مقالات
«لقمة وطن» مغمّسة بالإثارة!

على شاشة «الجديد»، تناول برنامج «لقمة وطن» ملفّ سلامة الغذاء بأسلوب هجومي. عبر مداهماته للمطاعم والمعامل في مختلف المناطق، وبالشراكة المباشرة مع وزارة الصحة اللبنانية، أثار البرنامج أسئلة أساسية حول ما يتناوله اللبنانيون يومياً، ومن يتحمّل مسؤولية مراقبته.
كشفت هذه المداهمات مشاهد صادمة تطعن في أبسط معايير السلامة والصحة، من انتشار الحشرات والقوارض داخل أماكن تحضير الطعام، إلى العفونة والمواد المنتهية الصلاحية، مروراً بالغش في المكونات، واستعمال زيوت ومواد ملوّنة على أنها زيت زيتون، وخلط النشارة بالزعتر، فضلاً عن تحويل المطابخ إلى غرف نوم، ووجود الأحذية قرب الطعام، وصولاً إلى العثور على فضلات بشرية في بعض منتجات الألبان والأجبان.
تركيز على الفضائح
ورغم الطابع التوعوي الظاهر للبرنامج ونيته إلقاء الضوء على السلامة الغذائية، إلا أنّ تركيزه على فضح المخالفات يفوق أحياناً اهتمامه بالحلول العملية، فتتحوّل إثارة الفضائح إلى هدف إعلامي بحد ذاته.
أحدث هذا المنهج انقساماً واضحاً في الرأي العام، بين من رأى فيه أداة حماية وتمكيناً للمستهلك، وبين من اعتبره وسيلةً لقطع أرزاق المخالفين، كأصحاب مصالح وعمّال.
وهنا تتجلى الإشكالية: إلى أي حد يمكن للإعلام أن يؤدي دوره التوعوي من دون أن يتجاوز حدود الأخلاقيات، ويغدو مجرد أداة للإثارة، بدل أن يكون نافذة للحقيقة؟
هل قلت «تفّو عليكن»؟
تُقدَّم زهراء فردون في البرنامج بوصفها «محقّقة»، غير أنّ أسلوبها في المعالجة يتكئ، في كثير من محطّاته، على منطق الاستعراض بحثاً عن الرايتينغ، رغم نُبل الغاية المعلنة للبرنامج في حماية الصحة العامة وممارسة الرقابة.
تعتمد فردون تارةً، خطاب الاستفزاز، وطوراً لغة الانفعال والتجريح، عبر عبارات من قبيل «تفّو عليكن يا بلا ضمير» و«لهون وصلت وقاحتكن» في خروج واضح عن مقتضيات الخطاب الإعلامي.
لا يقف هذا الانزلاق عند حدود اللغة المباشرة، بل يتبدّى كذلك في سلوكيات وتصريحات ذات طابع ساخر واستهزائي أثناء التغطيات الميدانية.
في مطعم «بحرون»، وبعد أن أشار مراقب وزارة الصحة إلى عدم صلاحية مكان حفظ الخبز، عقّبت باستهزاء قائلة باللهجة المصرية «ده مش مكانها» مترافقة مع ضحكة ساخرة تُفرغ الملاحظة الرقابية من جديّتها.
وأثناء الإشارة إلى شعرة داخل اللبنة في «مندي حضرموت»، علّقت بالضحكة ذاتها «هيدي اختصاصي، انظروا إلى هذه الشعرة مع هذه اللبنة».
وحين سألت عن موضع الأكياس ومدى صحّته في المطعم ذاته، أكّد صاحب المطعم عدم جواز وجودها هناك، فردّت ضاحكة: «الحلو فيك إنك بتعترف».
ولمّا سُئل أحد الموظفين في مطعم الحمرا عن سبب عدم ارتدائه ثياب العمل والقفازات وأجاب بأنه نسيها في المنزل، واجهته بسؤال ساخر «نسيت تجي كمان؟» بدل الاكتفاء بالتنبيه المهني. تلك الممارسات، التي تنزلق أحياناً إلى الحكي السوقي، تطرح إشكالية جوهرية حول تحوّل الرقابة الصحية من وظيفة توعوية وقانونية إلى مادة استعراضية، يُختزل فيها الخلل البنيوي بلقطات ساخرة، وتُقدَّم فيها المخالفة لا بوصفها خطراً عاماً يستدعي المعالجة، بل مشهد يُستثمر للفرجة.
تتكئ المعالجة على منطق الاستعراض بحثاً عن الرايتينغ
وليس هذا النهج مستجدّاً في أداء زهراء فردون، إذ تشهد تقاريرها السابقة على شاشة «الجديد» على حضور هذا الأسلوب الاستعراضي، من تقريرها عن الحيوانات، ولا سيما تقرير «الحمار»، إلى تقارير «الخراف» و «منع صياح الديك»، وغيرها من المواد التي اتكأت على الإثارة أكثر مما استندت إلى المعالجة المهنية الهادئة.
عرض الوقائع لا إطلاق الأحكام
في هذا السياق، أكدت رئيسة مركز الأبحاث وأستاذة الإعلام التلفزيوني في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية وفاء أبو شقرا أنّها مع نمط البرامج التي تُعنى بصحة الناس والسلامة الغذائية، بل تعتبرها ضرورة، طالما أنّ هذه المؤسسات تمسّ الأمن الغذائي، أي أمن وصحة الناس. وترى أنّ غياب دور الرقابة لدى الجهات المعنية «عن السمع والعمل» جعل الإعلام، مشكوراً، يتقدّم لسدّ هذا الفراغ، في واحدة من أبرز وظائفه: التنشئة والمراقبة.
غير أن الباحثة تحسم موقفها بوضوح: «ليست وظيفة الإعلامي الاستعراض»، فدوره يقتصر على عرض الوقائع لا إطلاق الأحكام أو التجريح، وترك الحكم للرأي العام والقضاء. كما تؤكد على ضرورة وجود سياسات تحريرية واضحة داخل المؤسسات الإعلامية تُحدِّد ما يُقال وكيف يُقال، وتُحاسَب الكوادر على أساسها، معتبرة أنّ مسؤولية أي انزلاق لغوي لا تقع على الإعلامي وحده، بل على الإدارة التحريرية أيضاً، لأن القوة الحقيقية في الوثيقة والبرهان، لا في الشتيمة والانفعال.
ثم تذهب أبعد، فتشير إلى أنّ دفتر الشروط وقواعد الأخلاقيات المهنية يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من السياسة التحريرية لكل مؤسسة إعلامية، وهو أمرٌ للأسف غير متوافر في أي مؤسسة إعلامية في لبنان، لتختم بعبارة تختصر الأزمة «التلفزيونات بلبنان دكاكين وفاتحة».
نماذج ناجحة
أمام هذا المشهد الذي يختلط فيه الواجب الرقابي بالإغراء الاستعراضي، تبرز نماذج إعلامية نجحت في أداء الرقابة من دون التفريط بأخلاقيات المهنة، وفي طليعتها «هيئة الإذاعة البريطانية» عبر برنامجها العريق «بانوراما» حيث تُعالَج قضايا سلامة الغذاء بوصفها مسائل أمن عام لا مواد فضائحية. هناك، لا صراخ ولا شتائم، بل وثائق ناطقة ونتائج مخبرية حاسمة، تُدين بالدليل لا بالانفعال. إنها مدرسة «الحقيقة الباردة» التي تُحدث أثراً عميقاً ودائماً، بعيداً من صخب الرايتينغ العابر.
في المحصّلة، لسنا أمام خلاف في الأهداف، بل في الوسائل. فالدفاع عن صحة الناس، وكشف المخالفات، وممارسة الرقابة، كلها وظائف الإعلام. أمّا حين يُستبدل الدليل بالاستعراض، والحُجّة بالانفعال، فإنّ الرسالة تنحرف، مهما كانت النيّات حسنة. المؤسف حقاً أن نحتاج في كل مرة إلى سقطة إعلامية لنعود ونذكّر بأن رسالة الإعلام لا تمتّ إلى هذا الأسلوب بصلة، فهو في جوهره مسؤولية عامة، لا تستقيم إلا بالوعي، والأخلاقيات والكرامة المهنية.
زينب عوض-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



