مقالات

عيد العمال والمقهورين

احتفل العالم قبل أيام بيوم العمال، فخرجت المسيرات، ورفرفت الأعلام الحمر في الساحات، وصدحت الحناجر المطالبة بحقوق العمال، والتي تتوعد الرأسمالية بالويل والثبور بصفتها المسؤولة عن استغلال العمال.

انفضت المسيرات وعاد العمّال إلى منازلهم يستعدون ليوم جديد من الكدح يبيعون فيه قوة عملهم للسيد الرأسمالي، من دون أمل حقيقي بتحسين أوضاعهم أو باتحادهم رغم مرور حوالى القرنين على النداء الشهير “يا عمال العالم اتحدوا”.

عند الحديث عن يوم العمال يستعيد الخطباء تاريخ هذه المناسبة، المرتبط بنضال عمال المصانع في أستراليا وكندا والولايات المتحدة، وما قدموه من تضحيات في سبيل ظروف عمل أفضل. دخل هذا الاحتفال إلى بلاد العالم الفقيرة، أو كما تسمى اليوم العالم الجنوبي، على أيدي اليساريين الذين رأوا تجربة الاتحاد السوفياتي في إقرار حقوق العمال، مثالاً يحتذى، ودأبنا على الاحتفال بالمناسبة من فترة باكرة من القرن الماضي، رغم أن الصناعة والمصانع لم تكونا جزءاً مهماً في البنية الاقتصادية والاجتماعية في عالمنا الجنوبي الذي طغى عليه النمط الفلاحي، والإنتاج السلعي الصغير.

جاءت خمسينيات القرن الماضي لتحمل معها بذور ثورة صناعية أطلقتها دول حديثة الاستقلال مثل مصر، وسوريا، والعراق. المفارقة كانت في أن هذه الثورة ترافقت مع إعادة الاعتبار لدور الزراعة كرافد للاقتصاد الوطني لهذه الدول، فكان “عيد الفلاحين في مصر في الـ9 من أيلول (سبتمبر) تخليداً لذكرى قوانين الإصلاح الزراعي 1952، و”عيد الفلاحين” في سوريا يوم الـ14 من كانون الأول (ديسمبر) في ذكرى تأسيس الاتحاد العام للفلاحين 1964، و”عيد الجلاء الزراعي” في تونس يوم الـ12 من أيار (مايو) في ذكرى استرجاع الأراضي الزراعية من المستعمرين الفرنسيين عام 1964.

منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، بدأت المشاريع الوطنية بالذبول، وتراجع دور الصناعة والزراعة في الاقتصادات المحلية، وحل مكانها اقتصاد الخدمات، وسيطرت الاحتكارات بواسطة سماسرتها المحليين على الأسواق. فعلى سبيل المثال تراجعت مساهمة الزراعة في الاقتصاد المصري من 30% عام 1970 إلى 13.8% عام 2025، وفي سوريا من 40% إلى 12% خلال الفترة نفسها. كما شهدت الفترة نفسها خصخصة مؤسسات الصناعات الثقيلة، والتحول نحو الصناعات التحويلية. لم يبقَ من تلك المشاريع الكبرى سوى الذكريات والاحتفالات السنوية التي أصبحت فارغة من معناها الحقيقي.

في كل عام يتراجع العالم الجنوبي أمام التغول الرأسمالي الذي يفرض هيمنته مستغلاً تقدمه التقني في شتى المجالات، وسيطرته على حركة الأموال عبر العالم من خلال أدواته المالية سواء على مستوى الدول من خلال نظام سويفت، أم على مستوى الأفراد والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بواسطة شركات مثل فيزا، وماستر كارد. في ظل هذا التراجع يتردد السؤال حول إمكانية الوحدة بين عامل في العالم الجنوبي بالكاد يجد قوت يومه، وهمه الرئيس الحفاظ على حياته في ظل القذائف التي تسقط على بلاده خلال الحروب الرأسمالية، وعامل في مصانع الغرب التي تصنع الطائرات والقذائف والتقنيات التي تحول حياة الكادحين إلى معاناة لا تنتهي.

في الزلزال الكبير الذي ضرب سوريا عام 2023، سمعت أحد الحاضرين في مراكز الإغاثة يقول إنه لا يحتاج الملابس أو البطانيات التي تحملها قوافل الإغاثة، فهو مثل كثيرين فقد مورد رزقه الذي دمره الزلزال. كانت الدولة الوطنية السورية حينها تعاني أزمة اقتصادية حادة نتيجة عشر سنوات من الحرب والحصار الذي فرضه قانون قيصر. مئات الآلاف من السوريين فقدوا أعمالهم خلال الحرب نتيجة تدمير المصانع وقطع الطرق، وانعدام مقومات الصناعة والزراعة.

تكرر المشهد بقسوة أكبر في غزّة مع العدوان الصهيوني الهمجي ابتداء من أكتوبر 2023. شهد العالم واحدة من أبشع المجازر في التاريخ البشري، الموت بالسلاح والمرض والجوع وسط حرب لم تدخر الرأسمالية سلاحاً في مخازنها إلا واستخدمته ضد المدنيين، وكرست قوتها وهيمنتها السياسية لتفرض حصاراً خانقاً، وسط دعوات صريحة لقتل الفلسطينيين بكل الوسائل. تجاوزت نسبة البطالة في غزّة 85%، وتحول العمال والفلاحون إلى ضحايا لقمة العيش التي تحملها الشاحنات ويستخدمها العدو فخاخاً لقتل المزيد من الفلسطينيين. فقدت العائلات معيليها الذين قضوا بالحرب، وفقد الألاف قدرتهم على العمل بسبب الإصابات والإعاقات المزمنة.

لم يختلف المشهد كثيراً في لبنان، الذي عانى سكانه خاصة في الجنوب البطل من ويلات الحروب والقتل والتدمير، وشاهد العالم مشاهد تدمير قرى عن بكرة أبيها من قبل جيش الاحتلال. لم تكتفِ الآلة الاستعمارية بالموت والدمار، بل استخدمت سطوتها السياسية لتمنع استقبال اللاجئين، بشن حملات إعلامية ضدهم، وبتجريم المقاومين واعتبارهم خارجين عن القانون.

وها هو الغرب الاستعماري يحاول إعادة المشهد نفسه من خلال حربه الإجرامية على إيران، مستهدفا البنى التحتية من جسور ومصانع ومعامل كهرباء وتكرير نفط، لتضاف إلى جرائمه بحق الأطفال والمدنيين. وفي محاولة لدعم عدوانه العسكري لجأ العدو إلى الحصار البحري، لتشديد الخناق على الاقتصاد الإيراني الذي حقق قفزات جبارة في مجال التقنية والتصنيع رغم الحصار المستمر منذ حوالى خمسة عقود.

نستطيع الاستنتاج أن ما يمر به عمال العالم الجنوبي وكادحوه يختلف جذرياً عمّا يعانيه عمال الغرب، رغم أن عدوهما واحد، متمثلاً في الرأسمالية العالمية. هذا العدو لا يكتفي بنهب فائض القيمة الذي ينتج عن استغلال العامل في عالمنا الجنوبي، بل يضيف إليه استلاب حياته، وتدمير مصدر رزقه. معركة العامل في عالمنا ليست “ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات نوم، ثماني ساعات ترفيه وتسلية”. إنها معركة بقاء يشترك فيها العامل مع الفلاح مع كل من يضطر إلى بيع قوة عمله، ضد مستغليهم وقاتليهم. وهي حرب لا تقبل دعوات إصلاح الرأسمالية أو التصالح معها، فهي بين نقيضين ولن تنتهي إلا بنفي أحدهما للآخر.

عماد الحطبة – الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى