مقالات

الخطة الإيرانية الكبرى لإنهاء الوجود الأميركي في الشرق الأوسط

تناول موقع “counterpunch” الهدف الإيراني من خلال الحرب الحالية، والمتمثل بإنهاء الوجود الأميركي في المنطقة.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

أوضحت إيران والرئيس الأميركي دونالد ترامب على حد سواء، لماذا سيؤدي الفشل في خوض الحرب الحالية حتى النهاية إلى سلسلة جديدة من الحروب المتبادلة؟

وكان ترامب قد قال مؤخراً إنّه “لن يكون هناك اتفاق مع إيران إلا الاستسلام غير المشروط”، وأنّه يجب أن يكون له رأي في تسمية، أو على الأقل الموافقة، على الزعيم الإيراني الجديد، كما فعل في فنزويلا، وقال: “على الجيش الأميركي أن يهزمها هزيمة ساحقة، ويحدث تغييراً في النظام، وإلا فسنخوض هذه الحرب، ثم نكتشف بعد خمس سنوات أننا وضعنا شخصاً ليس بأفضل حالاً، بينما سيستغرق الأمر على الأقل هذه المدة حتى تتمكن أميركا من استبدال الأسلحة التي استنفدت، وإعادة بناء راداراتها والمنشآت ذات الصلة، وشن حرب جديدة”.

في الوقت ذاته، يدرك المسؤولون الإيرانيون كذلك أن الهجمات الأميركية ستستمر حتى تُطرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط. فبعد موافقتها على وقف إطلاق النار في حزيران/يونيو الماضي، وعوضاً عن استغلال تفوقها عندما استنزفت الدفاعات الصاروخية الإسرائيلية والإقليمية الأميركية، أدركت إيران أن الحرب ستستأنف حالما تتمكن الولايات المتحدة من إعادة تسليح حلفائها وقواعدها العسكرية، لتجديد ما يعتبره الطرفان صراعاً من أجل التوصل إلى حل جذري.

ويمكن اعتبار الحرب الحالية المستمرة بمثابة الإعلان الرسمي عن الحرب العالمية الثالثة؛ لأن القضية المطروحة هي شروط شراء النفط والغاز في جميع أنحاء العالم. فهل سيتمكن العالم من شراء هذه الطاقة من المصدرين بعملات أخرى غير الدولار (بقيادة روسيا وإيران، وحتى وقت قريب، فنزويلا)؟ وهل سيلزم سعي الولايات المتحدة الحالي للسيطرة على تجارة النفط الدولية الدول المصدرة للنفط بالتسعير بالدولار، بل وإعادة استثمار عائداتها ومدخراتها الوطنية في سندات وأسهم الحكومة الأميركية؟

فلقد شكل “إعادة تدوير” عائدات النفط أساساً لسيطرة الولايات المتحدة على تجارة النفط العالمية، وتحويلها إلى أداة مالية لاستراتيجيتها الإمبريالية لعزل الدول التي تقاوم الخضوع للهيمنة الأميركية، تلك الهيمنة التي لا تخضع لقواعد حقيقية، بل لمجرد المطالب الأميركية الظرفية. لذلك فإن القضية لا تقتصر على الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط فحسب، إلى جانب جيشيه الوكيلين “إسرائيل” و”داعش/ القاعدة”. كما أن ادعاء الولايات المتحدة و”إسرائيل” بأن الأمر يتعلق بامتلاك إيران أسلحة دمار شامل نووية هو اتهام زائف تماماً، كمزاعم أن العراق كان يمتلك أسلحة دمار شامل في عام 2003. فالقضية الحقيقية التي تقلق الولايات المتحدة هي إنهاء التحالفات الاقتصادية بين دول الشرق الأوسط معها، وما إذا كانت عائدات صادرات النفط ستستمر في التراكم بالدولار كدعامة لميزان المدفوعات الأميركي، مما يساعد على تمويل قواعدها العسكرية في جميع أنحاء العالم.

أعلنت إيران أنها ستواصل القتال حتى تحقق ثلاثة أهداف لمنع نشوب حروب مستقبلية؛ أولها: انسحاب الولايات المتحدة من جميع قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط. وبالفعل، دمرت إيران البنية التحتية لأنظمة الإنذار الراداري ومواقع الدفاع الجوي والصاروخي الأميركي في الأردن وقطر والإمارات والبحرين، مما حال دون توجيهها لهجمات صاروخية أميركية أو إسرائيلية لمهاجمة إيران. كما أن إيران ستواصل قصف القواعد والمنشآت الأميركية في الدول العربية إذا لم تُخلَ.

قد يبدو المطلبان الإيرانيان التاليان بعيدي المدى لدرجة يصعب على الغرب تصورها؛ حيث تهدف طهران إلى وجوب إنهاء الدول العربية الأعضاء في منظمة “أوبك” علاقاتها الاقتصادية الوثيقة مع الولايات المتحدة، بدءاً بمراكز البيانات الأميركية التي تديرها شركات “أمازون”، و”مايكروسوفت”، و”غوغل”. ولا يقتصر الأمر على ضرورة توقفها عن تسعير نفطها وغازها بالدولار الأميركي، بل عليها أيضاً سحب استثماراتها من حيازاتها الحالية بالدولار في الولايات المتحدة، والتي كانت تدعم ميزان المدفوعات الأميركي منذ اتفاقيات عام 1974.

ستنهي هذه المطالب الثلاثة النفوذ الاقتصادي الأميركي على دول “أوبك” وعلى تجارة النفط العالمية. وستكون النتيجة تحرير تجارة النفط العالمية من هيمنة الدولار وإعادة توجيهها نحو آسيا ودول الأغلبية العالمية. ولا تقتصر خطة إيران على هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً واقتصادياً فحسب، بل تشمل أيضاً إنهاء التبعية السياسية للملكيات التابعة للولايات المتحدة في الشرق الأدنى.

الخطوة الأولى: طرد القواعد العسكرية الأميركية من الشرق الأوسط

يواصل مجلس النواب العراقي مطالبته بخروج القوات الأميركية من البلاد ووقف نهب نفطها الذي يذهب معظمه إلى “إسرائيل”. وكان مجلس النواب قد أقر مؤخراً تشريعاً يلزم القوات الأميركية بمغادرة العراق. وفي لقاء جمعه مع كبير مستشاري وزير الداخلية العراقي والوفد العسكري المرافق له في طهران الأسبوع الماضي، كرر قائد القوات الإيرانية العميد علي عبد اللهي، المطلب الذي رفعته إيران منذ خمس سنوات حين أنهى دونالد ترامب ولايته الأولى عام 2020، بعد إصداره الأمر باغتيال الشهيدين القائدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس. ونظراً لاستمرار ترامب في اتباع السياسة عينها، قال القائد الإيراني عبد اللهي: “إن طرد الولايات المتحدة هو أهم خطوة نحو استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة”.

لكن جميع الممالك العربية تستضيف قواعد عسكرية أميركية. وقد أعلنت إيران أن أي دولة تسمح للطائرات الأميركية أو أي قوات عسكرية أخرى باستخدام هذه القواعد ستخاطر بشن هجوم فوري لتدميرها. وقد تعرضت الكويت والبحرين والإمارات بالفعل لهجمات، مما دفع السعودية إلى التعهد لإيران بعدم السماح للجيش الأميركي باستخدام أراضيها في حربه ضدها.

كذلك، حظرت إسبانيا استخدام الولايات المتحدة لمطاراتها لدعم حربها ضد إيران. ولكن عندما منع رئيس وزرائها، بيدرو سانشيز، الولايات المتحدة من ذلك، أشار الرئيس ترامب في مؤتمر صحفي إلى أنه لا يوجد ما يمكن لإسبانيا فعله عملياً لمنع القوات الجوية الأميركية من استخدام قاعدتي “روتا” و”مورون” في جنوب إسبانيا. وأضاف: “قالت إسبانيا صراحة إنه لا يمكننا استخدام قواعدها.. هذا لا بأس به، فنحن لا نريد ذلك، لكن يمكننا استخدام القاعدة إذا أردنا؛ يمكننا ببساطة التحليق إليها واستخدامها، ولن يمنعنا أحد من ذلك”.

فماذا ستفعل إسبانيا لمنع ذلك في نهاية المطاف؟ هل ستسقط الطائرات الأميركية؟

هذه هي المشكلة التي تواجه الأنظمة العربية إذا حاولت منع الولايات المتحدة من الوصول إلى قواعدها ومجالها الجوي لمحاربة إيران. فماذا بوسعها أن تفعل؟ بينما تصر إيران على أن تقوم قطر والإمارات والبحرين والكويت والسعودية والأردن بإغلاق جميع القواعد العسكرية الأميركية في أراضيها ومنع استخدام مجالها الجوي ومطاراتها كشرط لعدم قصفها وتوسيع نطاق الحرب.

الرفض، أو عدم القدرة على منع الولايات المتحدة من استخدام القواعد، سيجبر إيران على الدفع نحو تغيير الأنظمة في تلك الدول.

وسيكون ذلك أسهل على طهران في البلدان التي يشكل فيها الفلسطينيون نسبة كبيرة من القوى العاملة، كما هو الحال في الأردن.

ولقد دعت إيران السكان الشيعة في المنطقة ودول الشرق الأدنى الأخرى إلى الإطاحة بأنظمتهم الملكية والانفصال عن السيطرة الأميركية، بينما سرت شائعات بأن ملك البحرين قد غادر البلاد.

الخطوة الثانية: قطع الروابط التجارية والمالية بين الشرق الأوسط والولايات المتحدة

تتعرض الأنظمة العربية لضغوط متزايدة لتلبية مطلب إيران النهائي بفصل اقتصاداتها عن اقتصاد الولايات المتحدة. فمنذ عام 1974، ربطت هذه الدول اقتصاداتها بواشنطن.

ومؤخراً، سعت البحرين والإمارات والسعودية إلى استغلال موارد الطاقة لجذب مراكز بيانات حاسوبية، بما في ذلك مشروع “ستارلينك” وأنظمة أخرى ارتبطت بالهجمات العسكرية الأميركية على إيران.

وفي معارضة لخطط الولايات المتحدة الرامية إلى دمج قطاعاتها غير النفطية بشكل وثيق مع دول منظمة “أوبك”، أعلنت إيران أن هذه المنشآت “أهداف مشروعة” في توجهها لطرد أميركا من المنطقة. وأشار أحد مديري الحوسبة السحابية إلى أن هجوم إيران على مركز بيانات “أمازون” جاء لأنّه يخدم أغراضاً عسكرية، تماماً كما استُخدم مشروع “ستارلينك” في محاولة أميركية لحشد الاحتجاجات ضد الحكومة الإيرانية.

الخطوة الثالثة: إنهاء إعادة تدوير صادرات نفط “أوبك” إلى حيازات الدولار الأميركي

المطلب الإيراني الأكثر جذرية هو حث جيرانها العرب على التخلي عن الدولار في اقتصاداتهم.

ويُعتبر هذا المطلب أساسياً لمنع الشركات الأميركية من الهيمنة على اقتصاداتهم وحكوماتهم. وصرّح مسؤول إيراني لشبكة “سي إن إن” بأن إيران اتهمت الشركات التي تشتري سندات الدين الحكومية الأميركية، وتستثمر في سندات الخزانة الأميركية بأنها شريكة في الحرب ضدها، وتراها أهدافاً مشروعة.

وعليه، حُذّر المستثمرون بضرورة الإعلان عن سحب رؤوس أموالهم في أسرع وقت ممكن من هذه الشركات.

كذلك، تجري السعودية والإمارات والكويت وقطر بالفعل مناقشات حول سحب استثماراتها من الولايات المتحدة. وإذا أدى إغلاق إيران لممر مضيق هرمز إلى توقف إنتاج النفط والغاز بعد امتلاء السعة التخزينية، فستتوقف إيرادات الطاقة والشحن والسياحة. كما اجتمعت دول الخليج مؤخراً لمناقشة سحب استثمارات تبلغ تريليوني دولار أميركي. ويكمن الخطر في أن تكون هذه الخطوة بمثابة بداية لتنويع استثمارات “أوبك” بعيداً عن الدولار الأميركي.

وبالتزامن مع تخلي الولايات المتحدة عن قواعدها العسكرية، فإن فك الارتباط بالدولار سيقلل إلى حد بعيد من سيطرة واشنطن على نفط الشرق الأوسط، كما سينهي قدرتها على استخدام تجارة النفط كورقة ضغط لإجبار الدول الأخرى على الالتزام بنظام ترامب القائم على مبدأ “أميركا أولاً”.

وبالنسبة للأنظمة الملكية نفسها، قد يكون للتغييرات التي تطالب بها إيران تأثيرات كتلك التي نتجت عن الحرب العالمية الأولى التي أنهت حقبة الملكية الأوروبية. في هذه الحالة، قد تُنهي هذه التغييرات الأنظمة التي اعتمدت في اقتصاداتها وتحالفاتها السياسية على الولايات المتحدة.

الآن أصبحت السعودية وقطر ومصر والأردن والبحرين والكويت والإمارات تحت ضغط متزايد، خاصة بعد سحب إندونيسيا عرضها بتوفير 8000 جندي لخطة السلام في غزة. وتمارس إيران ضغوطاً على الأنظمة العربية ليحذوا حذو إندونيسيا بالانسحاب احتجاجاً على السياسات الأميركية.

فهل سيفعلون ذلك؟ وهل سيذهبون إلى حد منع الولايات المتحدة من الوصول إلى القواعد العسكرية؟ وإذا حاولوا تجنب إثارة غضب واشنطن، فسيعرضون أنفسهم لاتهامات إيرانية بأنهم لا يعارضون الحرب فعلياً، وإذا استجابوا لطلب إيران، فإنهم يخاطرون بمصادرة الولايات المتحدة أو تجميد احتياطياتهم من الدولار.

كذلك تمارس إيران ضغوطاً ميدانية؛ ففي الأيام القليلة الماضية، هاجمت إيران مستودعين للنفط في السعودية، كما استهدفت طائرة مسيرة محطة لتحلية المياه في البحرين رداً على هجوم شنته الولايات المتحدة من الأراضي البحرينية على محطة إيرانية في جزيرة قشم. وتعتمد معظم الممالك العربية على تحلية المياه بنسبة كبيرة (السعودية 70% والبحرين 60%). وهذا يجعل الهجوم من البحرين على إيران أشبه بمحاولة محاربة الناس بالطوب، وهم يعيشون في بيوت من زجاج.

ستتفاقم الآثار الجانبية لهدف إيران، وستزداد حدة التوترات مع استنفاد “إسرائيل” والولايات المتحدة مخزونهما من الدفاعات الجوية، مما سيمكن إيران من شن هجمات خطيرة باستخدام أحدث صواريخها. لا يوجد مكان لتخزين إنتاج النفط العربي الإضافي الآن بعد أن أغلقت إيران مضيق هرمز أمام السفن جميعها باستثناء سفنها المتجهة إلى الصين.

على أي حال، لا تحاول أي سفن الاقتراب من مضيق هرمز لأن شركة “لويدز لندن” لا تصدر وثائق تأمين. وقد أغرق الجيش الأميركي مؤخراً سفناً روسية محملة بالنفط، لكن ارتفاع أسعار النفط دفعه إلى السماح بعمليات النقل لكبح جماح التضخم العالمي. وصرّح وزير الخزانة الأميركي “سكوت بيسنت” بأن الوزارة تدرس إمكانية طرح شحنات إضافية من النفط الروسي الخاضع للعقوبات في السوق لزيادة المعروض.

وتأتي هذه التصريحات في أعقاب قرار أميركي بإصدار إعفاء مؤقت يسمح لمصافي التكرير الهندية بشراء النفط الروسي للحفاظ على الإمدادات العالمية. وفي جميع أنحاء العالم، ستجبر أسعار الطاقة المتزايدة الاقتصادات على خفض الإنفاق الاجتماعي لسداد ديونها المقومة بالدولار. فهذه الحرب تفرق الولايات المتحدة عن حلفائها في “الناتو”، مسببة ضغوطاً لم تعد اليابان وكوريا وحتى أوروبا قادرة على تحملها.

تظهر الفوضى في أسواق الطاقة أن الولايات المتحدة هي في الواقع أكبر تهديد لأمن واستقرار حلفائها. فقد ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا واليابان بنسبة 20%، وانخفض سوق الأسهم الكوري بنسبة 18%. وكل هذا يعزز الدعم لإنهاء سيطرة الولايات المتحدة على نفط الشرق الأدنى، وإعادة توجيهه نحو سوق متحررة من مطالب السيطرة الأميركية وفرض الدولار.

نقله إلى العربية: حسين قطايا-الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى