مقالات

مخاض التغيير الإستراتيجي في الخريطة الإقليمية

لم يعد الحديث عن إمكانية/احتمالية التغيير في الخريطة الإقليمية للمنطقة الجغرافية مجرد كلام سفسطائي، أي عبثي، ولا حتى سوريالي، أي منفصل أو منقطع عن الواقع.

وهو لم يكن أبدًا كذلك، وإن كان البعض من صناع القرار، وقادة الرأي، والنخب المثقفة، وصناع المحتوى أيضًا، ينكرون هذا الواقع وهذه الحقيقة، لأسباب بريئة أو غير بريئة، عن عمد أو ربما عن غير قصد، وذلك إلى الأمس القريب غير البعيد.

كيف ستكون خريطة المنطقة لاحقًا، ربما لقرن من الزمن، أكثر أو أقل، بعد أن كانت سابقًا، كما كانت، لأكثر من قرن من الزمن؟

الإرهاصات المتحققة للتغيير الجغرافي -التاريخي

ثمة مؤشرات عدة تفيد بأن مسارات التغيير الكبير والعظيم، أو لنقل الفظيع، في خريطة المنطقة الإقليمية قد بدأت منذ مدة، ليست قصيرة، بطريقة تدريجية، بوتيرة تصاعدية، وكذلك بصورة تراجيدية ودراماتيكية. في الواقع والحقيقة، لم يعد هناك أي شيء على الإطلاق في فلسطين المحتلة، والمشروع الموعود أو المزعوم لقيام الدولة الوطنية الفلسطينية!

سوريا تشهد، مؤخرًا وراهنًا، مخاض التقسيم الواقعي وغير الرسمي – حتى حينه وحتى إشعار آخر – لمناطق النفوذ والحصص في لعبة الأمم والفرز الطائفي والمذهبي والإثني! كذلك، ليبيا تخوض حربًا أهلية، وهي تعيش صراعات عنيفة، داخلية (قبلية) وخارجية (عالمية وإقليمية)، في ظل حالة مركبة ومعقدة من الاضطراب وعدم الاستقرار، بل انعدام الأمن!

أما اليمن، فهو مرشح للتقسيم بين المجلس الرئاسي والمجلس الانتقالي إلى اليمن الشمالي واليمن الجنوبي، في حين كان السودان “سباقًا” في خوض غمار تجربة التقسيم، مع انفصال أو استقلال جنوب السودان، بينما ينزلق الصومال “أخيرًا” إلى التقسيم، مع إعلان انفصال أو استقلال الصومال لاند ومسارعة الكيان الإسرائيلي إلى الاعتراف به!

الاتجاهات المفترضة/المحتملة للتغيير الجغرافي – التاريخي

كذلك، ثمة اتجاهات مستقبلية، هي مفترضة أو محتملة، وليست متحققة بكاملها، ولكنها مرشحة لدخول حيز التنفيذ أو التطبيق لاحقًا وتباعًا، وربما قريبًا. وهي تقع، كلها، في خانة هذا التغيير الجذري أو الراديكالي في خريطة المنطقة. فلبنان خسر دوره الوظيفي مؤخرًا، ما يجعل شرعيته السياسية ومشروعيته الدستورية، في الوجود أو البقاء على قيد الحياة، في مهب الريح!

وثمة من يهمس بألا حاجة له بعد الآن! أما “إسرائيل”، فهي لم تعد، لكونها أو بوصفها ثكنة عسكرية، مجرد قاعدة عسكرية متقدمة للغرب في قلب المنطقة، وهي التي أصبحت بمنزلة عبء عليه – المملكة المتحدة سابقًا ثم الولايات المتحدة لاحقًا وحاضرًا – بل إنها تحاول أن تعيد إنتاج أو تجديد شرعيتها ومشروعيتها، من وجهة نظرها هي، كما وفق سرديتها هي، من خلال طرح نفسها كمركز إقليمي للطاقة وللتكنولوجيا المتطورة وفائقة التطور أو التكنولوجيا العالية (High Technology)!

ويأتي دور كل من الأردن والعراق، ولكل منهما مشكلاته الخاصة، البنيوية أو الهيكلية والوظيفية، وذلك لأسباب ذاتية (داخلية) وموضوعية (خارجية)! قد لا تسلم مصر من هذا المخاض، وهي تبدو في عين العاصفة، وفي مرمى الأهداف/الأطماع الإسرائيلية!

وقد تصل أيضًا شرارة انفجار الكيانات وانهيار الحدود تركيا وإيران والخليج العربي، لا سيما المملكة العربية السعودية، ذلك أن “تل أبيب” تريد تقويض وضرب حضور ونفوذ ودور كل من طهران وأنقرة معًا، لحساب مشروعها الإقليمي هي، ومصالحها وأطماعها!

بكل صراحة، لقد أصبح التغيير الإستراتيجي في الخريطة الإقليمية للمنطقة الجغرافية واقعًا حتمًا لا محالة. هي مسألة وقت لا أكثر. فلن تبقى خريطة المنطقة في المستقبل، كما كانت في الماضي، وطيلة أكثر من قرن.

هي لم تعد قابلة للبقاء والاستمرار، كما هي. هي لم تكن في الأساس قابلة للبقاء والاستمرار، كما هي.

هي لم تكن ثابتة، كما أنها ليست مستقرة، إذ كانت، وما تزال، رهنًا بالإرادة الدولية، كما بالقرار الدولي ذي الصلة! وعليه، إن شرعية ومشروعية الكيانات القائمة والحدود المرسومة على المحك بانفجار الأولى وانهيار الثانية.

غسان ملحم – الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى