مقالات
حين يصبح قرار السلطة نقطة ضعف لبنان

مشكلة الخطاب السياسي الرسمي لا تتعلّق بمبدأ التفاوض، بل في التعمية المقصودة على فارق جوهري بين التفاوض بوصفه أداة، والمفاوضات المباشرة (مع العدو تحديداً) بوصفها خياراً سياسياً ذا وظيفة تتجاوز الأهداف المُعلنة.
هنا تحديداً يقع الخلط الذي يريده الخطاب الرسمي: يتم تقديم الأمر بطريقة تجعل الاعتراض عليه، وكأنّه اعتراض على مبدأ التفاوض، بينما المشكلة في شكلها، وسياقها، ومعناها السياسي، وما يراد تمريره.
القول إنه «لا بديل عن المفاوضات لتحرير الأرض والأسرى ووقف الاعتداءات» ينطوي على التباس مُتعمّد، لأن هذه الأهداف نفسها يمكن السعي إليها عبر التفاوض غير المباشر، وقد حصل ذلك فعلاً في أكثر من محطة لبنانية، وتحقّقت نتائج ملموسة من دون دفع أثمان سياسية وسيادية.
من هنا، فإن الإصرار على المباشرة، رغم توافر البديل، لا يمكن فهمه على أنه مجرّد اختيار تقني أو إجرائي، بل يجب النظر إليه كإشارة إلى أن هناك شيئاً آخر يتجاوز الأهداف المُعلنة.
أي إن المفاوضات المباشرة ليست وسيلة للتحرير أو وقف الاعتداءات، بل أداة لإعادة التموضع السياسي للبنان تحت سقف الهيمنة الأميركية–الإسرائيلية، وإعادة تعريف علاقته بالعدو وبالبيئة الإقليمية وبمصادر قوته الذاتية.
إن تقديم هذا المكسب الرمزي – السياسي للعدو ليس تفصيلاً، بل هو من نوع المكاسب التي تغيّر نقطة الانطلاق كلها، وترفع سقف مطالبه لاحقاً، وتفتح الباب أمام منطق التنازل المتدرّج الذي يجري تمريره دائماً تحت عناوين الواقعية والضرورة وتفادي الحرب.
الأخطر في هذا المسار، يشرح كيف تنظر السلطة السياسية إلى ذاتها وإلى عناصر القوة الموجودة في لبنان.
والمفارقة هنا، أن هذا الخطاب يتصرّف كما لو أن لبنان من دون أوراق قوة، أو أنه معزول عن البيئة الإقليمية الداعمة، أو أنه لا وجود لتجارب سابقة تُظهِر أن هذا العدو اضطر، تحت ضغط الميدان، إلى خفض سقوفه والتراجع.
الجولة القائمة من المواجهة مع العدو، أظهرت بوضوح أن المقاومة بقيت حاضرة بقوة في وعي القيادة الإسرائيلية وحساباتها، وأن ما كان يُطرح في بداية الحرب أو في أثنائها من رهانات استراتيجية كبرى، تراجع تدريجياً تحت ضغط الوقائع.
كذلك فإن المُتغيّر الإيراني، بما مثّله من عنصر ضغط على المستوى الإقليمي والدولي، ولا سيما من خلال مضيق هرمز، دخل بدوره في معادلة كبح الاندفاعة الإسرائيلية، ودفع واشنطن نفسها إلى التدخّل للجم بنيامين نتنياهو.
وهذه عناصر قوة فعلية كان يُفترض، منطقاً، أن تشكّل جزءاً من أي مقاربة تفاوضية تريد تحسين شروط لبنان وانتزاع حقوقه.
مشكلة الخطاب الرسمي في تعمّد إقصاء هذه العناصر، عن الوعي السياسي الرسمي. وهو خطوة لا تُفسّر بأنها خطأ في التقدير أو نقص في الكفاءة، لأن الإصرار على هذا الخيار، يوحي بأننا أمام ما هو أعمق من سوء قراءة.
حيث بتنا أقرب إلى قرار سياسي مُسبق، له خلفياته القائمة على رفض المقاومة، وعدم الاستفادة منها، لأن الإقرار بواقع ما تمثّله المقاومة، يفرض نمطاً مختلفاً من الإدارة ومن الخطاب.
وهنا بالتحديد تنشأ المعضلة: إذا كان القرار السياسي قد حسم خياره بالتموضع تحت السقف الأميركي–الإسرائيلي، فإنه لا يستطيع في الوقت نفسه أن يقرّ بشرعية عنصر قوة يفرض منطقاً تفاوضياً مختلفاً، قائماً على المقاومة والاستفادة من موازين القوة، لا على إدارة الضعف والتكيّف مع السقوف الخارجية.
بالتالي، فإن نزع الهوية الوطنية عن المقاومة ليس مجرّد حملة خطابية عارضة، بل هو شرط بنيوي لازم لهذا المسار كله. ولا يعود كافياً تجاهلها أو الصمت عنها، إذ كيف يمكن لسلطة أن تقول، ضمناً أو صراحة، إن هدفها هو التحرير والسيادة ووقف الاعتداءات، ثم تمتنع عن الاستفادة من عنصر القوة الأبرز الذي أجبر العدو مراراً على التراجع؟
بالتالي، يمكن فهم «شيطنة» المقاومة، وهو إجراء داخلي ضروري للسلطة وقراراتها.
لأن المسار التفاوضي المباشر، تحت السقف الأميركي–الإسرائيلي، لا يمكنه التعايش مع فكرة الاعتراف بالمقاومة كفاعل وطني شرعي وحاسم. لأن المقاومة تضيّق هامش التنازل، وتمنع التفاوض المباشر بوصفها قدراً لا بديل عنه.
وهذا ما يفسّر قرار السلطة ضد المقاومة، وإخراجها من معادلة الشرعية. أي إن نزع الهوية الوطنية عن المقاومة، يقود حكماً إلى عدم مطالبة الدولة بالاستفادة منها.
المشكلة في الحالة اللبنانية لا تكمن فقط في أن هناك عناصر قوة لا يجري توظيفها، بل في أن القرار السياسي نفسه بات عاملاً من عوامل إضعاف نتائج المواجهة على الأرض.
أي إنه بدل أن يعمل كمضاعِف لعناصر القوة المتوافرة، صار يعمل كمُقلِّص لها.
وبدل أن يبني على ما أظهرته المقاومة والمُتغيّرات الإقليمية من إمكانات لتحسين شروط لبنان، انطلق من افتراض مضاد تقريباً: إن المطلوب هو خفض التوقعات، وعدم إغضاب الأميركي، وعدم البناء على أوراق القوة الحقيقية، والقبول بسقف منخفض للتفاوض سلفاً، ثم تقديم هذا السقف كما لو أنه حصيلة واقعية لا بدّ منها.
ما يبدو ظاهرياً خلافاً حول وسيلة تفاوضية، هو في جوهره خلاف على تعريف الدولة لنفسها وشرعيتها ومصادر قوتها.
هنا تحديداً تكمن خطورة المسار: إنه لا يهدّد فقط بإنتاج تنازلات بل بإعادة هندسة الهوية السياسية للبنان من الداخل، عبر نزع الصفة الوطنية عن المقاومة تمهيداً لإعادة بناء الشرعية وفق معايير لا تتّسق معها.
مع ذلك، فإن القرار السياسي الرسمي لا يستطيع أن يلغي حقيقة أن المقاومة ما زالت، في الميدان وفي حسابات العدو، عنصراً حاسماً في إفشال الرهانات والمخطّطات، وأن كل مسار يتنكّر لها إنما يعبّر، في النهاية، عن أزمة في القرار السياسي أكثر مما يعبّر عن حقيقة الواقع.
علي حيدر-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



