مقالات

واشنطن تدافع عن هيمنة الدولار

تشهد السياسة المالية الدولية تحوّلاً لافتاً مع عودة الحديث عن توسيع خطوط مبادلة العملات التي يقودها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في ظل اضطرابات جيوسياسية متصاعدة، أبرزها تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وفي هذا السياق، كشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، أمس الجمعة، عن محادثات تجريها الولايات المتحدة مع شركاء في الخليج وآسيا، ولا سيما الإمارات، لإنشاء أو توسيع هذه الخطوط، ما يعكس أبعاداً أعمق تتجاوز مجرد إدارة الأزمات قصيرة الأجل.

خطوط المبادلة: أداة إنقاذ في أوقات الأزمات

تقليدياً، تُستخدم خطوط المبادلة كأداة طارئة لضخ السيولة بالدولار في الأسواق العالمية خلال فترات التوتر المالي.

 فعندما تواجه البنوك المركزية الأجنبية نقصاً في الدولار، يمكنها اقتراضه من الاحتياطي الفيدرالي مقابل عملاتها المحلية، ما يضمن استمرار تدفق التمويل ويمنع حدوث أزمات سيولة حادة.

 وقد لعبت هذه الآلية دوراً حاسماً خلال الأزمة المالية العالمية 2008، وأزمة ديون اليورو، ثم خلال جائحة كورونا.

دوافع مختلفة في توقيت غير تقليدي

لكن ما يجري اليوم يبدو مختلفاً من حيث التوقيت والدوافع، فالدولار لا يشهد ارتفاعاً حاداً كما في الأزمات السابقة، بل إنه مستقر نسبياً.

 ومع ذلك، تطلب دول غنية، مثل الإمارات وشركاء آخرين في الخليج، الوصول إلى هذه التسهيلات.

هذا التحول يطرح تساؤلات حول طبيعة المخاطر التي تسعى هذه الدول للتحوط منها، خاصة في ظل احتمال تعطل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز.

من جهة أخرى، تحمل هذه الخطوة بعداً استراتيجياً واضحاً يتعلق بالحفاظ على هيمنة الدولار، إذ أشار بيسنت إلى أن توسيع خطوط المبادلة يعزز استخدام الدولار عالمياً، ويحافظ على سلاسة أسواق التمويل المرتبطة به.

تعليقاً على الخطوة الأميركية، قال الخبير اللبناني في الشؤون الاقتصادية والمالية حسن مقلد، في حديث إلى الميادين نت إن هذه الخطوة تأتي في إطار اتخاذ إجراءات استثنائية لمحاولة احتواء تداعيات نمو الدين العام الأميركي الذي تسارع بشكل غير مسبوق، والذي ارتفع خلال سنة واحدة من حكم الرئيس الأميركي دونالد ترامب حوالي 3.2 مليارات دولار.

وأشار مقلد إلى أن هذه الخطوة تحمل دلالات مزدوجة، إذ تؤكد من جهة استمرار هيمنة الدولار، ومن جهة أخرى تخدم أهدافاً تتعلق بإدارة الأزمة.

وأوضح مقلد أن الإمارات، كغيرها من الدول، بدأت منذ سنوات بتقليص حيازاتها من السندات الأميركية بحثاً عن السيولة وفرص استثمارية بديلة، ما دفع واشنطن إلى محاولة الحد من عمليات البيع والحفاظ على استقرار سوق السندات.

واعتبر مقلد أن خطوة مقايضة الدولار قد تشكّل تعويضاً جزئياً للإمارات مقابل تقليص استثماراتها، وفي الوقت نفسه تمنحها دعماً مالياً ومعنوياً يعزز موقعها الإقليمي، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة أخيراً، والتداعيات المرتبطة بالحرب على إيران.

أزمة اقتصادية عميقة في الولايات المتحدة بقيادة ترامب

تأتي الخطوة الأميركية في وقت تشير فيه المؤشرات إلى أزمة تتنامى في الاقتصاد الأميركي، وهي على هذه الحال منذ سنوات، حيث رأى مقلد أن وصول ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة جاء أصلاً نتيجة أزمة اقتصادية ومالية عميقة في البلاد، إذ شكّل شعار “إعادة عظمة أميركا” جوهر برنامجه الانتخابي انطلاقاً من قناعته بوجود خلل حاد في الاقتصاد الأميركي.

وقال مقلد إن الوضع الاقتصادي والمالي في الولايات المتحدة كان العنوان الأساسي لبرنامج ترامب الانتخابي، انطلاقاً من اعتباره أن هناك أزمة حادة جداً”.

وخطوته اليوم تأتي بالتأكيد في إطار إيجاد حلول لهذه الأزمة، من خلال وسائل مالية تعيد الاعتبار للدولار والاقتصاد الأميركي.

حماية الأسواق الأميركية من الصدمات الخارجية

على الصعيد العملي، قد تسهم هذه التسهيلات في حماية الأسواق الأميركية نفسها. فدول الخليج تستثمر جزءاً كبيراً من عائداتها النفطية في الأصول الأميركية، مثل سندات الخزينة.

وفي حال تعرضت هذه الدول لضغوط سيولة مفاجئة، قد تضطر إلى بيع هذه الأصول، ما يؤدي إلى ارتفاع العوائد واضطراب الأسواق. وهنا تأتي خطوط المبادلة كوسيلة لتوفير السيولة من دون الحاجة إلى تصفية الاستثمارات.

جزء من مواجهة إيران

غير أن هذه التحركات لا تمر من دون قراءة مضادة من خصوم واشنطن. فقد اعتبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن الخط الأمامي في المواجهة مع الولايات المتحدة هو الحرب المالية.

وأشار إلى أن تفعيل خطوط المقايضة يهدف إلى منع البيع غير المنظم للأصول الأميركية من قبل بعض الدول، ولا سيما العربية.

كما تحدث قاليباف عن قيود مفروضة على بعض حاملي السندات، داعياً إلى “الخروج بينما لا يزال الباب مفتوحاً”، في إشارة إلى مخاطر تصاعد التوترات.

هذا الطرح يعكس رؤية تعتبر الأدوات المالية جزءاً من أدوات الصراع الجيوسياسي، وليس مجرد وسائل تقنية لإدارة السيولة.

وقال مقلد إن هذه الخطوة ترتبط بالتصعيد الإقليمي، معتبراً أنها جزء من الاستراتيجية الأميركية في مواجهة إيران، وتحمل أبعاداً سياسية واقتصادية في آن معاً.

في المحصلة، تعكس هذه التحركات تحولاً في استخدام أدوات السياسة المالية الدولية من مجرد وسائل لإدارة الأزمات إلى أدوات استراتيجية لتعزيز النفوذ الاقتصادي.

وبينما قد تبدو خطوط المبادلة تقنية ومعقدة، فإنها تمثل أحد الأعمدة الخفية للنظام المالي العالمي، وأداة حاسمة في صراع النفوذ بين القوى الكبرى.

ومع تصاعد التوترات، يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة توظيف هذه الأداة ليس فقط لضمان الاستقرار، بل أيضاً لترسيخ موقع الدولار في قلب النظام الاقتصادي العالمي، وسط قراءات متباينة لطبيعة هذه السياسات وأهدافها الحقيقية.

حسين صالح-الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى