مقالات

مخاطر رعونة الأقوياء

إذا كانت الديمقراطية تعني حكم الأكثرية، فلا يعيبها أن تستقوي الأكثرية بمنطق القوة ضد الأقلية التي تتمسّك بقوة المنطق.

ولا يضرّها أيضاً أن يجتاح منطق القوة كل ما تختزنه البشرية من قيم ومبادئ ومُثُل.

لا بل إن الديمقراطية لا يسوؤها أن يحكم العالم طواغيت مجرمون أو لصوص محترفون أو دجَّالون كذّابون، ما دامت هناك أكثرية تصفّق لهم وتتحمّس لسياساتهم وتستهويها مغامراتهم.

ولذلك، لا غرابة أن يتسيّد الصمت لدى أدعياء الديمقراطية إذا ما وجدوا جنوحاً لمنطق القوة نحو شنّ الحروب العدوانية الظالمة، وهتك حرمات سيادات الدول والشعوب، وتدمير معالم الحياة ومنشآت التعليم والصحة والتراث وما شاكل.

فما لم تحرز الدول الملتزمة بالديمقراطية أكثرية تدين الحرب وتدعو إلى وقفها، فعلى الناس والشعوب والدول المُعتدى عليهم أن يواجهوا أقدارهم بأنفسهم حتى تتضامن أكثرية دولية مع حقّها في مواجهة الاعتداءات والبلطجة التي يتعمّدها الجبابرة لإكراه الدول والشعوب على الإذعان والخضوع والاصطفاف في معسكر الانصياع لمنطق الأقوياء على حساب منطق القيم والمُثُل والقوانين.

والأسوأ من ذلك أن تجد بعض أدعياء الالتزام بالديمقراطية يعمدون، في معرض دفاعهم عن صوابية التزامهم الديمقراطي، إلى تبرير الاعتداء وشنّ الحروب العدوانية وإلقاء اللوم على المُعتدى عليه، بسبب تعنّته تارةً أو عدم تسامحه في حقّه تارةً أخرى، أو سوء تقديره لقدراته وقدرات خصمه تارةً ثالثة، وكأنّ المجنيّ عليه مُطالب بأن يغضّ النظر عن موقفه الصامت إزاء العدوان، والمُصنّف فعلاً وواقعاً في خندق الداعمين أو غير الرافضين على الأقل.

والأكثر سوءاً مما سبق، أن تُمكِّنَ بعضُ الدول أو القوى أو الجهات أو المحاور، الطرف المعتدي من استخدام أرضها وأجوائها وبحرها والتسهيلات المطلوبة لدعم عدوانه، إمّا عن طيب خاطر أو عن غضّ نظر مريب، أو عن تأييد ودعم ضمنييْن لا يتنافيان مع موقف التأفّف الظاهري المنافق الذي لا يصل إلى حدِّ رفع الصوت بوجه المعتدي وإدانة عدوانه.

هذه هي اليوم صورة العالم المحكوم راهناً بنظام الأقوياء، المُستنِد إلى منظومة من النظريات الأخلاقية والقانونية والمؤسسات التقريرية التي تتمتّع بصلاحيات واسعة تتيح لها تجميل المساوئ وصياغة الوقائع بأساليب ملتوية، تفضي إلى استنتاجات ظالمة للحقيقة وأصحابها.

ومع ذلك كلّه، مطلوبٌ من الشعوب والدول الاستسلام والانصياع لهذا النظام الذي يفرضه الظالمون الأقوياء على أصحاب الحقوق المستضعفين في العالم.

إن الأوضاع الدولية والإقليمية والمحلية لا يمكن أن تستقرّ وفق هذا النحو والمنهج، وليس لأحد أن يتوقّع أمناً أو استقراراً أو عدالة أو تنمية مُستدامة في ظل هذا التدبير السائد.

وما تشهده شعوب العالم اليوم، من ظلم واستضعاف ومُصادرة للحقوق أو تضييعٍ للمصالح ونهبٍ للموارد وانتهاكٍ للسيادة، يفاقم تورّماً موجعاً داخل كل بلدٍ ومنطقة يتعرّضان لهذا السلوك العدواني من الطامعين والظالمين الأقوياء اليوم، وصائر حكماً إلى انفجار، يكشف حجم المخاطر التي يستولدها السلوك العدواني، وزيف مزاعم مروّجي الديمقراطية الظالمة التي لا تعدو كونها منهجاً نظرياً يتخفّى خلفه جبابرة مجرمون وقراصنة دوليون.

وعليه، يصير لزاماً على المتشدّقين بالديمقراطية الغربية المزعومة أن يخجلوا من أطماعهم ومنطقهم الذي بات واضحاً أنه الساتر الذي يحجب عن مجتمعاتنا الاستهلاكية حجم المصالح المرجوّة من هؤلاء المتشدّقين، على حساب مصالحنا الإنتاجية الوطنية التي تدفعنا إلى الارتقاء نحو مصافّ الأقوياء في العالم.

فهل صار واضحاً المدى الذي تتلطّى خلفه الديمقراطية الغربية المُدَّعاة، لممارسة منطق القوة على شعوبنا ودولنا تحت ستار الديمقراطية، وانتزاع القوة من مجتمعاتنا كي تبقى ضعيفة مستهلِكَةً لا تقوى على حماية مصالحها ومواردها فضلاً عن الدفاع عن بلدانها وأوطانها؟

ليس لأحد بعد هذا الوضوح، أن يلوم شعوبنا إذا ما انتفضت وتمرّدت، فاللوم حتمي ومُسبق على الأقوياء الانتهازيين لصوص الموارد والسيادة والأمن والحقوق.

يبدو أن البشرية تتجه بعد سلسلة من التجارب التي رعتها الديمقراطية المفتوحة خلال عقود، إلى اعتماد نظام مُعدّل لا بدّ منه حتى تؤتي الديمقراطية أُكُلَها وتُحقَّق النتائج المتوخّاة منها.

ولعل هذا النظام الجديد يقوم على «ديمقراطية الحكماء»، حتى لا تتحكّم بالعالم «رعونة الأقوياء».

رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب الحاج محمد رعد- صحيفة الأخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى