مقالات
بين النزوح والبقاء: سكان الضاحية يختارون الكرامة

هذا النص كان يصلح للنشر قبل حوالي الأسبوع، أي قبل إصدار تهديد شامل لكلّ أحياء الضاحية على شكل «select all».
الأحداث التي تلت هذا التهديد لا تحتاج إلى شرح، ناس الضاحية خرجت منها، وشوارعها المكتظة بشكل دائم أصبحت خالية إلا من الدمار.
فالعدو يحوّل أحياء الضاحية إلى خراب، بكل ما للكلمة من معنى.
ولكن في ظلّ هذا التدمير الممنهج للحجر، هناك أشخاص يرفضون الرحيل، أو التهجير من الضاحية. لا يزالون في أحيائها يحاولون البقاء على قيد الحياة.
وفيما يلي قصص أشخاص رفضوا التهجير في البداية إلى أن فرضه عليهم القصف العشوائي:
نحن لا نبقى مخاطرة بأرواحنا، بل حفاظاً على كرامتنا
إذاً عادت حرب أيلول 2024 لترمي بظلالها الثقيلة على سكان الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية. لم تكن مجرد ذكرى عابرة، بل تجربة حيّة تعود بكل مآسيها وويلاتها: النزوح القسري، التشرد، فقدان الحد الأدنى من شروط الحياة، والعيش على هامش مدن لا تتسع للنازحين إلا بشروط قاسية.
الحاج أبو مليكة، أحد سكان حارة حريك، يلخّص هذا الخيار بكلمات بسيطة: «نحن لا نبقى مخاطرة بأرواحنا، بل حفاظاً على كرامتنا».
الرجل الذي لم يغادر منزله رغم التهديدات يستعيد تجربته مع النزوح خلال الحرب السابقة.
يقول لـ«الأخبار»: «في الحرب الماضية هُجّرنا أربع مرات. خرجنا من منطقتين قبل أن نستقر في نهاية المطاف داخل غرفة واحدة مع مطبخ صغير وحمام في مدينة طرابلس.
كنت أنا وزوجتي وبناتي الثلاثة نعيش من دون كهرباء ولا تدفئة ولا حتى أبسط المستلزمات. اليوم قررنا ألا نعيد تلك التجربة. هذه المرة سنبقى في بيتنا».
هذه الذاكرة القاسية دفعت عدداً متزايداً من سكان المناطق المستهدفة إلى اتخاذ قرار مختلف هذه المرة: البقاء في منازلهم مهما كان الثمن
هذه الحالة لا تقتصر على أبو مليكة وحده. عشرات العائلات في المناطق الأكثر عرضة للاستهداف في الضاحية، مثل حارة حريك وبئر العبد والغبيري والليلكي والكفاءات، ما زالت متمسكة بمنازلها.
أما في برج البراجنة وحي السلم والشياح، فقد عادت الحركة تدريجياً إلى طبيعتها منذ يوم الثلاثاء (الأسبوع الماضي)، مع فتح بعض المقاهي وعودة نسبة كبيرة من السكان.
يقول أحد سكان الشياح إن نحو 60% من سكان المنطقة عادوا إلى منازلهم، مضيفاً: «الناس ترفض أن تبقى أسرى الخوف كل مرة». لكن خلف هذه الصورة، ثمة واقع آخر لا يقل قسوة، في الغياب شبه الكامل للدولة.
فالعائلات التي اختارت البقاء، أو تلك التي اضطرت إلى النزوح، لا تجد أي اهتمام فعلي من الجهات الرسمية. لا خطط إيواء، ولا ضبط لأسعار الإيجارات، ولا حتى حد أدنى من الرعاية الاجتماعية.
محمد، شاب من منطقة المشرفية، يروي تجربته مع النزوح في الحرب السابقة. يومها انتقل مع عائلته إلى الحازمية، لكن ما واجهه هناك جعله يرفض تكرار التجربة.
يقول: «لماذا أترك منزلي؟ عندما يصدر جيش العدو إنذاراً بقصف مبنى في الضاحية، أخرج أنا وأختي وابنها ونتجول في شوارع بيروت إلى أن تنتهي الضربة ثم نعود».
وعندما يُسأل عن سبب عدم استئجار منزل في منطقة أكثر أماناً، يجيب بمرارة: «لم يعد هناك بيوت للإيجار، بل شقق مطلية بالذهب.
بدل إيجار الشقة لا يقل عن 600 دولار، مع دفع أكثر من شهرين وثلاثة أشهر سلفاً وبدل تأمين». يضيف «إخوتنا في الوطن يستغلون وجعنا.
ينهشون لحمنا ونحن جرحنا مفتوح. لا رقابة ولا دولة. الدولة مشغولة بملاحقة المقاومين جنوباً أكثر من اهتمامها بحماية مواطنيها».
لم تكن تجربة النزوح سهلة بالنسبة إلى كثيرين. بعض العائلات التي غادرت الضاحية في الحرب السابقة اصطدمت بواقع اجتماعي قاسٍ من جديد في بعض المناطق اللبنانية.
الحاجة عبير تروي تجربتها مع عائلتها عندما قصدوا مدينة البترون بحثاً عن مأوى. تقول: «استقبلونا وكأننا نحن من فتح الحرب على لبنان، وعليهم تحديداً. رفضوا تأجيرنا أي شقة. طلبوا منا المغادرة، وتعرّضنا للتهديد، حتى إن بعضهم حاول الاعتداء على سيارتنا».
هذه التجارب تركت أثراً عميقاً لدى كثيرين، ورسّخت قناعة بأن النزوح لا يعني بالضرورة الأمان، بل قد يتحول إلى تجربة قاسية أخرى من الإذلال وإهانة النفوس.
في جنوب لبنان، الصورة أكثر تعقيداً. فمعظم أهالي البلدات الجنوبية الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم عادوا إليها سريعاً، رغم الظروف الصعبة. فالكثير منهم أمضى أكثر من 24 ساعة على الطرقات قبل أن يصل إلى صيدا، لكنهم سرعان ما قرروا العودة.
إحدى العائلات من مدينة صور تقول: «سنعود إلى قرانا حتى لو اضطررنا إلى افتراش التراب. نحن الجنوبيون لا نركع ولا نذل.
سنعود لنكون سنداً للمقاومة. الدولة تلوم المقاومة على ستة صواريخ أطلقت؟ ماذا تقول الدولة عن آلاف المواطنين العالقين على الطرقات؟ ماذا تقول عن النازحين الذين طُردوا من المناطق الآمنة؟».
ويضيف أحد أفراد العائلة: «هذه الدولة تنفّذ الأوامر الخارجية عبر التضييق على الطائفة الشيعية ومحاولة إنهاء المقاومة بكل الوسائل. ولكن نحن لن نسمح لأي أحد أن يقف أمام المقاومة. اليوم الواقع بات مختلفاً تماماً».
بين الضاحية والجنوب، السكان الذين يعيشون تحت تهديد القصف لا ينظرون إلى المسألة بوصفها مجرد نقاش سياسي حول الحرب أو المقاومة، بل كمسألة حياة يومية وكرامة شخصية.
بالنسبة إلى كثيرين منهم، لم يعد الخيار بين الحرب والسلم، بل بين النزوح والإذلال أو البقاء والصمود.
ولهذا، يبدو أن ما يتشكل اليوم في الضاحية والجنوب ليس مجرد موقف ظرفي، بل تحوّل اجتماعي في طريقة التعامل مع الحرب،
ناس اختبرت النزوح ومراراته، وقررت هذه المرة أن تواجه الحرب من داخل بيوتها، مهما كانت المخاطر.
حسين صبرا-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



