مقالات

تصريحات ترامب: اضطراب سياسي أم إرباك للخصم؟

لطالما أثارت تصريحات ترامب جدلاً كبيراً، ما بين مؤيّد يعتبرها مقصودة الهدف منها إرباك الخصم وتشتيت انتباهه عمّا يريده ترامب. ومعارض يرى أنها جاءت من رجل لا يتمتع بكامل قواه العقلية. وبات السؤال هنا: هل تعتبر هذه التصريحات اضطراباً سياسياً أم أداة لإرباك الخصم؟

تصريحات ترامب المتناقضة تنمّ غالباً عن حالة من الاضطراب النفسي وفقاً لتقارير أطبائه، لكنها وفي كثير من الأحيان تهدف أيضاً إلى ممارسة الضغط على الخصم وتشتيت انتباهه، ليتمكّن ترامب من ترهيبه وفرض إرادته عليه.

ترامب شخصية غير توقّعية، لذا علينا أن لا نصغي إلى ما يقوله، بل نراقب أفعاله وتصرّفاته، التي تعكس غالباً رغبته في السيطرة والاستحواذ على كلّ شيء.

كثيرون رأوا أنّ أسلوبه المباشر وغير المعتاد في التواصل يسهم في خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي، وأنّ تصريحاته قد تؤدّي إلى انقسامات عميقة داخل المجتمع، مما يزيد من حدّة التوترات الداخلية.

حالة الاستقطاب الشديدة التي يشهدها المجتمع الأميركي والتي تصل حدّ اعتبارها “حرباً أهلية صامتة” كان لترامب دور كبير في تأجيجها، خاصة وأنّ خطابه الشعبوي جعله يتجاوز كلّ البروتوكولات والأعراف، وبالتالي خلق حالة من “الأناركية الممسوخة”.

وفيما يتعلّق بإيران، أثبتت التجربة أنّ الأمر لا يتوقّف على ترامب وتصريحاته، بقدر ما يتوقّف على المتلقّي لتلك التصريحات وقدرته على التعاطي معها. وهو ما أدركه صانع القرار الإيراني، فتعاطى معها ببروده المعهود الذي أفقد تلك التصريحات هيبتها، وجرّد ترامب مما تبقّى من مصداقيّة. فتوظيفه الكبير لنظرية “الرجل المجنون” المستعدّ لفعل أيّ شيء، يبدو أنها لم ترهب صانع القرار في إيران، الذي بقي يتصرّف بصبر صانع السجّاد وحنكته.

لم تستطع الولايات المتحدة أن تبرّر حربها على إيران، فلم تقنع الداخل الأميركي بجدوى هذه الحرب، ولم تقنع الدول الكبرى بالمشاركة فيها. في حين أنّ كلّ الحروب السابقة التي خاضتها الولايات المتحدة كانت بمساعدة الحلفاء، مع الإصرار على أن لا تكون “إسرائيل” مشاركة فيها.

فشل ترامب في تحقيق أهدافه، قابلته نجاحات كثيرة حقّقتها إيران، لكن من المبكر الحديث عن النصر والهزيمة، فالفشل لا يعني الهزيمة، كما أنّ النجاح لا يعني الانتصار بالضرورة، طالما أنّ الحرب لم تحسم بعد.

نهاية الحرب قبل القمة بين الرئيسين الصيني والأميركي

الحرب على إيران انتهت وفقاً لما قاله ترامب للكونغرس، ومن الممكن القيام بعملية عسكرية محدودة، ومن غير المستبعد أن تكون بالاتفاق بين الجانبين، بحيث يخرج ترامب بسردية انتصار ما يقدّمها للشعب الأميركي.

هذه العملية يجب أن تنتهي خلال أيام، وتحديداً قبل زيارة ترامب المنتظرة إلى الصين في منتصف هذا الشهر.

ترامب لا يريد اتفاقاً محدوداً مع طهران، بل يسعى لعقد صفقة كبرى معها تعيد دمجها بالاقتصاد العالمي، مع ضمان ما يحقّقه ذلك من فوائد اقتصادية للولايات المتحدة الأميركية.

إيران من جهتها تسعى لتحويل الحرب إلى فرصة، عبر التوصّل إلى اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة، يضمن عدم تكرار الاعتداءات عليها، ويسمح لها بإدارة مضيق هرمز لتوظيف تلك العائدات في إعادة بناء ما دمّرته الحرب.

