مقالات

الانتخابات النيابية بين التأجيل والابتزاز السياسي

يشهد لبنان اليوم نقاشًا يتجاوز مسألة تقنية تتعلق بموعد استحقاق دستوري، ليطال جوهر الصراع على هوية المرحلة المقبلة.

فالدعوات الغربية والعربية إلى تأجيل الانتخابات النيابية لا تُقرأ، في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين، باعتبارها مجرّد توصيات إجرائية، بل كجزء من مشهد سياسي وأمني أشد تعقيدًا، يتداخل فيه الداخلي بالإقليمي.

بين العنوان الأمني والرهان السياسي

الخطاب المعلن الصادر عن عواصم مؤثرة كـواشنطن وباريس يركّز على اعتبارات ثلاثة:

– صعوبة إجراء الانتخابات في ظل توتر أمني جنوبًا.

– الهشاشة الاقتصادية والمالية للدولة اللبنانية.

– ضرورة تهيئة المناخ السياسي قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع.

لكن في المقابل، ثمة قراءة ترى أن هذه العناوين ليست سوى مظلة خطابية لرهانات أعمق، ترتبط بإعادة تشكيل التوازنات الداخلية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وخصوصًا مع استمرار الاشتباك غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يشكِّل لبنان أحد مسارحه غير المنفصلة عن هذا الصراع.

الهدف غير المعلن: استنزاف البيئة قبل صناديق الاقتراع  

تذهب القراءة الأكثر تشددًا إلى اعتبار أن تأجيل الانتخابات لا يستهدف فقط تغيير التوقيت، بل تغيير المزاج العام، ولا سيما داخل بيئة المقاومة. كيف؟

– تعميق الإرهاق النفسي والاجتماعي:

استمرار التدمير في القرى الحدودية بفعل الاعتداءات “الإسرائيلية”، وبقاء مشهد المنازل المهدّمة والبنى التحتية المعطّلة، من دون انطلاق جدّي لعملية إعادة إعمار، يولّد شعورًا بالقلق وعدم اليقين.

– إبطاء عودة النازحين:

تأخير عودة آلاف العائلات إلى قراها، وبقاء النزوح حالة معلّقة، يُبقي البيئة الحاضنة في حالة انتظار طويلة، بما يجعل الخارج يعتقد أن ذلك يفتح الباب أمام الإحباط والملل وربما التساؤل عن جدوى استمرار المعادلة القائمة.

– استمرار الاغتيالات والضربات الموضعية:

في ظل استمرار عمليات الاستهداف، تتحول الحالة الأمنية إلى ضغط يومي، يُراد له وفق هذه القراءة أن يراكم شعورًا بالاستنزاف.

– الأزمة المعيشية الخانقة:

انهيار العملة، وارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، كلها عناصر تُضاعف الضغط الاجتماعي. وفي حال اقترنت بفراغ سياسي أو تمديد للمجلس النيابي، قد تُفسَّر كفشل للنظام السياسي بكلّ مكوناته، بما فيها القوى الممثلة للمقاومة.

وفق هذا المنظور، يصبح تأجيل الانتخابات وسيلة لكسب الوقت، ريثما تتراكم عوامل السخط داخل البيئة الحاضنة، أملًا في أن ينعكس ذلك تبدلًا في السلوك الانتخابي لاحقًا.

لماذا يرفض فريق المقاومة التأجيل؟

انطلاقًا من هذه المخاوف، يتمسّك فريق المقاومة بإجراء الانتخابات في موعدها، لاعتبارات تتجاوز البعد الدستوري:

– قطع الطريق على سياسة الاستنزاف الطويل: الذهاب سريعًا إلى صناديق الاقتراع يُعتبر تثبيتًا للشرعية الشعبية قبل أن تتفاقم الضغوط الاجتماعية.

– تحويل الاستحقاق إلى استفتاء سياسي: في ظل التصعيد “الإسرائيلي”، قد يُنظر إلى الانتخابات كفرصة لإعادة تثبيت خيار المقاومة عبر التفويض الشعبي.

– منع تحويل الفراغ إلى أداة ضغط: أي تمديد أو تأجيل قد يُستثمر لفرض شروط سياسية تحت عنوان إعادة بناء الدولة أو إعادة صياغة الاستراتيجية الدفاعية.

البعد “الإسرائيلي” في الحسابات:

لا يمكن فصل النقاش عن سلوك “إسرائيل”، التي تعتمد منذ سنوات سياسة تسميها “المعركة بين الحروب”، أي الضربات المتقطعة والاستنزاف المتدرج.

في هذا السياق، يرى البعض أن استمرار الضغط العسكري دون الانزلاق إلى حرب شاملة يخدم هدف إنهاك الخصم تدريجيًا، وإبقاء ساحته الداخلية تحت توتر دائم.

وإذا تزامن ذلك مع تأجيل استحقاق انتخابي، يصبح المشهد وفق هذه القراءة أقرب إلى محاولة خلق فجوة نفسية بين القاعدة الشعبية وقيادتها، عبر الإيحاء بأن الكلفة تتراكم من دون أفق سياسي واضح.

بين الاتهام والوقائع:

مع ذلك، تبقى هذه القراءة جزءًا من جدل سياسي داخلي. فالدول التي تدعو إلى التأجيل تنفي وجود أي نية للتدخل في التوازنات اللبنانية، وتؤكد أن هاجسها المعلن هو الاستقرار ومنع الانزلاق إلى فوضى دستورية أو أمنية.

غير أن تاريخ لبنان الحديث يُظهر أن استحقاقاته الدستورية نادرًا ما كانت بمنأى عن التأثيرات الخارجية، وأن تداخل العوامل الإقليمية بالداخلية حقيقة قائمة لا يمكن إنكارها.

الخلاصة

السجال حول تأجيل الانتخابات ليس مجرد خلاف حول موعد، بل هو صراع على توقيت إعادة إنتاج الشرعية، بين من يرى في التأجيل ضرورة مرحلية، ومن يعتبره أداة ضغط واستنزاف تستهدف بيئة المقاومة سياسيًا ونفسيًا .

 يبقى القرار في نهاية المطاف اختبارًا لقدرة اللبنانيين على حماية استحقاقهم الدستوري من التحول إلى ورقة في لعبة الأمم.

فالانتخابات، في لحظة كهذه، لا تُختزل بصناديق اقتراع، بل تتحول إلى سؤال وجودي: هل يُسمح بتراكم الإحباط حتّى يغيّر المزاج السياسي، أم يُحتكم سريعًا إلى الإرادة الشعبية قبل أن يُعاد تشكيلها تحت وطأة النار.

منير شحادة-العهد

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى