مقالات

أميركا لإيران: تخلّوا عن صواريخكم.. وإلَّا

يحافظ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منذ بدء جولة التوتر الجديدة مع إيران، على نبرة واضحة وثابتة، رغم ما ينطوي عليه حديثه دائماً من تناقضات.

فهو يتحدّث عن مفاوضات «جيدة»، وعن «حتمية» التوصل إلى اتفاق مع إيران «بطريقة أو بأخرى»، وفي الوقت نفسه يستعيد عملية «مطرقة منتصف الليل» التي شنّتها الولايات المتحدة ضدّ المواقع النووية الإيرانية العام الفائت، ويطلق مزيداً من التهديدات الحربية، متوعّداً بـ«حدوث أمور سيئة إن لم تُبرِم إيران صفقة».

ويقوم خطاب ترامب على أساس الحاجة إلى «منع إيران من امتلاك أسلحة نووية»، لكنّ الرئيس الأميركي يدّعي، في الوقت نفسه، نجاح قاذفات بلاده في «القضاء على قدرات إيران النووية بالكامل»؛ وهو ما يستدعي أسئلة كثيرة من بينها: إذا كانت العملية العسكرية الإسرائيلية – الأميركية قد قضت على البرنامج النووي الإيراني بالكامل، و«حصلنا على سلام في الشرق الأوسط»، على حدّ زعم ترامب، فما جدوى التفاوض حول برنامج لم يعد موجوداً وفق الرواية الأميركية، فضلاً عن جدوى التهديد بشنّ حرب واسعة لأجله؟

هذا التناقض يُظهِر أن ما تطلبه واشنطن في حقيقة الأمر لا يقتصر على «البرنامج النووي»، بل يتجاوزه إلى البرنامج الصاروخي والسياسات الإقليمية الإيرانية، ولا سيما دعم طهران وتمويلها لحركات المقاومة.

بتعبير آخر، يبدو أن الهدف العميق لما يجري يتمثّل بإعادة تشكيل المنطقة وفق رغبات واشنطن، وهو ما عبّر عنه صراحة ترامب، في مواقفه الأخيرة، بقوله إنه يعمل من أجل ما سمّاها «منطقة خالية من التطرّف والإرهاب»، داعياً إيران إلى «الانضمام إلينا لتحقيق السلام في المنطقة».

ومن هنا، يصبح مفهوماً التعقيد الشديد الذي تشهده المفاوضات بين البلدين، وإن لم يُفصِح أيّ من الوفدين عن حقيقة ما دار في الكواليس.

وبحسب ما رشح عن أجواء الجولة الأخيرة التي عُقِدت في جنيف بوساطة عمانية، فإن النقاشات كانت «معقّدة ومتوتّرة».

وأفادت مصادر دبلوماسية مطّلعة، «الأخبار»، بأن «الأميركيين طرحوا قضيتَي البرنامج الصاروخي والسلوك الإقليمي لإيران على الطاولة»، فيما أكّد الوفد الإيراني أن المفاوضات «مُخصّصة للقضايا النووية فقط»، وأنه «لا صلاحية للوفد لمناقشة قضايا أخرى».

وأضافت المصادر أن المبعوث الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، أكّد أمام الوفد الإيراني أن «إصرار طهران على رفض التفاوض حول برنامجها الصاروخي لن يكون في صالحها»، في حين أعاد الوفد الإيراني التشديد على «نووية» المحادثات، عارضاً تقديم «تنازلات أولية» تتعلّق بـ«الرقابة على البرنامج النووي ونسب التخصيب وجوانب تقنية أخرى وتجديد التعاون مع فرق الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وعلى هذه الخلفية جاء حضور مدير الوكالة رافائيل غروسي في اجتماع جنيف، علماً أن الأخير أكّد في حديث إلى «بلومبرغ»، أمس، أن «نافذة إيران للدبلوماسية بدأت تُغلق، ولا متّسع للوقت لدى إيران للتوصّل إلى اتفاق مع أميركا».

طرح الأميركيون قضيتَي «البرنامج الصاروخي» و«السلوك الإقليمي» لإيران على الطاولة

وعقب مغادرة الوفدين إلى بلديهما، بدا واضحاً أن الأميركيين لم «يشتروا البضاعة الإيرانية المعروضة»، بل واصلت الإدارة الأميركية إرسال مزيد من الأصول العسكرية إلى المنطقة، مع تكثيف التسريبات الإعلامية حول «وصول المفاوضات إلى طريق مسدود»، وفق ما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلاً عن مسؤولين أميركيين.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول في البحرية الأميركية أن «الولايات المتحدة تمتلك حالياً 13 سفينة في الشرق الأوسط وشرق المتوسط»، فيما أكّد مسؤولون أميركيون امتلاك «قوة نارية» تتيح خيار شنّ «حرب جوية» مستمرّة لأسابيع ضد إيران.

لكن بحسب شبكة «سي إن إن»، فإن ترامب لم يتخذ قراراً نهائياً بعد، وهو يواصل استطلاع آراء مستشاريه وحلفائه، و«ناقش بشكل غير رسمي خيارات مؤيّدة وأخرى معارضة للعمل العسكري».

من جهتها، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن الإدارة الأميركية عزّزت قدراتها الدفاعية منذ تهديد ترامب بضرب إيران في كانون الثاني/يناير، وأن حاملة الطائرات «جيرالد فورد» قد تصل إلى المتوسط «نهاية الأسبوع أو مطلع المقبل، مع ترجيح نشرها مبدئياً قرب سواحل فلسطين المحتلة»، مؤكّدة أن «الجيش بات قادراً على حماية قواته وحلفائه من أي ردّ إيراني».

كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين في «الأمن القومي» الأميركي، أن «ترامب أُبلغ بأن نجاح أي عملية لتغيير القيادة الإيرانية غير مؤكّد».

وعلى الأرض، كشفت صور أقمار اصطناعية لقاعدة موفّق السلطي الجوية في الأردن عن وجود 18 طائرة مقاتلة أميركية من طراز «F-35»، إلى جانب 6 طائرات حرب إلكترونية من طراز «EA-18G»، متمركزة داخل القاعدة.

كما أفادت «قناة كان» العبرية بهبوط «طائرة أميركية سرية» في الكيان الإسرائيلي، تُعرف باسم «الطائرة الشبح» لعدم وجود علامات خارجية مميّزة عليها، وتُستخدم لنقل فرق «الاستجابة السريعة للطوارئ النووية أو وحدات دعم تكتيكي سرية أو مسؤولين رفيعي المستوى في أزمات حساسة».

وترافق ذلك مع الإعلان عن زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إلى الكيان في 28 شباط/فبراير للقاء رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، الذي قال من جهته في حفل تخريج دورة للضباط، أمس: «لقد أوضحتُ لصديقي ترامب المبادئ التي ينبغي، في رأي إسرائيل، أن تُوجّه أيّ مفاوضات مع إيران.

نحن مستعدّون لأي سيناريو. أمر واحد مؤكّد: إذا أخطأت إيران وهاجمتنا، فسوف تواجه رداً لا تتصوّره».

وفي المقابل، كشفت «إذاعة الجيش الإسرائيلي» عن «ثغرات في الجاهزية الإسرائيلية للحرب»، إذ أشار قائد الجبهة الداخلية، اللواء رافي ميلو، في إحاطة أمام «لجنة الخارجية والأمن» في «الكنيست»، إلى أن «نحو 20% من البلدات والمستوطنات لم تستكمل استعداداتها لمواجهة حرب محتملة، مع وجود نقص في التحصينات وخطط الطوارئ في خُمس التجمّعات السكنية».

كما أفادت «قناة I24» العبرية بأن «وزارة الصحة في حكومة الاحتلال اجتمعت برؤساء المشافي وطلبت منهم عرض استعداداتهم لإمكان اندلاع حرب مع إيران واضطرارهم إلى العمل من دون كهرباء».

وفي قراءته للتطورات الأخيرة، كتب الصحافي رونين بيرغمان في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن المشكلة خلال العملية الأميركية – الإسرائيلية الماضية ضدّ إيران تمثّلت في «الادّعاءات المُبالغ فيها» التي أطلقها الزعيمان ترامب ونتنياهو، إذ تحدّث أحدهما عن أنه «تمّ تدميرها بالكامل»، فيما أعلن نتنياهو «إزالة التهديد النووي والصاروخي».

واستدرك بأن الجيشين الأميركي والإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات في البلدين «حرصوا على الحفاظ على النتائج الحقيقية للهجوم»، وهو ما يفسّر العودة إلى التلويح بالخيار العسكري حالياً.

وأشار بيرغمان إلى أن «الهدف الواقعي لم يكن إسقاط النظام الإيراني، بل تنفيذ ضربة عسكرية مكثّفة لأيام عدة تُلحِق أضراراً كبيرة وتدفع طهران إلى العودة إلى المفاوضات وتقديم تنازلات»، مضيفاً أن «المشروع النووي لم يُدمَّر، بل ربما لم يُؤجَّل سوى سنة واحدة أو أقل».

حسين الامين-الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى