خاص صدى الضاحيةسلايدر
خاص موقع صدى الضاحية – لا حرب ولا سلم: جبهة الجنوب بين الاستنزاف وإعادة تشكيل المعادلات

تتواصل المواجهات على الجبهة الجنوبية اللبنانية في سياق تصعيد عسكري متدرّج، يجمع بين الغارات الجوية الإسرائيلية اليومية والردود الميدانية من الجانب الآخر، في مشهد بات يُوصف بأنه أقرب إلى “حرب استنزاف طويلة الأمد” منه إلى مواجهة تقليدية قابلة للحسم السريع.
وبينما يعلن العدو الاسرائيلي أن هدفه هو “إبعاد التهديد عن الحدود الشمالية”، تشير مجريات الميدان إلى محاولة أوسع لإعادة صياغة الواقع الأمني في الجنوب اللبناني وفرض معادلات جديدة بالقوة.
تتداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية لتجعل من الجبهة الجنوبية واحدة من أكثر الساحات تعقيدًا في الإقليم، حيث لا يبدو أن أي طرف قادر على فرض حسم نهائي حتى الآن.
توصيف الاستراتيجية الإسرائيلية: استنزاف أم فرض واقع جديد؟
في هذا السياق يرى منسق الحكومة سابقا لدى اليونيفيل العميد منير شحادة أنه و”منذ اندلاع التصعيد، اعتمدت إسرائيل على نمط عملياتي يقوم على الغارات الجوية الدقيقة والاستهدافات المتكررة للبنية العسكرية والقيادات الميدانية، مع تجنب التوغل البري الواسع.
ويُفهم هذا الخيار ضمن إطار تقليل الكلفة البشرية المباشرة، ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة مفتوحة”.
وتابع شحادة: “في المقابل، تستمر عمليات الرد عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أبقى الجبهة مفتوحة على استنزاف متبادل.
هذا النمط من المواجهة أفرز واقعًا جديدًا يقوم على ضربات متبادلة غير مستقرة، دون خطوط تماس ثابتة أو حسم واضح”.
وأشار الى أن “الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية في الجبهة الشمالية تتبلور ضمن مقاربة مركّبة تجمع بين حرب استنزاف طويلة الأمد ومحاولة فرض واقع أمني جديد على الحدود اللبنانية، معتبرا أن “ما يجري يتجاوز حدود الردّ التكتيكي إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك”.
وأوضح شحادة أن “العدو الاسرائيلي يعتمد على ضربات جوية ومدفعية شبه يومية، مع تجنّب التوغل البري الواسع، بهدف تقليص قدرات المقاومة تدريجيًا دون الانزلاق إلى حرب شاملة مكلفة”. وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن “هناك توجّهًا واضحًا نحو توسيع بنك الأهداف، واستهداف القيادات الميدانية، والضغط باتجاه فرض منطقة خالية من السلاح قرب الحدود، بما يؤدي عمليًا إلى خلق منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع”.
وتابع شحادة: “المعطيات الميدانية تشير إلى تنفيذ آلاف الغارات والضربات، تتراوح بين 3000 و6000 ضربة، بالتوازي مع موجات نزوح واسعة من الجنوب اللبناني، مقابل إخلاء ما بين 60 و80 ألف مستوطن من شمال إسرائيل، إضافة إلى دمار واسع في البنية العمرانية في القرى الحدودية، في سياق يُقرأ على أنه محاولة ضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة”.
وأكد أن “هذه الحرب تُستخدم عمليًا كحرب استنزاف بهدف فرض معادلة أمنية جديدة، وليست مجرد رد فعل عسكري محدود، بل جزء من مقاربة أوسع لإعادة تشكيل الواقع الأمني على الحدود”.
أهداف أوسع من الامن؟
وفي ما يتعلق بالأهداف الإسرائيلية، أشار شحادة إلى أن “الخطاب الرسمي يركّز على إبعاد التهديد عن الحدود”، إلا أن الوقائع العملية تعكس أهدافًا أوسع، أبرزها إبعاد عناصر المقاومة لمسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومترًا على الأقل، وتعديل قواعد الاشتباك بما يقلل من الردود على الضربات الإسرائيلية، إلى جانب خلق منطقة عازلة، وفرض ضغوط سياسية داخلية لبنانية لتقييد سلاح المقاومة”.
ورأى أن “هذه المقاربة تجعل الهدف الإسرائيلي يتجاوز البعد الأمني ليشمل أبعادًا سياسية وردعية طويلة الأمد”.
ما الذي تحقق وما الذي فشل؟
أما على مستوى النتائج، فأكد أن “العدو الاسرائيلي حقق بعض المكاسب الميدانية، من بينها تدمير جزء من البنية التحتية العسكرية في الجنوب، واغتيال عدد من القيادات الميدانية، وفرض ضغط كبير على البيئة المدنية، إضافة إلى تهجير أعداد كبيرة من السكان”.
الاستنزاف وتعدد الجبهات والتكنولوجيا
في المقابل، شدد شحادة على أن “هذه المكاسب لم تتحول إلى إنجاز استراتيجي حاسم، إذ ما تزال الهجمات الصاروخية والمسيّرات تُطلق بشكل شبه يومي، فيما يبقى الشمال الإسرائيلي غير مستقر، مع استمرار عدم عودة المستوطنين إلى مناطقهم بشكل آمن، وتنامي النقمة الداخلية على الحكومة الإسرائيلية”.
كما أشار إلى أن “المقاومة ما تزال قادرة على المبادرة وتنفيذ ضربات وصلت في بعض الحالات إلى العمق الإسرائيلي، ما يعكس استمرار خلل في معادلة الردع وعدم حسمها بشكل نهائي”.
وخلص شحادة إلى توصيف يقوم على أن “إسرائيل حققت نجاحًا تكتيكيًا جزئيًا، مقابل تعثر استراتيجي واضح”، موضحًا أن “الحروب غير المتكافئة لا تُقاس فقط بحجم الدمار أو عدد الأهداف المستهدفة، بل بمدى القدرة على فرض واقع سياسي وأمني مستقر، وهو ما لم يتحقق حتى الآن”.
ولفت إلى أن “استمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات رغم القصف الكثيف يعكس قدرة على الصمود والاستمرار، في مقابل ضغط استنزافي يتصاعد على الجيش الإسرائيلي نتيجة تعدد الجبهات، اذ أن الجيش الإسرائيلي، الذي يعتمد على نحو خمس فرق قتالية رئيسية في الجبهات الساخنة، قام بإعادة تموضع لبعض قواته وسحب جزء من فرقه من الشمال نحو جبهات أخرى، خصوصًا في ظل تطور أساليب المواجهة”.
كما لفت إلى أن “الطائرات المسيّرة من نوع FPV العاملة عبر الفايبر أوبتيك أصبحت عنصرًا مؤثرًا في الميدان، نظرًا لقدرتها على تجاوز أنظمة التشويش الإلكتروني، ودقتها العالية، وكلفتها المنخفضة نسبيًا، ما جعلها تهديدًا مباشرًا لبعض الآليات والمواقع العسكرية، رغم بقائها ضمن الإطار التكتيكي وليس الحاسم استراتيجيًا”.
وفي المحصلة، ربط شحادة بين مجمل هذه التطورات وبين مسار استنزاف طويل الأمد، مرجّحًا “استمرار المواجهة ضمن سيناريو لا حرب ولا سلم، إلى حين تبلور تسوية سياسيةأو تغيير جذري في ميزان القوى أو في أدوات القتال”.
في ضوء المعطيات الميدانية والسياسية الحالية، تبدو المواجهة في الجنوب اللبناني مفتوحة على أكثر من سيناريو، أبرزها استمرار حالة الاستنزاف المتبادل، أو الوصول إلى تهدئة مؤقتة عبر تفاهمات غير مباشرة، أو في أسوأ الحالات الانزلاق إلى تصعيد أوسع في حال وقوع خطأ ميداني كبير.
لكن الثابت حتى الآن أن لا طرف تمكن من فرض حسم نهائي، وأن المعركة الجارية تتجاوز حدود الاشتباك العسكري التقليدي، لتتحول إلى صراع طويل الإرادات، تتداخل فيه القوة بالنفس الطويل، والتكنولوجيا بالحرب النفسية، والميدان بالسياسة الإقليمية.
وبين محاولات فرض الوقائع بالقوة، وقدرة الأطراف على التكيف والاستمرار، تبقى الجبهة الجنوبية واحدة من أكثر ملفات المنطقة انفتاحا على المجهول.
تحقيق: فاطمة عيسى
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