 نجحت إيران في تحويل الحرب من “حرب خاطفة” كما أرادتها الولايات المتحدة، إلى “حرب استنزاف” استمرت 60 يوماً، صمدت خلالها طهران، رغم استخدام أميركا و”إسرائيل” كلّ حدود القوة لديهم.

إيران باتت اليوم القوة الرابعة عالمياً في صناعات الفضاء والأقمار الاصطناعية، وهو ما يعكس اهتمامها بتطوير قدراتها غير التقليدية.

في المقابل، تحدّثت وسائل الاعلام الأميركية عن عدة سيناريوهات، جميعها تستبعد أن تكون الحرب على إيران قد انتهت، وتؤكّد أنّ الأيام المقبلة ستشهد نوعاً من التصعيد الهدف منه خلق واقع جديد يجبر طهران على العودة إلى المفاوضات وفقاً للشروط الأميركية.

القيام بعملية برية كبيرة أمر مستبعد، نظراً لكبر مساحة إيران وصعوبة تضاريسها، وعدم وجود حلفاء مشاركين للقوات الأميركية. والمرجّح هو الاستمرار بالحصار البحري لإيران، أو القيام بضربات جوية محدودة تستهدف القيادة الإيرانية، أو القيام بعملية إنزال لاحتلال جزيرة خرج مع ما لهذه العملية من مخاطر كبيرة، مع المضي بإحكام إغلاق مضيق هرمز أمام السفن الإيرانية.

أمن المضيق

تنظر طهران إلى مضيق هرمز باعتباره ورقة ردع في مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية. لذلك كثيراً ما تربط بين حرية الملاحة وبين أمن صادراتها النفطية، أي أنّ منع إيران من تصدير نفطها قد يدفعها إلى تهديد حركة الطاقة العالمية.

كانت إيران قد طرحت منذ العام 2019 مبادرة “هرمز للسلام” التي دعت إلى التعاون الأمني بين دول الخليج، واحترام سيادة بعضها البعض، وعدم السماح بالتدخّلات الخارجية.

وعلى الرغم من محدودية التفاعل الدولي مع المبادرة، فإنها عكست محاولة إيران تقديم نفسها كطرف ضامن للأمن الإقليمي لا كمصدر تهديد له فقط.

الحصار الأميركي لمضيق هرمز الهدف منه الانتقال إلى المرحلة الثانية من الحرب، وهي الحرب الاقتصادية التي تعوّل الولايات المتحدة عليها في إضعاف إيران وإجبارها على الاستسلام. كما أنه يأتي استكمالاً للخطة الأميركية الرامية إلى خنق الصين، ومنع وصول نفط المنطقة إليها.

رغبة ترامب في استمرار الحصار على إيران لن تؤدّي بالضرورة إلى استسلامها وسقوط النظام فيها، خاصة وأنها دولة تمرّست على التعامل مع الحصار المفروض عليها منذ عام 1979. كما أنها محاطة بسبع دول تربطها علاقات جيدة معها، وبالتالي ستساعدها في كسر أيّ حصار محتمل.

ستنتقل الأزمة من حصار أميركي على النفط الإيراني إلى حصار إيراني على النفط الخليجي وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وبالتالي اتساع نطاق الأزمة.

استطاعت طهران فرض معادلة جديدة: انهيار العملة الإيرانية سيقابله ارتفاع في أسعار الطاقة، والأمر يتوقّف على من يصرخ أوّلاً.

ترفض طهران التعجّل في حسم الملف النووي، وتقترح فصل المسارات، لتبدأ بوقف إطلاق النار ورفع الحصار، ومن ثمّ الانتقال إلى مفاوضات أوسع وأكثر تعقيداً بين الجانبين.

إيران باتت أكثر طموحاً ولم تعد معنية بالقتال بغيرها، وهو ما جعل رؤيتها الاستراتيجية ذات طابع هجومي بعد أن كانت دفاعية. ويبدو أنّ إيران قد وسّعت “استراتيجة الردع” كي لا تقتصر على استهداف القواعد العسكرية كما كان في الماضي، بل قد تتطوّر لتشمل السفن وحاملات الطائرات، وبالتالي توسيع نطاق الاشتباك ليشمل المجال البحري أيضاً.

تسعى طهران إلى زيادة كلفة أيّ قرار عسكري أميركي محتمل، ولا سيما في ظلّ الضغوط السياسية الداخلية المرتبطة بموعد انتهاء مهلة الكونغرس. وعلى الجانب المقابل، تواصل واشنطن ممارستها للضغط بوسائل غير عسكرية، من ضمنها السعي لتمديد الحصار البحري على إيران، وهو ما تراه طهران إجراء عدائياً موازياً للعمل العسكري وقد يشكّل مبرّراً للردّ بالمثل.

ترامب: استعداء الجميع

برع ترامب في خسارة الجميع، فهاجم الناتو واستعدى الدول الأوروبية، وتخلّى عن دول الخليج، هذا إضافة إلى عدائه لروسيا والصين.

حتى بريطانيا الحليف التاريخي للولايات المتحدة لم تسلم من ترامب، وحديث الملك تشارلز عند زيارته للولايات المتحدة عكس كثيراً الهوة الكبيرة بين البلدين.

إعلان ترامب سحب قواته من ألمانيا سيشكّل شرخاً كبيراً بين أميركا والناتو، وهو إعلان بأنّ الولايات المتحدة لم تعد معنية بأمن “القارة العجوز”، وأنّ أميركا باتت اليوم “حامياً مأجوراً”.

جدّية ترامب في إيجاد حلّ للأزمة مع إيران لا تبدو حقيقية، ولا يمكن الحسم فيما لو كان يريد فعلاً وضع نهاية لهذه الحرب أم أنه يفكّر بتوسيع نطاقها.

اعتمد ترامب في مفاوضاته مع إيران على شخصين ليس لهما خبرة في التفاوض وإدارة العمل الدبلوماسي (ويتكوف وكوشنر)، في حين اختارت طهران أبرع دبلوماسييها وأكثرهم حنكة وإلماماً في هذا الملف.

اعتمد ترامب استراتيجية “الرهان على فشل الآخر”، وهو ما لم يتحقّق، وبالتالي أوقع نفسه في ورطة لم تعد تمسّ مستقبله السياسي فقط، بل مسّت سمعة الولايات المتحدة وحضورها على المستوى الدولي.

تراهن إيران على قدراتها وتعمل على مراكمة نقاط قوتها، واستطاعت أن تجعل من مضيق هرمز ورقة ضغط إضافية، كرّست من خلالها فكرة أنّ أمن المنطقة لا يمكن أن يُجزّأ.

تعتمد إيران في حماية نفوذها داخل المضيق على استراتيجية “الحرب غير المتكافئة”، عبر الزوارق السريعة، والصواريخ الساحلية، والطائرات المسيّرة، والألغام البحرية. وتهدف هذه العقيدة إلى تعويض الفارق التقليدي بينها وبين القوة البحرية الأميركية، وجعل أيّ مواجهة في المضيق مكلفة للغاية.

تسعى طهران إلى صياغة بروتوكول أمني جديد لفتح المضيق الذي تعدّه جزءاً من أمنها القومي المباشر وأداة استراتيجية في إدارة توازنات القوة مع الولايات المتحدة ودول الخليج.

ترى طهران أنّ أمن الخليج وحماية مضيق هرمز أمر يعني دول المنطقة وحدها. وتطرح طهران مفهوم “الأمن الجماعي الإقليمي” باعتباره بديلاً للتحالفات العسكرية الغربية، وترى أنّ الوجود الأجنبي هو مصدر التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.

الرؤية الإيرانية لأمن مضيق هرمز تقوم على معادلة مزدوجة: حماية السيادة الإيرانية ومنع تطويقها استراتيجياً، مع استخدام المضيق كورقة توازن وردع في مواجهة القوى الدولية.

فأمن مضيق هرمز بالنسبة لإيران يعدّ جزءاً من معركة النفوذ الإقليمي وإدارة الصراع الدولي في الخليج، وليس مجرّد ملف ملاحي أو اقتصادي فحسب.

القول إنّ هناك استراتيجية أميركية واضحة لإدارة الحرب غير دقيق، وكذلك القول إنه لا توجد استراتيجية أمر غير صحيح، وهو ما يجعل التنبّؤ بمسار هذه الحرب أمراً بالغ التعقيد.

في ظلّ ما يصدر عن ترامب من تصريحات متضاربة تبقى أنظار العالم متجهة إلى منطقة الشرق الأوسط، حيث الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لم تحسم، ولا يمكن لأحد التكهّن بمتى وكيف ستنتهي…

شاهر الشاهر – الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى