مقالات
حين يصبح الاعلام «بوسطجي» اسرائيل

تتحوّل المجازر الإسرائيلية في لبنان إلى «ضربات دقيقة» ضمن سردية إعلامية تعيد توجيه النقاش من مساءلة الفاعل إلى البحث عن «المُستهدف».
ومع تكرار هذه اللغة وتبنّيها، تكتسب السردية شرعية تدريجيةً، فتُهمَّش الأبعاد الإنسانية والقانونية، ويتكرس الانقسام الداخلي، فيما تتحول المصطلحات إلى أداة تعيد تشكيل الوعي وتبرر العنف
بعد كل قصف إسرائيلي خارج الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، ومع كل مجزرة يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، يبدأ التساؤل عن المستهدف والهدف. تنطلق عملية البحث عن متغلغل بين «المدنيين» وبين المنازل، وتسقط، عمداً أو سهواً، مسؤولية الاحتلال عن هذا الإجرام.
تَكرّس هذا النمط منذ بداية الحرب في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وشيئاً فشيئاً تغلغلَت السردية الإسرائيلية بأن كل قصف هو استهداف محدد، وليس رغبة إسرائيل في القتل والتدمير وتجربة أسلحتها الجديدة.
حرب المصطلحات
يخرج علينا المتحدث باسم العدو ليكرّر المصطلحات نفسها، من «ضربات دقيقة» إلى «أهداف عسكرية محددة» و«إرهابيين»، وينساق خلفه الإعلام اللبناني، وبعضه يتخطاه ليبحث بنفسه عن المستهدف.
وحين تقتل إسرائيل 357 شخصاً في عشر دقائق، يؤكد رئيس الحكومة نواف سلام بأنه كانت هناك أهداف لـ «حزب الله» في العاصمة. وقبله روايات كثيرة عن علاقات غرامية وزيارات خاطفة، من دون دليل واحد لها، في تأكيد لسردية العدو وتبرير قتله المدنيين في بيوتهم.
وهنا نحن أمام إشكاليتين: الأولى أنه حتى لو كان القصف يستهدف مقاتلاً، فلا يحق للعدو قتل جندي إن لم يكن على الجبهة، وفق ما ينصّ عليه القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف وما استُكمل بها في البروتوكول الإضافي الأول، على مبدأ أساسي هو حماية كل شخص يصبح «خارج القتال».
أما الإشكالية الثانية، فهي الاستسلام التام أمام العدو، وتبنّي سرديته، ما يضفي شرعيةً على حربه من جهة، ويعزز الانقسام الداخلي بين مستهدف وآمن من جهة أخرى. كما يُحظّر على مواطن لبناني التنقل في بلده، لأن إسرائيل ـــ فوق قتلها وتدميرها واحتلالها لأرضنا ــــ أعطت لنفسها الحق للعمل كشرطي سير على تحركات اللبنانيين.
وهذا ينزع الصفة الإنسانية والمواطنة عن جزء من المواطنين، ويضعهم أمام خطر موت دائم، من دون حتى اعتراف رسمي بلبنانيتهم.
تعزيز السردية
المصطلحات التي تستخدمها إسرائيل في الحرب هي جزء من منظومة متكاملة، تهدف إلى تشكيل إدراك معيّن لدى الرأي العام اللبناني والدولي، لتبرير جرائمها.
لدى الحديث عن دقة الضربات، يجب التمييز أولاً بين «الدقة» كخاصّية تقنية و«الدقة» كأداة سياسية.
من الناحية العسكرية، شهد العالم تطوراً كبيراً في الأسلحة الموجهة، مثل الصواريخ المرتبطة بنظام تحديد المواقع أو الموجهة بالليزر.
هذه الأسلحة قادرة فعلياً على إصابة هدف محدد ضمن نطاق ضيق، مقارنة بالقصف التقليدي الذي كان عشوائياً إلى حدٍ كبير.
لذلك، عندما تتحدث إسرائيل عن «ضربات دقيقة»، فهي تستند إلى واقع تكنولوجي موجود. غير أنّ هذه الحقيقة التقنية تتحول بسرعة إلى عنصر ضمن خطاب سياسي أوسع، وأداة عسكرية لتبرير قتل أكثر من 2100 شخص.
وبعدها يجاهر وزير «الأمن» الإسرائيلي يسرائيل كاتس بالقول إنه في يوم الأربعاء الأسود «اغتيل 200 مسلّح من «حزب الله » في لبنان، ليرتفع عدد قتلاه بالحملة الأخيرة إلى 1400».
المصطلحات تعيد تشكيل الواقع والحقيقة وتمنع المساءلة عن إسرائيل
تبدأ المشكلة حين يكون «الهدف المحدد» موجوداً داخل بيئة مدنية كثيفة، وهو ما يحدث كثيراً في الحروب التي تخوضها مقاومات.
في هذه الحالات، حتى أكثر الأسلحة دقة يمكن أن تؤدي إلى نتائج كارثية. لا يغيّر استهداف مبنى بدقة عالية من حقيقة أنّ هذا المبنى غالباً ما يكون مأهولاً بالسكان، أو محاطاً بمنازل أخرى، أو يقع في حي مكتظ.
تأتي الرواية الإعلامية لتحسم العملية، عبر استخدام مصطلحات مثل «أهداف عالية القيمة» أو «بنية تحتية عسكرية»، ما يضفي طابعاً تقنياً وبارداً على عمليات في غاية العنف.
تُبعد هذه اللغة المتلقي عن التفكير في النتائج الإنسانية والمسؤولية المباشرة، وتجعله يركز على منطق عسكري يدور حول طبيعة الهدف وهوية المستهدف، كأن القتل بات طبيعياً ومبرَّراً.
وتكرار هذه المصطلحات عبر وسائل الإعلام، ولا سيما الدولية، يعزز ترسيخها في الوعي العام، وتحديداً عندما تأتي من مصادر رسمية أو من قبل الحكومة اللبنانية ووسائل إعلام محلية.
مراحل تثبيت السردية
تمكنت إسرائيل من تثبيت هذا الخطاب على مراحل عدة، فبدأت بالإنتاج الأولي للسردية، بعدما صاغتها المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية عبر خطاب رسمي جاهز ومكرّر. هنا اختيرت المفردات بعناية: «ضربات دقيقة»، «أهداف نوعية»، «إرهابيون».
هذا ما تسمّيه دراسات علوم الاتصال بعملية «التعريف الأولي» للحدث، إذ ينجح المصدر الأقوى في فرض توصيفه كمرجعية أولى قبل ظهور أي رواية بديلة. تليها مرحلة التكثيف والتكرار، فيُعاد إنتاج هذه المفردات نفسها عبر المؤتمرات الصحافية والبيانات والتصريحات المتتالية.
والتكرار هنا آلية مركزية، فوفق نظريات التأثير الإعلامي، كلما تكرّرت عبارة معينة، زادت قابليتها للتصديق، ولو كانت محل شك.
تتحول اللغة إلى ما يشبه «قالباً جاهزاً» يُستخدم تلقائياً مع كل حدث جديد. ثم نصل إلى مرحلة الانتشار عبر الوسائل الإعلامية، إذ تلتقط وسائل الإعلام، المحلية والدولية، هذه المصطلحات وتعيد بثّها، أحياناً من دون مساءلة. وهنا تعمل آليتا «الأجندة» و«حراسة البوابة»، فما يُقال لا يُنقل عبثاً، بل يُختار ويُعاد ترتيبه، ما يمنح السردية الأصلية انتشاراً أوسع وشرعية ضمنية.
بعد ذلك، تأتي مرحلة إعادة التأطير المحلي، وهي مرحلة حساسة، فلا تكتفي بعض وسائل الإعلام بإعادة نقل الخطاب، بل تعيد إنتاجه ضمن السياق الداخلي.
يبدأ البحث عن «المستهدف» داخل المجتمع نفسه، وتُنسج روايات غير موثقة لتفسير القصف.
هنا تتحول السردية من خطاب خارجي إلى نقاش داخلي، ما يمنحها عمقاً وتأثيراً أكبر. تتبعها مرحلة التطبيع الإدراكي، لتصبح هذه اللغة مألوفة إلى درجة أنها لا تُسائِل.
نرى أنّ مصطلح «ضربة دقيقة» لم يعد يثير التساؤل، بل يُستقبل كحقيقة بديهية.
هذا ما تشرحه «نظرية الغرس الثقافي»، فالتعرض المستمرّ لنمط لغوي معيّن يعيد تشكيل إدراك الواقع، ويجعل التبرير جزءاً من الفهم الطبيعي للأحداث.
ثم تأتي مرحلة الشرعنة، وتُستخدم خلالها هذه السردية لتبرير النتائج، بما فيها سقوط ضحايا مدنيين. يستبدل سؤال «ماذا فعلت إسرائيل؟» بسؤال «من كان الهدف؟»، أي إنّ النقاش ينتقل بالكامل إلى داخل الإطار الذي فرضته السردية منذ البداية. هذا التحول هو جوهر نجاح الخطاب. نصل في النتيجة إلى مرحلة إعادة الإنتاج الذاتي، فلم تعد السردية بحاجة إلى مصدرها الأول. وسائل الإعلام، والمعلقون، وحتى الأفراد، يعيدون إنتاجها تلقائياً. في هذه المرحلة، تعمل «دوامة الصمت»، فأي صوت معارض يبدو هامشياً، ما يعزز هيمنة الخطاب ويقلّص مساحة الاعتراض.
بهذا، لم تعد اللغة المستخدمة في تغطية الحرب مجرد وسيلة نقل، بل تحوّلت إلى عنصر مركزي في إنتاج المعنى وتوجيهه. المصطلحات تعيد تشكيل الواقع والحقيقة، وتحدّد حدودهما الأخلاقية، وتسهم في إعادة تعريف الضحية والفاعل، وتمنع تسمية المجرم بالاسم، وتمنع المساءلة عن إسرائيل، وتبرّر جرائمها كما حدث سابقاً في غزة، حين أسهم الإعلام الأجنبي في التمهيد والتبرير لمجازر الاحتلال في القطاع. ويحدث كل ذلك ضمن سردية تُبنى بعناية عبر التكرار والتبني الإعلامي، وأحياناً في الكيد والحقد الداخلي.
غادة حداد-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



