مقالات

القيادة الأميركية لا تبحث عن ذرائع لتهديد طهران

انتقلت الولايات المتحدة من الدعم الافتراضي للمشاركين في الاحتجاجات الجماهيرية في إيران إلى التهديد العسكري الفعلي. لنتذكر كيف تطورت الأحداث.

في نهاية كانون الأول/ديسمبر اندلعت في إيران احتجاجات واسعة ضد تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، المرتبطة بانخفاض قيمة الريال ومحاولات السلطات غير الناجحة لتحقيق الاستقرار في سوق العملات.

وهذه، بطبيعة الحال، مشكلات داخلية بحتة، لكن أليست مرتبطة أيضاً بالعقوبات الاقتصادية طويلة الأمد (وخاصة الأميركية) المفروضة على إيران؟

ومن المثير للريبة أن المحتجين انتقلوا بسرعة كبيرة من المطالب الاقتصادية إلى المطالب السياسية، مصحوبة بصدامات مع قوات الأمن.

كما تم بسرعة لافتة تزويد المحتجين الإيرانيين بمحطات اتصال عبر الأقمار الاصطناعية من نوع «ستارلينك» من قبل الحكومة الأميركية، واكتشفت السلطات الإيرانية أن تحركات المحتجين يُديرها أشخاص مدربون ومجهزون بشكل خاص.

وكل هذا يذكّر كثيراً بتكتيكات ثورات «الربيع العربي». واضطرت قوات الأمن الإيرانية إلى استخدام السلاح (حيث قُتل، بحسب قولها، 36 شخصاً بينهم عنصران من قوات الأمن)، وتم اعتقال أكثر من ألفي شخص. كما تم تعليق خدمة الإنترنت في مناطق الاحتجاج.

في هذه المرحلة، قرر الرئيس الأميركي التدخل في الوضع، مهدداً باستخدام القوة ضد الجمهورية الإسلامية إذا بدأت قيادتها بقتل المحتجين.

وفي منتصف كانون الثاني/يناير تراجع بشكل مفاجئ عن هذه الفكرة، لكنه أعلن في 26 كانون الثاني/يناير عن اقتراب «أسطول ضخم» بقيادة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» من السواحل الإيرانية «تحسباً لأي طارئ».

وفي الوقت نفسه، ظهر على الساحة العلنية شخص كان قد نُسي تقريباً من الجميع، ولم يكن حتى وقت قريب سياسياً على الإطلاق، وهو نجل شاه إيران المخلوع عام 1979، رضا بهلوي، الذي تعدّه بعض أطراف المعارضة الإيرانية زعيماً لها.

هذا الأمير لدولة شاهنشاهية لم تعد موجودة يعيش بسلام في الولايات المتحدة منذ عام 1977، وفجأة قرأ من جهاز تلقين نصاً يدعم المحتجين ويدعو القادة الأوروبيين إلى التوقف عن الصمت والتحرك بحزم أكبر. ولم يكن يتوقع على ما يبدو أن يدعمه دونالد ترامب كلامياً، لكنه يرفض لقاءه.

ومن بين القادة الأوروبيين، استجابت فوراً أورسولا فون دير لاين، حيث دعمت المحتجين، وطالبت بالإفراج عن المعتقلين، وكررت المقولة المعروفة عن انتهاكات حقوق الإنسان.

بينما تحاول السلطات الإيرانية (وبقدر كبير من الفعالية) التعامل مع الاحتجاجات، تواصل واشنطن تعزيز وجودها العسكري. فقد أرسل البنتاغون إلى منطقة الشرق الأوسط ست مقاتلات من طراز F-35 إضافة إلى العدد نفسه من طائرات الحرب الإلكترونية.

وذلك رغم وجود قوة بحرية كبيرة أصلاً في المنطقة، وهي تلك التي تحدث عنها ترامب، وتشمل غواصة مزودة بصواريخ «توماهوك» المجنحة.

كما تجوب حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بحر العرب برفقة عدة أسراب من المقاتلات. ويبدو أن هذه النشاطات العسكرية المكثفة لا تحفزها المشكلات الداخلية الإيرانية فقط.

فالموضوع يعود مجدداً إلى البرنامج النووي الإيراني، إذ يقال إن إيران قامت بتخصيب اليورانيوم إلى مستوى لا استخدامات سلمية له.

وفي الوقت نفسه، لا تتوقف وسائل الإعلام الأميركية عن التأكيد أن طهران لا تنفذ برنامجاً نووياً عسكرياً، كما تواصل القيادة الإيرانية نفي سعيها لامتلاك سلاح نووي.

لكن يبدو أن طموحات القيادة الأميركية لا تقتصر على البرنامج النووي فقط. فلو كنا صريحين حتى النهاية، فإن الولايات المتحدة في تحركاتها ضد إيران تسعى قبل كل شيء إلى حماية مصالح حليفتها الدائمة “إسرائيل”.

فالحرب التي استمرت 12 يوماً بين “إسرائيل” وإيران في الصيف لم تنتهِ بانتصار ساحق لـ”تل أبيب”؛ إذ تكبدت “إسرائيل” خسائر كبيرة، وأدركت أن إيران تمتلك صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى أي نقطة داخل أراضيها.

لذلك، بدأ الحديث الأميركي الآن يتركز على برنامج إيران الصاروخي، وهو ما ترفضه طهران. وبحسب هذا المنطق، قد يُطلب منها غداً حتى التخلي عن الأسلحة الخفيفة. فكل ما يقال ضد إيران يعكس، في جوهره، موقف “إسرائيل”، أو بالأحرى موقف نتنياهو وحزبه الحاكم، في ما يتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني.

إيران مستعدة لمواجهة الأسطول الأميركي الذي وصل إلى بحر العرب، فهي تمتلك تسليحاً قوياً يعتمد على الصواريخ نفسها، كما بدأت مناورات بحرية قرب سواحلها. ومع ذلك، بدأت القوات الأميركية في سحب أسطولها غرباً بعيداً من الساحل الإيراني. فترامب يُعرف بالبراغماتية؛ إذ يدرك أنه حتى مع وجود مجموعتين من حاملات الطائرات، وحتى لو جرى نقل معظم القوات الجوية الأميركية من أوروبا إلى الشرق الأوسط، فلن يكون ذلك كافياً لإلحاق هزيمة عسكرية ساحقة بإيران. فإيران بلد واسع استعد خلال عشر سنوات لمثل هذا النوع من المواجهة. وبعد أي ضربات جوية، ستضطر الولايات المتحدة إلى تنفيذ عملية برية، وهذا أمر مستبعد بالنسبة إلى ترامب.

في 6 شباط/فبراير، جرت مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عُمان. ويأمل البيت الأبيض في إمكانية التوصل إلى اتفاق، كما تؤمن طهران أيضاً بجدوى المفاوضات. لكن، ما العواقب المحتملة إذا لم يتم التوصل إلى تسوية؟ فقد أفاد موقع «ناشيونال» بأن الولايات المتحدة تعمل بالتوازي مع المفاوضات على خطة لمرحلة انتقالية في حال سقوط آية الله خامنئي. وكان المرشد الأعلى الإيراني الإمام علي خامنئي قد صرح سابقاً بأن أي عدوان عسكري أميركي لن يقتصر على حرب بين دولتين، بل سيتحوّل إلى صراع إقليمي واسع النطاق.

كما صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، بعد الجولة الأولى من المفاوضات في مقابلة مع قناة “الجزيرة”، بأن طهران لا تنوي وقف تخصيب اليورانيوم أو تقييد برنامجها الصاروخي بأي شكل (وهو ما تطالب به الولايات المتحدة). وحذّر أيضاً من أن إيران ستستهدف القواعد الأميركية في الشرق الأوسط إذا تعرضت لهجوم أميركي. وفي الوقت نفسه، يدعو الحلفاء والشركاء العرب للولايات المتحدة في المنطقة واشنطن إلى التحلي بضبط النفس على خلفية زيادة حضورها العسكري.

ويبدو أن هذا الصراع المتصاعد لا يريده أي من الأطراف المعنية، حتى “إسرائيل” نفسها.

عباس عثمان-الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى