مقالات

مرحلة ما بعد الحرب.. توافقات إقليمية وانكشاف أميركي – صهيوني

مع أنه لم يتمّ الإعلان رسمياً عن انتهاء الحرب، فإنّ معظم دول المنطقة بدأت تعيد ترتيب أوراقها بشأن مستقبل علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية والدولية، وسبل تعاطيها مع ملفات المنطقة وقضاياها الأساسية.

ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال الزيارات الرسمية الخارجية لعدد من القادة والمسؤولين السياسيين، والتصريحات الرسمية وغير الرسمية الهامة واللافتة في مضمونها وتوقيتها، وتحليلات وقراءات مراكز الأبحاث والدراسات التي لا تنطق من “فراغ”، والتعاطي العالمي مع تداعيات الحرب على مختلف الصعد.

صحيح أنه لا يمكن حصر تأثيرات الحرب وأبعادها الإقليمية والدولية بملفين اثنين أو ثلاثة، إلّا أنّ معظم تحليلات السياسيين تستند في مضمونها إلى تطوّرات ومعطيات ثلاثة ملفات أساسية هي: إغلاق مضيق هرمز وتداعياته على اقتصاد المنطقة والعالم، والوجود الأميركي في المنطقة ومبرّراته ومفاعليه، والعامل الإسرائيلي وأثره على استقرار المنطقة أولاً، ومن ثمّ العالم ثانياً.

الحرب فضحت كلّ شيء

مع اقتراب إغلاق مضيق هرمز من إتمام شهره الثالث، وسط لامبالاة أميركية واضحة لتأثيراته وانعكاساته السلبية على اقتصادات المنطقة والعالم، فإنّ معظم دول المنطقة بدأت تعمل على محورين:

الأول: تكثيف اتصالاتها مع إيران للتوصّل إلى تصوّر مشترك يضمن استمرار عمل المضيق في المستقبل لما فيه مصلحة جميع دول المنطقة. ويلاحظ في هذا السياق أنّ جميع دول الخليج لا تزال تحافظ على قنوات اتصال دبلوماسية نشطة مع طهران، وهناك اتصالات سياسية تجري على أعلى المستويات بين دول المنطقة بهذا الخصوص، وهو أمر يصبّ في خدمة جهود التهدئة وإيجاد مخرج سياسي ودبلوماسي من الحرب التي افتعلتها الولايات المتحدة و”إسرائيل”.

الثاني: يتمثّل في وضع الدول سيناريوهات لمشاريع جديدة تساعدها على تجاوز عقدة المضيق، أو الحدّ -قدر الإمكان- من تحكّم المضيق في اقتصادها، سواء حدثت مستقبلاً توترات جديدة أو لم تحدث. فمثلاً، أعلنت دولة الإمارات مؤخّراً عن مشروع جديد لإنشاء خط أنابيب نفطي يتجاوز مضيق هرمز، في خطوة تهدف إلى تعزيز أمن صادراتها النفطية، كما أنّ السعودية تخطط لزيادة حجم صادراتها النفطية وتجارتها السلعية عبر البحر الأحمر، فيما يدرس العراق جدّياً إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك- بانياس وإنشاء خط آخر جديد بطاقة استيعابية أعلى، وما إلى ذلك من أفكار ومشاريع تحتاج في نهاية المطاف إلى توظيف استثمارات كبرى غير متوفّرة اليوم بعد الخسائر التي منيت بها جميع دول المنطقة من جرّاء هذه الحرب.

ولا يبدو أنّ مصير الوجود العسكري الأميركي في المنطقة ببعيد عن النقاشات الجارية حالياً على أكثر من مستوى. وإذا كانت حكومات الدول المعنية بهذا الملف تتجنّب الخوض علانية فيه، فإنّ الرأي العامّ الشعبي بات يميل إلى ضرورة إعادة النظر بمسألة وجود القواعد الأميركية ومهامها ومستقبلها، بعدما تبيّنت حقيقة المهمة الأساسية لهذه القواعد، وعجزها عن حماية مصالح الدول الموجودة فيها.

وأياً كان القرار الرسمي حيال مصير القواعد والمنشآت العسكرية الأجنبية عموماً، فإنّ تزايد الشكوك الشعبية حيال جدواها واستمراريتها من شأنه أن يمهّد الطريق مستقبلاً لمغادرتها المنطقة، أو على الأقل تقليص حجمها ومهامها كما حدث سابقاً في دول أخرى كالعراق مثلاً.

أما “إسرائيل” التي كانت تعتقد أنها بعد هذه الحرب سوف تسود المنطقة وتستبيح أمنها، وتفرض بالتالي شروطها للتطبيع وليس للسلام، فقد منيت بهزيمة كبرى عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.

ولعلّ أهمّ أشكال تلك الهزيمة أنّ الصورة التي تشكّلت عن “إسرائيل” في العالم بعد حرب الإبادة التي شنّتها على غزة، ترسّخت أكثر بعد الحرب على إيران، لا بل إنها أصبحت أكثر بشاعة من ذي قبل، فضلاً عن أنّ سياسات نتنياهو المتطرّفة أسهمت في خلق تحالفات إسلامية جديدة يجمعها الخوف من مشاريع “تل أبيب” التوسّعية وأعمالها العدوانية، وبدلاً من محور واحد للمقاومة أصبح هناك محاور أخرى، وإن اختلفت أهدافها ومبادؤها ووظائفها، إلا أنها في النهاية تتفق سراً أو علانية على خطر “إسرائيل” والتحالف معها.

خسارة بكلّ المفاهيم

في كلّ الملفات السابقة نلاحظ أنّ إدارة ترامب كانت هي الخاسر الأكبر؛ من فشلها في إعادة فتح مضيق هرمز وتدفّق الصادرات النفطية والغازية إلى الأسواق العالمية، إلى عجزها عن حماية قواعدها ومنشآتها العسكرية في المنطقة ومنع إخراجها من الخدمة، وصولاً إلى فرض العالم مزيداً من العزلة على “إسرائيل”، ونسف ما كانت تروّج له من حدود قوتها العسكرية وتشكيلها لشرق أوسط جديد، وما أسفر عنه كلّ ذلك من دفع الدول للتحالف فيما بينها لمواجهة “تل أبيب”.

ليس في الأمر مبالغة، فما حقّقته الحرب الأخيرة على إيران لم يكن في حسبان الغرب و”إسرائيل” وبعض دول المنطقة، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، ولذلك فإنّ جلّ طموحات الرئيس ترامب اليوم هي الحصول على بعض المكاسب على طاولة المفاوضات لحفظ ماء وجهه داخلياً، وإلّا لكانت قواته شنّت هجوماً جديداً بعد انتهاء عشرات المهل التي كان يمنحها، لكنه بصراحة لا يعرف ماذا تخبّئ له طهران، وإلى أين يمكن أن تسير الأمور فيما لو تجدّدت الحرب.

ربما هي فرصة تاريخية لدول المنطقة لتعيد ترتيب أوراقها بما يخدم مصالح شعوبها ويحمي ثرواتها وإمكانياتها، وبقدر ما تنجح هذه الدول في تجنّب “مصيدة” الحرب التي وضعتها واشنطن و”تل أبيب” لها، وامتلاك الجرأة على اتخاذ قرارات وطنية سيادية بعد الثمن الاقتصادي الباهظ الذي دفعته من جرّاء هذه الحرب، يتضح إلى أين يسير مستقبل المنطقة برمّتها.

الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى