مقالات
LBCI انزلقت إلى مجرور الفتنة

اندفعت LBCI نحو محتوى ساخر قائم على الرسوم والذكاء الاصطناعي، لكنّ الهفوة الأخيرة تجاوزت حدود الترفيه إلى إشعال توتّر طائفي خطير. فيديو مستوحى من «أنغري بيردز» فجّر حملات متبادلة وطرح سؤالاً حاداً حول مسؤولية الإعلام في بلد هشّ، حيث قد تتحوّل السخرية سريعاً إلى شرارة فتنة
قبل أسبوعَين تقريباً، نشرت «الأخبار» مقالاً تحت عنوان «مراهقون يسرحون ويمرحون في LBCI» («الأخبار» 23/4/2026)، تناول موضوع صفحة BB Channel وصاحبها حسن الخطيب الذي انضمّ إلى القناة وينشر مقاطع رسوم متحرّكة وذكاء اصطناعي من إنتاجه تسخر من الشخصيّات السياسية وتركّز على مسؤولي «حزب الله» وسابقاً «التيار الوطني الحرّ».
في حينه، تناولنا نشر القناة أحد هذه المقاطع متضمّناً الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يرقص على أنغام الدبكة اللبنانية تحت شعار «اجعلوا لبنان عظيماً من جديد». وأوردنا أنّ المراهقين الذين أخذوا مكان «المخضرمين» في القناة ولا سيّما على السوشال ميديا، يتّجهون نحو تدمير هيبة قناتهم بصفتها وسيلة إعلامية «عريقة»، ونحو فقدان ثقة شريحة واسعة من اللبنانيّين بعدما بنت صورتها عبر السنوات كـ«محايدة».
«عصافير غاضبة» تشعل حرباً أهلية افتراضية
بالكاد مرّ أسبوعان حتّى كاد يتسبّب مقطع جديد في الفتنة في بلد بغنى عنها. والعجيب أنّ LBCI التي كانت في الأمس القريب تهتمّ كثيراً لصورتها وترفض الدخول في المتاهات السياسية، باتت تمتهن الكيد السياسي والسخافة مثل شقيقتَيها «الجديد» وmtv.
فقد تضمّن المقطع مقاومين وجنوداً صهاينة، مثل غالبية المقاطع التي ينشرها الخطيب بالتعاون مع القناة. لكن هذه المرّة كان مستوحىً من لعبة Angry Birds الشهيرة، التي يحاول فيها اللاعب «نقف» الطيور نحو جحافل من الخنازير احتلّت ديارهم. هكذا، شُبّه المقاومون بالطيور و«جيش» الاحتلال بالخنازير.
في الشكل، هو تشبيه فيه نوع من الإبداع، وكذلك كان الفنّ في تحريك الرسوم. لكنّ المضمون أظهر الكثير من المراهقة السياسية والجهل ببيئة البلد السياسية. إذ صُوّر الأمين العامّ لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم كطير يشبه الدجاجة وإلى جانبه الطيور الأخرى، قبل أن تقوم الخنازير بقصفهم بالمقاتلات الحربية، ما استدعى حملة واسعة طالت LBCI وأشعلت حملةً مضادّة.
هي ليست المرّة الأولى التي تواجه فيها القناة نقداً لموضوع من هذا النوع، إذ سبق أن تسبّب برنامج «بسمات الوطن» في ردّ فعل مماثل بعد تصويره الأمين العامّ السابق للحزب السيّد الشهيد حسن نصرالله بطريقة كاريكاتورية. فأتى الردّ على المقطع الجديد من بعض مؤيّدي المقاومة بمحاولة ردّ الصاع صاعَين عبر إنتاج صوَر ساخرة أو مهينة عبر الذكاء الاصطناعي للبطريرك الماروني بشارة الراعي، ما أشعل «ميني» حرب أهلية على منصّات التواصل الاجتماعي، وأعاد طرح دور الإعلام ومسؤوليّته ولا سيّما في ظروف كالتي يمرّ بها لبنان.
تقديم الفتنة للعدوّ على طبق من فضّة
في بلد طوباوي، تسقط الخطوط الحمر عن الجميع، ويحقّ لأيّ كان انتقاد أيّ كان طالما أنّه لا يتعدّى على حرّية غيره. لكن لا يمكن إسقاط هذا المنطق في بلد مثل لبنان، ولو أنّنا نسعى نحو تغيير هذا الواقع. لبنان الذي تنخره الطائفية حتّى النخاع، يقف دائماً على كفّ عفريت، فيما يحاول العدوّ استغلال هذا الستاتيكو من أجل تحقيق أهدافه بأقلّ خسائر ممكنة من جانبه. لذا، يُفترض أن يكون الإعلام أكثر انتباهاً في ما ينشره وما يتبنّاه، فكيف إذا كان من صنع شخص لا ناقة له ولا جمل بالأصول المهنية الصحافية؟
الحرب الافتراضية باتت حديث البلد، ووردت في معظم نشرات أخبار مساء السبت حيث طغت لغة رافضة للفتنة. وليلاً، حذفت LBCI المقطع ونشرت أنّه «بناءً لإشارة المدّعي العامّ التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج وإثر مثولها لدى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية، قامت الـLBCI بإزالة المحتوى الرقمي الذي ظهرت فيه شخصية كاريكاتورية لأمين عام «حزب الله » الشيخ نعيم قاسم في فيديو مستوحى من شخصيات لعبة Angry Birds».
مقدّمات نشرات الأخبار
بالعودة إلى نشرات الأخبار، أتى الموضوع في سياق المقدّمات الإخبارية. تناولته mtv بلغة موزونة على غير عادتها، إذ أوردت أنّه «كادت إساءة إعلامية للمرجعيّات الدينية أن تتفاقم في لحظة شديدة الحساسية تتطلّب التعقّل في التعامل».
وأوردت OTV أنّ «لبنان يقف بين اتّفاق ما مع الإسرائيليّين بمعزل عن الدول العربية وتحديداً السعودية وخارج مفهوم السلام العادل كما نصّت عليه مبادرة بيروت العربية عام 2002، وبين خطر فتنة تسوّق لها «إسرائيل» علناً وتعمل عليها بعض الرؤوس الحامية، تمثّلت هذه المرة في التعرّض المتبادل لرموز لبنان الدينية».
أمّا «الجديد»، فاعتبرت أنّ «ثمّة في الداخل من يقرع طبول الفتنة. وعلى مقام أدنى درجات المسؤولية، تلبّدت غيوم الانقسام في الفضاء الافتراضي. ومن فيلم كرتونيّ مشغول بالغباء الاصطناعي، ولزوم ما لا يلزم من الطرفَين في ضوء الوضع الحسّاس الذي تعيشه البلاد، انقسم الشارع بالحملات والحملات المضادّة، فنضح كلّ زاروب بما فيه وركب موجة التحريض وإذكاء خطاب الكراهية بالانحراف نحو المقامات الدينية حدّ الإسفاف صورًا وتعليقاتٍ».
في بلد طوباوي، يحقّ لأيّ
كان انتقاد أيّ كان طالما أنّه
لا يتعدّى على حرّية غيره
من جهتها، خصّصت «المنار» مقدّمة مطوّلة متناولةً الموضوع، جاء فيها أنّه «فيما بازار التسابق بتأجير المنابر والشاشات متأصّل ومتواصل لدى البعض في خدمة أيّ كان من دون أيّ اعتبار للسّلم الأهلي في هذا الظرف الحسّاس، كان فيديو معلوم الهدف والغايات الشديدة الخطورة على البلد واستقراره. فيديو نشرته قناة LBCI متطاولاً على المقام الروحي والوطني للأمين العامّ لـ«حزب الله» سماحة الشيخ نعيم قاسم ومسيئاً للمقاومين الذين يدافعون عن شرف وكرامة كلّ لبنان، متجاوزًا حدود الاختلافِ السياسي بطريقة مهينة ورخيصة تهبط بالتعبير السياسي إلى مستوى مُقزّز، كما جاء في بيان «حزب الله» الذي وصف الخطوة بالمقصودة لحقن الشارع وتوتير المجتمع بهدف استجرار ردود فعل تحاكي الفعل الاستفزازي نفسه، بغية إثارة فتنة غير قابلة للضبط بين اللبنانيّين».
وحدها LBCI تجاهلت الأمر تماماً في مقدّمتها، وقرّرت تخصيص مقدّمة مطوّلة فقط للهجوم على «حزب الله»، أعادت فيها علك سردية «إسناد إيران» و«الصواريخ الستّة» واتّباع المنطق الانهزامي الذي يرافقها. فاعتمدت القناة السفسطائية لتجاهل أنّ العدوان كان واقعاً حتّى خلال «هدنة الـ15 شهراً»، وأنّ المقاومة ردّت على هذا العدوان ورأت مشاركة إيران فرصة سانحة لتشتيت العدوّ، وأنّ المقاومة لا ترفض المفاوضات بل فقط كونها مباشرة، وفوق ذلك ادّعت ألّا خيار سوى التفاوض المباشر مع العدوّ وهي اللغة التي يستخدمها الأميركيّون لابتزاز لبنان!
مهاجمة «الأخبار» بعد استشهاد آمال خليل
المقال الذي سبق أن نشرته «الأخبار» عن المقاطع التي يصنعها حسن الخطيب، لم يمرّ مرور الكرام لدى صانعها. ورغم أنّ المقال كان صحافيّاً بحتاً ونقل فقط وقائع حصلت فعلاً ويمكن لأيّ كان العودة إليه، إلّا أنّ «العقل» الذي يقف خلف المقاطع لا يفهم سوى لغة الكيدية والسخافة. هكذا، لجأ إلى السخرية من «الأخبار» واستخدام شعارها في مقطع نشره مع LBCI في 24 نيسان (أبريل) الماضي، أي بعد يوم واحد على استشهاد الزميلة آمال خليل، التي للمفارقة لم يأتِ صانع المحتوى السخيف على ذكرها بتاتاً.
في المقطع، أعاد إنتاج لقاء السفيرة اللبنانية في واشنطن مع نظيرها الإسرائيلي عبر شخصيّات «ليغو»، وقولها أمام ترامب «اجعلوا لبنان عظيماً من جديد». بعدها، تظهر مجموعة من الناس تقرأ «الأخبار» حيث توضع صورة للشيخ نعيم قاسم مع عبارة «منتصرين» (مع الخطأ اللغوي). هكذا، حرّف الخطيب الواقع وأظهر جهله ليس بالسياسة فحسب، بل بالمشهد الإعلامي واللغة العربية.
كذلك، نشر مقالاً عبر «النهار» ادّعى فيه أنّه «كلّما نشَر صحافي أو وسيلة إعلامية موقفاً أو رأياً أو حتّى خبراً معارضاً لسياسة «الأخبار» الموالية لـ«حزب الله» وإيران، تنبري أقلام صحافيّيها في تخوينه وإطلاق صفات الخيانة والعمالة ضدّه». وأضاف الخطيب أنّ «أحد صحافيّي الجريدة (كاتب هذه السطور) كتب مقالة تخوينية ضدّي (أي ضدّ الخطيب) لنشري محتوى رقميّاً حول الواقع السياسي في لبنان، وهو ما أعتبره تحريضاً ضدّي كونه قد يشجّع بيئة هذه الجريدة وجمهورها على الاعتداء عليّ بعدما أطلقوا اتّهامات تخوينية».
في ما يلي ردّنا على ما ورد. أوّلاً، ورود اسم الخطيب أتى مع اسم صفحته، وهو لا يخفي هويّته أساساً، فيما لم توجَّه إليه أيّ عبارات شخصية. ثانياً، دأب الخطيب على السخرية من كلّ الشخصيّات بأسخف الطرق، وعندما طاله بعض النقد لعب دور الضحية!
ثالثاً، لم يحمل مقال «الأخبار» السابق أيّ تخوين ولا اتّهاماً بالعمالة ولا أيّ أمر مشابه، بل نقل ردّ فعل الناشطين على قيام الخطيب بنشر محتوى مؤيّد لترامب المكروه عالميّاً وإعطائه صبغة لبنانية مقابل نزعها عن شريحة من الشعب، وهو حقّ صحافي بديهي. رابعاً، من الواضح أنّ الخطيب لا يعرف أيّ شيء عن «الأخبار»، وهو اعترف بذلك فعلاً في أحد ردوده على منصّة «إكس» مستخدماً عبارة بذيئة. فهو على الأرجح يظنّ أنّها جريدة تابعة لـ«حزب الله»، بطريقة تنميطية لكلّ مَن يؤيّد الحقّ في مقاومة الاحتلال، فيما الواقع أنّه فقط في «الأخبار» يكتب أحد انتقاداً للجريدة نفسها، وبالطبع لن يفهم الخطيب وإعلامه أمراً من هذا النوع.
خامساً وبناءً على ما سبق، يصوّر الخطيب في مقاله ما يصفه بـ«بيئة هذه الجريدة» كأنّها مجموعة من البرابرة، وهي نظرة عنصرية تتكامل مع نظرته إلى المقاومة وهويّة الجريدة كما يتخيّلها، وكذلك مع بارانويا «بعبع» الحزب. لكن فاته أنّ حتّى القائمين على إعلامه أنفسهم يعترفون ساخرين أنّه لولا «الأخبار» لما كانت لديهم أخبار!
«الولد ولد ولو حكم بلد»
كم يشبه صانع المحتوى السخيف قدوتَه ترامب؛ بالاستعراض والنرجسية، بالثقة الزائدة عن حدّها حتّى عندما يكون على خطأ، بلعب دور الضحية، بعدم تقبّل النقد رغم شتمه الآخرين… ورغم إطلاقنا صفّارة الإنذار في المرّة السابقة، ليس فقط بالنسبة إلى توجيه السردية، بل كذلك لتأثير الأمر على LBCI نفسها، إلّا أنّ السخافة أكملت على قدم وساق، على الأرجح لخدمة أجندات خارجية.
صحيح أنّ السخافة لا تستحقّ أكثر من التجاهل. لكنّنا في لبنان، حيث وصلت قبل أيّام إلى حدّ كاد يودي بالبلد إلى ما لا تُحمد عقباه من اقتتال داخلي وباب مشرّع لاحتلال «مشرّع»، بمباركة من سلطة ترمي هي الأخرى «فتّيشة» العصبيّات الطائفية بين الحين والآخر. هنا، يسقط مثال شعبي لبناني في مكانه مثل قطعة الأحجية: «الولد ولد ولو حكم بلد».
نزار نمر-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.




