أخبار لبنان
بين النار والسياسة: هل تُفرض المفاوضات على لبنان تحت القصف؟

كتب الاعلامي حسين صدقة في كل جولة تصعيد يشهدها جنوب لبنان، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: هل يمكن فتح قنوات التفاوض فيما الطائرات الإسرائيلية لا تزال في السماء والصواريخ لم تتوقف بعد؟ أم أن وقف إطلاق النار يبقى المدخل الإلزامي لأي مسار سياسي جدي؟
المشهد الحالي يوحي بمحاولة واضحة لفرض معادلة جديدة: ضغط عسكري متواصل يقابله دفع نحو مفاوضات سريعة، من دون تقديم الحد الأدنى من الضمانات الأمنية. هذا النموذج ليس جديدًا، بل يندرج ضمن استراتيجية اعتمدتها إسرائيل مرارًا، تقوم على استثمار التفوق الجوي والناري لانتزاع مكاسب سياسية تعذّر تحقيقها في الميدان.
غير أن التجربة اللبنانية، خصوصًا في محطات سابقة، أظهرت أن هذا النوع من المفاوضات غالبًا ما يكون هشًّا. فالاتفاقات التي لا تُبنى على توازن فعلي في القوة سرعان ما تنهار، أو تتحول إلى أدوات ضغط إضافية بدل أن تكون مدخلًا للاستقرار.
في المقابل، تشير الوقائع الميدانية إلى أن الجنوب لم يعد ساحة مفتوحة كما في السابق. الضربات المتبادلة وتطوّر أساليب المواجهة فرضت نوعًا من الردع الجزئي، ما يجعل استمرار التصعيد خيارًا مكلفًا حتى لإسرائيل نفسها. وهنا يبرز التناقض: إذا كانت كلفة الحرب مرتفعة، فلماذا لا يُصار إلى وقف واضح لإطلاق النار قبل أي تفاوض؟
الجواب يرتبط بحسابات أعمق. فاستمرار الضغط العسكري قد يُستخدم لكسر الإرادة السياسية قبل الجلوس إلى الطاولة، بما يسمح بالدخول إلى المفاوضات من موقع أقوى. في المقابل، يدرك الطرف اللبناني أن القبول بهذا المنطق قد يفتح الباب أمام تنازلات تدريجية تمسّ بالسيادة والأمن.
على المستوى الإقليمي، يلعب العامل الدولي دورًا حاسمًا. الولايات المتحدة تدفع عادة نحو تسويات سريعة، لكنها كثيرًا ما تتسامح مع استمرار العمليات العسكرية خلال التفاوض إذا كانت تخدم أهدافًا استراتيجية أوسع، ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل أي مسار تفاوضي عرضة للتسييس.
وفي ظل هذه المعطيات، يكتسب التوقيت الحالي أهمية استثنائية. فالأيام القليلة المقبلة قد لا تكون مجرد محطة عابرة، بل لحظة مفصلية تحدد اتجاه الصراع: إما تهدئة تفتح الباب أمام مسار سياسي أكثر توازنًا، أو استمرار المواجهة ضمن قواعد اشتباك تتوسع تدريجيًا.
لكن تحويل هذه اللحظة إلى “أسبوع حاسم” بمعنى الحسم النهائي قد يكون تبسيطًا مفرطًا. فالحروب من هذا النوع نادرًا ما تُحسم في مواعيد قصيرة أو بخيارات ثنائية حادة. ما هو أكثر واقعية هو أننا أمام مرحلة اختبار: اختبار لقدرة كل طرف على تحمّل الكلفة، واختبار لمدى استعداد القوى الدولية للضغط نحو تسوية فعلية.
في المحصلة، قد تُفرض مفاوضات تحت النار، لكنها غالبًا لن تكون مستقرة أو عادلة. هي أقرب إلى محاولة فرض نتائج سياسية تحت الضغط، لا إلى صناعة تسوية حقيقية. لذلك، يبقى وقف إطلاق النار ليس مجرد مطلب إنساني، بل شرطًا أساسيًا لأي اتفاق قابل للحياة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يُفرض التفاوض تحت النار، أم يُفرض وقف النار قبل التفاوض؟
الجواب، كما أثبتت التجارب، لا يُكتب في الغرف المغلقة فقط… بل يُرسم أولًا على الأرض، ثم يُترجم على طاولة التفاوض.
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



