مقالات
كيف عززت الحرب على إيران التقارب بين مصر وباكستان؟
كشفت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران عن تحوّلات مفصلية في طبيعة العلاقات الدولية والإقليمية، إذ باتت توازنات القوى وإعادة تشكيل التحالفات أبرز السمات الضابطة لإيقاع المشهد في بنية النظام الدولي، وكان أبرز ملامح تشكل التحالفات الإقليمية الحاصلة هو التقارب المتسارع، دبلوماسياً وعسكرياً، بين مصر وباكستان الذي شهد تقارباً ملحوظاً، دُشن خلال الأيام الماضية بالإعلان عن إجراء مناورة “رعد 2”.. فكيف أُثرت الحرب على إيران في التقارب غير التقليدي بين مصر وباكستان؟، وما محددات هذا التقارب وآفاقه والعوامل المؤثرة فيه؟
أعلن المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية، الموافق 9 نيسان/أبريل 2026، عن انطلاق فعاليات التدريب العسكري المشترك “رعد-2” على الأراضي الباكستانية، بمشاركة وحدات نخبوية من القوات الخاصة لكلا البلدين.
بينما نقل موقع “باكستان توداي” عن بيان رسمي للقوات المسلحة الباكستانية، أن هذه التدريبات انطلقت فعلياً يوم 6 نيسان/أبريل 2026 في مدرسة العمليات الخاصة بمنطقة “شيرات” شمالي باكستان، وتستمر فعالياتها لمدة أسبوعين.
تمثلت أهمية التقارب الحالي بين مصر وباكستان في مناورة “رعد2” كنموذج؛ من خلال البيئة الدولية والإقليمية الحاصلة لا سيما على وقع تداعيات الحرب الدائرة على إيران؛ وهو ما يعزز التقارب الذي ظهر بشكل لافت خلال أزمة الحرب الإيرانية، وفي ظل تنامي العلاقات الثنائية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية.
يُذكر أنه في شباط/فبراير 2024 جرت بين البلدين مناورة “رعد1″؛ بمشاركة عناصر من قوات المظلات والصاعقة المصرية والقوات الخاصة الباكستانية في مصر. وقد مرت تلك المناورة آنذاك كأي مناورة عادية، ولكن مناورة “رعد2” بين مصر وباكستان وتحديداً الآن لا يمكن قراءتها كحدث عسكري تقني فقط، بل هي رسالة سياسية واستراتيجية متعددة الطبقات تعكس تحولات أعمق في البيئة الإقليمية، خاصة في ظل تداعيات الحرب على إيران.
قطعاً لا يمكن اختصار ملامح التقارب الحاصل بين مصر وباكستان ودلالاته في إجراء مناورة “رعد2″، على أهميتها، ولكن هناك محددات أفضت إليها الحرب الحاصلة على إيران اقتضت ضرورة بلورة هذا التقارب بأفعال ومناورات وليس مجرد توافق وتقاطع في المواقف فقط، وعليه فإن محددات التقارب بين مصر وباكستان يمكن إيجازها في الآتي:
– مناورة “رعد2” بين مصر وباكستان هي بداية مسار تقارب أوسع عززته تداعيات الحرب على إيران ولا يمكن اعتباره حدثاً معزولاً عن تلك التداعيات، ويتوقع أن يتسع هذا التقارب ليشمل تدريبات مشتركة أكثر تعقيداً، ويقفز إلى مجال التعاون في الصناعات الدفاعية وقد يشمل التنسيق الاستخباري والأمني وربما يتطور ليصبح إطاراً مؤسسياً للتعاون بين البلدين. وبالتالي، تعد مناورة “رعد2” بحيثياتها وتوقيتها ودلالاتها تعبيراً عملياً عن تحوّل في التفكير الاستراتيجي بين مصر وباكستان من علاقات تقليدية محدودة إلى شراكة أمنية مرنة قائمة على المصالح المشتركة.
– المناورة تحمل إشارات ردع موجهة بالأساس إلى أي قوى إقليمية قد تسعى لفرض معادلات جديدة بالقوة كـ”إسرائيل”. فالتنسيق بين قوتين عسكريتين كبيرتين مثل مصر وباكستان يوحي بقدرة على العمل المشترك خارج الإطار الجغرافي التقليدي لكل دولة. ورغم غياب تحالف رسمي، تعكس المناورة محاولة لإحياء فكرة التعاون العسكري بين دول إسلامية كبرى، ولكن بصيغة براغماتية غير مؤدلجة، تقوم على المصالح والمنفعة المتبادلة.
– جزء من دلالات “رعد 2” يرتبط بأمن البحر الأحمر وبحر العرب، في ظل تصاعد التهديدات للملاحة الدولية. التنسيق هنا يعكس إدراكاً مشتركاً لأهمية حماية سلاسل الإمداد العالمية. المناورة تعكس رغبة مشتركة في استقلالية القرار العسكري، وبناء قدرات تعاون ثنائي.
– الحرب على إيران أعادت تشكل أولويات العلاقات والتحالفات الإقليمية، وبالتالي دفعت دولاً مثل مصر وباكستان إلى ضرورة التقارب من أجل بلورة موقف إقليمي وبناء شراكة قادرة على التكيف وضبط إيقاع الإقليم من دون الانخراط المباشر في الصراعات الحاصلة؛ والموقف المشترك بين بلدين مثل مصر وباكستان يعزز هذا التوجه بدلاً من أن تواجهه كل دولة منفردة.
– انشغال القوى الإقليمية والدولية بالحرب والانخراط فيها بشكل مباشر وغير مباشر خلق مساحة لقوى إقليمية مثل مصر وباكستان لتوسيع دورها من خلال التوافق والشراكة، وهذا أحد أوجه تفسير التقارب الحاصل، توظيف الانشغال لخلق محور إقليمي مصري- باكستاني قد تلحق به تركيا.
-لا يُمكن تفسير التحالفات إذا غابت المصالح، وبالتالي تلاقت مصالح القاهرة وإسلام آباد في احتواء تداعيات الحرب على إيران، خصوصاً في ما يتعلق بأمن الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، فمصر، التي تمثل قناة السويس شرياناً حيوياً لاقتصادها، وجدت نفسها أمام مخاطر متزايدة نتيجة اضطراب الملاحة في الخليج، بينما أدركت باكستان، ذات الموقع الاستراتيجي على بحر العرب، أن استقرار الإقليم بات شرطاً أساسياً لأمنها الاقتصادي. هذا الإدراك المشترك عزز التقارب وضرورة التنسيق بين البلدين في ملفات الأمن البحري والتجارة الدولية. وبالتالي، لعب العامل الاقتصادي دوراً حاسماً في التقارب الحاصل بين البلدين.
– هناك رغبة من جانب باكستان في الاستفادة من موقع مصر الجغرافي على البحر الأحمر وتوسعة قناة السويس، من أجل إقامة مشروعات تجارية يمكن أن تصل بسهولة إلى أسواق أفريقيا.
في المقابل، القاهرة لديها رغبة في الربط بين ميناء جوادر في باكستان وقناة السويس للحفاظ على حركة تجارة قائمة في ظل تراجع الملاحة الدولية، وهناك تجهيزات لإنشاء خط شحن مباشر بين العين السخنة وميناء جوادر.
هذا الربط المحتمل بين جوادر وقناة السويس لا يعكس فقط تقارباً ثنائياً بين مصر وباكستان، بل يشير إلى محاولة لإعادة رسم خريطة التجارة بين آسيا وأفريقيا، خاصة في ظل التهديدات التي تواجه الممرات التقليدية.
– التقارب بين مصر وباكستان يحمل رسائل ضمنية إلى أميركا و”إسرائيل”، في ظل تصاعد الشكوك العربية في مصداقية الحليف الأميركي وإمكانية الاعتماد عليه في الصراع مع “إسرائيل”، ويشكّل التقارب بين مصر وباكستان تحدياً مباشراً للتوازن الإقليمي الذي بنته “تل أبيب” منذ اتفاقية السلام عام 1979.
فباكستان لا تعترف بـ”إسرائيل”، وتدعم القضية الفلسطينية بقوة، وهو ما يجعل التعاون مع مصر أداة لتعزيز موقف القاهرة الداعم لفلسطين.
– تنظر باكستان إلى مصر بوصفها شريكاً محورياً في العالم العربي، فيما ترى القاهرة في إسلام آباد قوة نووية إسلامية مهمة. وكلا البلدين يتبنيان مواقف متقاربة داخل منظمة التعاون الإسلامي، ولا سيما في قضايا فلسطين وكشمير.
وبالتالي، فإن تقارب مصر وباكستان أسوأ كابوس أفضت إليه الحرب على إيران لأنه ببساطة شديدة قد يكون مقدمة لمحور جديد في المنطقة؛ يُعطل الحلم الصهيوني في بناء “إسرائيل الكبرى”، وهناك قلق إسرائيلي مُعلن من هذا التقارب عبّر عنه عضو مجلس إدارة معهد “ميتافيم” وأستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة العبرية، وعضو ائتلاف الأمن الإقليمي، “إيلي فودا” في مقال نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”.
إن مستقبل التقارب بين مصر وباكستان مرهون بمجموعة من المحددات والعوامل المتداخلة، وهو تقارب يتجه نحو تعميق تدريجي؛ فكل من مصر وباكستان يواجهان بيئة مضطربة، الأمر الذي يعزز المصلحة المشتركة والمنفعة المتبادلة، وكلاهما يسعى لتحديث تحالفاته فمصر تسعى لتقليل اعتمادها على شركاء تقليديين، وباكستان بدورها تحاول تحقيق توازن بين علاقاتها مع الصين والغرب والعالم الإسلامي، والتقارب بينهما يوفر هامش مناورة أوسع للطرفين.
ولكنه تقارب مشروط محكوم بمتغيرات إقليمية ودولية واختلاف الأولويات، إذ لا يمكن الحديث عن تقارب مصري- باكستاني بمعزل عن العامل الخليجي الذي قد يكبح هذا التقارب أو يدعمه وفق مصالحه. وهو تقارب لا يمكن فهمه بمعزل عن التداعيات التي أفضت إليها الحرب على إيران والتي أعادت ترتيب أولويات الدول، إن استمرار التقارب بين مصر باكستان وقدرته على تجاوز العقبات قد يُفضي إلى تشكل محور جديد يمتد من شمال أفريقيا إلى جنوب آسيا يحمل في دلالاته ملامح نظام إقليمي جديد خارج الوصاية الأميركية والمطامع الإسرائيلية.
فهل يتحوّل التقارب بين مصر وباكستان إلى تحالف استراتيجي يتمدد إلى دول أخرى؟ أم سنقف أمام تقارب طارئ ظرفي دعت إليه تداعيات الحرب على إيران؟ الإجابة تبقى مُعلقة على ما تحمله الأيام القادمة، ولكن المؤكد أن الحرب على إيران فتحت نافذة جديدة لإعادة تشكيل العلاقات الإقليمية، وتقارب مصر وباكستان إحدى إطلالات تلك النافذة.
ثابت العمور – الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



