتحدة، قامت على تقاسم جغرافي– سياسي: مُنحت سوريا شرعية السيطرة على لبنان عسكرياً وسياسياً وأمنياً، فيما مُنحت “إسرائيل” الجنوب اللبناني الذي كانت تحتله، كمنطقة نفوذ مباشر. هذا التقاسم شكّل قاعدة الاستقرار النسبي في التسعينيات.
من هنا، كان انسحاب “إسرائيل” من الجنوب عام 2000 لحظة مفصلية في توازن القوى في لبنان، أسقطت أحد أعمدة التسوية، وأعادت طرح السؤال عن شرعية الوجود السوري، وهو ما أدى الى الانسحاب السوري لاحقاً مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
المعركة اليوم: موقع لبنان في النظام الإقليمي الجديد
واقعياً، وبالرغم من أن الحرب والتفاوض هما حول وقف الحرب والهدنة وترتيبات ما بعد وقف النار، إلا أن المعركة الاستراتيجية الحقيقية الدائرة حالياً هي حول موقع لبنان في النظام الإقليمي الذي يعاد تشكيله.
تسعى “إسرائيل”، بدعم أميركي، إلى إخراج لبنان بشكل نهائي من محور إيران، لا لإعادته إلى موقع حياد مستحيل، بل لدفعه تدريجياً إلى محور إقليمي تكون فيه “إسرائيل” لاعباً مركزياً مهيمناً.
غير أن هذا الخيار يصطدم بواقع لبناني معارض بغالبيته للسلام وللتطبيع مع “إسرائيل” (كما أظهر استطلاع عربي محايد منذ فترة وجيزة)، ما يعني أن أي انتقال مباشر إلى اتفاق سلام أو تطبيع قد يؤدي إلى عدم استقرار داخلي، وهو ما تدركه الولايات المتحدة، كما تدركه القوى العربية.
من هذا القلق تحديداً، يظهر التحرّك العربي الذي لا يهدف إلى نقل لبنان من محور إلى محور، بل إلى محاولة منع سقوطه الكامل في فلك محور واحد، أي إعادته إلى موقع الدولة الحاجز القابل للحياة عبر توازن قوى إقليمي فيه.
في المحصلة، عادة ما يفرض الميدان رابحين وخاسرين. ومن يصمدون في الميدان يستطيعون تحصيل مكاسب في النظام الذي يلي الحرب. وعلى هذا الأساس، تطرح مسألة العودة إلى تطبيق الطائف.
مع العلم أن تطبيق الطائف بشكل كامل والذي ينص على حصر السلاح بيد الدولة، ينص أيضاً على إلغاء الطائفية السياسية، وإجراء انتخابات نيابية خارج القيد الطائفي، فهل ستأتي التسوية على حساب بعض الأطراف اللبنانيين كما كانت تسوية الطائف في وقت سابق؟
ليلى نقولا-الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



