مقالات

فقّاعة «هانتا»: هل العالم مستعدّ لجائحة جديدة؟

شهد العالم استنفاراً صحياً إثر إصابات بفيروس «هانتا» على متن سفينة سياحية، مما أثار مخاوف من جائحة جديدة. علمياً، يعد الفيروس قديماً وغير قابل للانتشار السريع كـ «كوفيد»، لكن الضجيج الإعلامي يغذيه البحث عن المشاهدات والقلق النفسي الجماعي.

ورغم انخفاض التهديد حالياً، تظل البشرية عرضة للمخاطر بسبب التغير المناخي وهشاشة الأنظمة الصحية الدولية

منذ مطلع أيّار (مايو) الحالي، شهد العالم حالة من الاستنفار الصحي والإعلامي عقب تفشي فيروس «هانتا» (Hantavirus) على متن سفينة الرحلات السياحية الهولندية «إم في هونديوس» في جنوب المحيط الأطلسي.

هذا الحدث، الذي أسفر عن إصابة ثمانية أشخاص ووفاة ثلاثة منهم، أعاد إلى الأذهان ذكريات جائحة كورونا الأليمة، مدخلاً بذلك المجتمعات في دوّامة قلق من الدخول في حقبة مأساوية جديدة.

إلّا أنّ الضجيج الإعلامي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي لا يتناسب مع مستوى التهديد الواقعي المثبت علمياً حتّى الآن.

أمّا حالة الهلع المستحدثة، فقد تتلاءم مع مصالح بعض الناشطين الذين يعتاشون على سوق «النقرات» والمشاهدات، إضافة إلى تقديم الحدث فرصةً ذهبية لبعض الأنظمة السياسية للإفادة في إشغال الجحافل الجماهيرية عن أولويّاتها المطلبية.

من خنادق كوريا إلى «الفور كورنرز»

لا يعدّ فيروس «هانتا» وليد اليوم. وفقاً لتقارير «منظمة الصحة العالمية» والسجلات التاريخية، يعود أول الأوصاف الإكلينيكية للفيروس إلى الحرب الكورية (1951-1953)، يوم أصيب أكثر من 3000 جندي من قوات الأمم المتحدة المتمركزة قرب نهر «هانتان» بما عُرف آنذاك بـ «الحمى النزفية الكورية». وظل المسبب مجهولاً حتى عام 1976، حين تمكن الباحث الكوري، لي هو وانغ، من عزل الفيروس من أحد الفئران.

تطور الفهم العلمي للفيروس في عام 1993، على إثر تفشٍ غامض في منطقة «الفور كورنرز» في الولايات المتحدة، أدى إلى اكتشاف سلالة «سين نومبري» (Sin Nombre) التي تسبّب «متلازمة هانتا الرئوية» القاتلة. ومنذ ذلك الحين، صُنِّف الفيروس نوعين: سلالات «العالم القديم» في أوروبا وآسيا التي تضرب الكلى، وسلالات «العالم الجديد» في الأميركيّتين التي تهاجم الرئتين.

لكن ما يُمثّل الخطر الأكبر في فيروس «هانتا» الأميركي، هو أنّ معدّل الوفيات الناجمة عنه تصل إلى 50 في المئة، أي واحد بين كل مريضين.

لغز السفينة

بدأت الأزمة الحالية عندما غادرت السفينة «هونديوس» ميناء أوشوايا في الأرجنتين في رحلة استكشافية. ووفقاً لتحقيق نشرته شبكة «سي إن إن» الأميركية، ظهرت الأعراض الأولى على رجل هولندي في 6 نيسان (أبريل) الماضي، ثم توفي بعد خمسة أيام. وتوالت الإصابات لتشمل ثماني حالات مرتبطة جميعها في مسار السفينة، مما دفع دولاً مثل إسبانيا وألمانيا وبريطانيا إلى تنفيذ عمليات إجلاء طبي معقدة.

وتشير التحقيقات التي أجرتها السلطات الأرجنتينية بالتعاون مع «منظمة الصحة العالمية» إلى أنّ الحالات مرتبطة ببعضها عبر مصدر بيئي مشترك، فالسلالة المكتشفة هي «فيروس الأنديز» (Andes Virus)، وهي السلالة الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال «المحدود» بين البشر. في هذا السياق، الفرضية السائدة هي أنّ المصابين الأوائل تعرضوا للفيروس خلال نزهة لمراقبة الطيور في غابات باتاغونيا في الأرجنتين، حيث تنشط القوارض الحاملة للفيروس.

الحقيقة العلمية: هل العالم على أعتاب وباء جديد؟

شرح مدير «منظمة الصحة العالمية»، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الإجابة العلمية القاطعة حول خطر حصول وباء بالنفي الكامل، مشدّداً على أنّ «هذا ليس كوفيد». من جهة أخرى أيضاً، أكّد المتحدّث باسم المنظّمة، كريستيان ليندماير، أنّ خطر الانتشار بين عامة السكان يظل «منخفضاً جداً».

وتدعم البيانات العلمية هذا التوجه، ففيروس «هانتا» يفتقر إلى كفاءة الانتقال التنفسي السريع التي تميز الإنفلونزا أو كورونا. ووفقاً لتقرير نشرته مجلّة «نيتشر» (Nature) نقلت فيه إفادات عن خبراء الأوبئة، يتطلب انتقال سلالة الأنديز اتصالاً وثيقاً ومطوّلاً (مثل النوم في السرير نفسه أو العلاقة الحميمية)، وهو ما يجعل معدّل تكاثر الفيروس سلبياً، ما يعني أن العدوى تميل للاندثار ذاتياً ولا تتحول إلى جائحة عالمية.

لماذا كل هذا الضجيج؟

رغم الخطر البيولوجي المنخفض، يتصدّر الفيروس الأخبار الرئيسية سواء في الإعلام التقليدي، أو على منصات التواصل الاجتماعي. في هذا الإطار، تُرجع دراسة أجرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية حالة الهلع إلى ما وصفه الباحثون بـ «اضطراب ما بعد الصدمة الطبية» (Medical PTSD) الذي يعانيه العالم بعد عام 2020، حيث أصبح الجمهور مبرمجاً على القلق المفرط عند سماع كلمات مثل «تفشٍّ» أو «فيروس جديد».

هذا القلق يمثل منجماً للذهب لوسائل الإعلام الرقمية. فوفقاً لدراسة حول «الأخبار المسيئة» نشرها تقرير «معهد رويترز للأخبار الرقمية» لعام 2025، تعتمد المواقع الإخبارية استراتيجيات «صيد النقرات» عبر عناوين عاطفية محفزة للقلق أو إدراج كلمات مفتاحية مثل «الوباء القادم» لرفع تصنيفات البحث. وتشير الأرقام إلى أنّ 87 في المئة من التفاعل مع الأخبار يحدث في أول 72 ساعة، مما يدفع الناشرين إلى تضخيم الأحداث البسيطة لضمان البقاء في دائرة الضوء الخوارزمي.

السيطرة عبر الخوف

بعيداً عن الإعلام، يرى بعض المحللين السياسيين أن الاهتمام المفرط بالأزمات الصحية يُستخدم كأداة للحوكمة. في هذا الإطار، يستحضر الفيلسوف الإيطالي، جورجيو أغامبين، مفهوم «حالة الاستثناء»، محذراً من أن الحكومات قد تستغل الأوبئة لتعليق القوانين الطبيعية وفرض تدابير رقابية دائمة تحت مسمى «الأمن الحيوي».

وتشير تقارير حقوقية إلى أنّ «تسييس الأبحاث الفيروسية» والتركيز على «سيناريوهات الرعب» يسهمان في خلق مجتمعات أكثر انصياعاً، حيث تُقبل القيود على الحريات الشخصية والرقابة الرقمية كضرورات صحية، وهو ما يطلق عليه «الغسيل الطبي» للقرارات السياسية.

ازدياد الفيروسات

بيد أنّ التفشّي الحالي لا يرتقي إلى مستوى الوباء، إلّا أنّ الحادثة تفرض تساؤلاً مستجداً حول مدى صحّة فرضية تسارع انتشار الفيروسات في الآونة الأخيرة. تُجيب بـ «نعم»، دراسة نشرتها مجلّة «بي إم جيه للصحة العالمية»، إذ ازداد عدد حوادث «التدفق الحيواني»، أي انتقال الفيروسات من الحيوان للإنسان، بنسبة 4.98 في المئة سنوياً بين عامي 1963 و2019.

وبحسب الأبحاث، يعود هذا التسارع إلى ثلاثة محرّكات رئيسية، أوّلها التغيّر المناخي الذي يدفع القوارض والحيوانات للهجرة من موائلها الطبيعية نحو التجمعات البشرية بحثاً عن الطعام والماء. إضافة إلى ذلك، يدفع التوسّع العمراني نحو التعدي على الغابات، ممّا يزيد من فرص الاحتكاك المباشر مع «خزانات» الفيروسات الطبيعية.

أمّا السبب الرئيسي الأخير، فهو التّرابط العالمي، إذ يُؤكّد «تقرير دي إتش إل للترابط العالمي 2026» أنّ العالم اليوم أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، مما يعني أن فيروساً قد يخرج من غابة نائية في الأرجنتين ليصل إلى سويسرا أو لندن في غضون أيام، كما حدث في حالة ركاب السفينة.

بشر برتبة فيروس

تشير المنظّمات العلمية والصحية العالمية المعنيّة، إلى أنّ التفشّي الحالي لفيروس «هانتا» لن يؤدّي إلى جائحة مشابهة لما حصل في عام 2020 إبّان انتشار فيروس كوفيد.

لكن بعيداً عن ضوضاء وسائل التواصل الاجتماعي، تأتي حادثة السفينة لتدقّ ناقوس الخطر بالتذكير بمدى هشاشة أنظمة الصحة العالمية أمام الطبيعة المتغيّرة. ورغم أهميّة مكافحة «وباء المعلومات المضلّلة»، إلّا أنّ ما تناسى الناشطون طرحه، هو النقاش العلمي البنّاء حول كيفيّة تحضير البشرية من التحدّيات المقبلة.

في هذا الإطار، لا يزال الجدل مشتعلاً حول لقاحات فيروس كوفيد وآثارها الجانبية، بما يُفقد الثقة بالمنظمات الصحية الدولية، التي بدورها لم تستطع طمأنة شعوب العالم حول قدرتها على تحصين مهنيّتها ورسالتها الإنسانية من مطامع شركات الأدوية العملاقة.

إضافة إلى ذلك، تواجه «منظمة الصحة العالمية»، بوصفها خطّ الدّفاع الأوّل للبشرية تجاه الأوبئة، تحدّيات سياسية ومالية غير مسبوقة، نجمت عن قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الانسحاب منها ووقف التمويل.

غابت هذه الوقائع عن مستثمري «الترندات»، غير أنّ الخطر المحدق لا يتعلّق بمتحوّرات فيروس «هانتا»، بل بالمنظومة «الإبستينية» التي تتحكّم في مستقبل البشرية من دون أي بوصلة أخلاقية، ما يضع العالم على «كفّ عفريت» في مواجهة أي مطبّ صحّي مُقبل.

علي سرور-الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى