مقالات
الجنوب ورئاسة الانكفاء

لم يعد جنوب لبنان مجرّد مساحة جغرافية مفتوحة على العدوان، ولا ساحة عسكرية تُدار بمنطق الاشتباك وحده، بل بات، في ظل العهد الحالي، اختبارًا حاسمًا لمعنى الدولة نفسها، ولمدى التزام رئاسة الجمهورية بوظيفتها الدستورية.
فالجنوب اليوم لا يواجه فقط تهديدًا أمنيًا دائمًا، بل يواجه غيابًا سياسيًا على مستوى القرار، وصمتًا رسميًا يرقى إلى مستوى الخذلان، ويكشف تصدّع العقد الذي يفترض أن يربط المواطنين بدولتهم.
ينصّ الدستور اللبناني في المادة 49 بوضوح على أن رئيس الجمهورية هو «رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن»، وهو «يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه».
غير أن هذه الصيغة، في الممارسة الراهنة، تُفرَّغ من مضمونها السياسي، وتُختزل في دور بروتوكولي أو توازني، لا في وظيفة قيادية جامعة.
فالسهر على وحدة الوطن لا يكون بالحياد بين العدوان والدفاع، ولا بالمساواة بين المعتدي ومَن يتعرّض للاعتداء، بل باتخاذ موقف واضح من التهديد الذي يطال جزءًا من الأرض والشعب.
منذ تولّي جوزيف عون رئاسة الجمهورية، يتكرّس شعور متنامٍ بأن الجنوب خارج أولويات السلطة، وأن الرئاسة اختارت قراءة الدستور بأضيق معانيه لتبرير الانكفاء.
ففي لحظة إقليمية تُطرح فيها تسويات كبرى وتُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ، كان يُفترض برئيس الجمهورية أن يتموضع في قلب الدفاع عن المصلحة الوطنية، لا على هامشها. لكن ما نشهده هو رئاسة تُدير الأزمة بدل مواجهتها، وتؤجّل الاستحقاق بدل خوضه.
اتفاق الطائف، الذي أعاد تنظيم السلطة بعد الحرب، قام نظريًا على مبدأ الشراكة الوطنية والتوازن بين المكوّنات، وعلى نقل لبنان من دولة الغلبة إلى دولة التوافق.
إلا أن هذا التوافق، في التجربة الراهنة، يُستخدم كذريعة لتعطيل القرار، لا كإطار لبنائه. فبدل أن تكون الرئاسة موقع جمع وتكامل، تتحوّل إلى مركز إدارة هواجس الخارج وضبط الداخل، ولو على حساب مكوّنات أساسية في البلد.
في هذا السياق، يُعاد إنتاج منطق الدولة المركزية القابضة، حيث يُختزل مفهوم السيادة بالالتزام بالخطوط الحمراء الدولية، لا بالقدرة على الدفاع عن النفس.
الدولة، كما تظهر في خطاب العهد، ليست أداة مواجهة مع الاحتلال، بل جهاز ضبط داخلي، ووظيفتها الأساسية ليست حماية الجنوب، بل منع «التورّط». هكذا يُعاد تعريف الاستقرار كقيمة عليا، حتى لو كان ثمنه التخلي التدريجي عن عناصر القوة.
الجنوب، ضمن هذا التصوّر، ليس قلب السيادة بل هامشها. تُدار قضيته عبر بيانات التهدئة، وتُختزل معاناة أهله في تقارير أمنية، ويُطلب منهم تحمّل الكلفة وحدهم.
أمّا الطائفة الشيعية، التي شكّلت تاريخيًا أحد أعمدة المواجهة مع الاحتلال، فتُعامل في أفضل الأحوال كملف سياسي – أمني يجب احتواؤه، لا كشريك كامل في صياغة الخيارات الوطنية. هذا السلوك لا ينسجم مع روحية الطائف، ولا مع فكرة الشراكة التي قام عليها النظام بعد الحرب، بل يعيد إنتاج اختلالات قديمة بلباس جديد.
في ما يتصل بإسرائيل، يبدو غياب التسمية الصريحة للعدو مؤشرًا سياسيًا لا لغويًا.
فحين تُستبدل لغة الدفاع بمفردات «خفض التصعيد» و«منع الانزلاق»، يُجرَّد العدوان من طابعه السياسي، ويُقدَّم كحادث عرضي يمكن التكيّف معه.
هذا الخطاب لا يعبّر فقط عن خوف من الحرب، بل عن استعداد للتعايش مع معادلة يفرضها العدو، طالما أنها لا تهدّد استقرار السلطة في الداخل.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل وظيفة رئاسة الجمهورية، كما يراها العهد، هي حماية الوطن أم حماية النظام؟ التجربة حتى الآن توحي بأن الأولوية تُمنح لاستمرارية التوازنات القائمة، حتى لو جاء ذلك على حساب الجنوب وأهله. دولة بلا مواجهة، وسيادة بلا كلفة، ورئاسة تُمسك بالنص الدستوري لتبرير الانكفاء، لا لتحمّل المسؤولية.
أمّا في ملف الإصلاح، فلا يخرج الأداء عن هذا الإطار. فالحديث عن النزاهة وبناء المؤسسات يبقى خطابًا عامًا، ما لم يُترجم بمواجهة فعليّة لمنظومة المصالح التي تحكم الدولة. في نظام كلبنان، الفساد ليس انحرافًا فرديًا بل بنية متكاملة، ومَن يختار عدم الصدام معها، يسهم عمليًا في استدامتها، حتى لو رفع شعارات معاكسة.
المشكلة، في المحصلة، ليست في خطأ إداري أو خيار ظرفي، بل في تصور كامل لوظيفة الرئاسة والدولة. تصور يريد دولة «محايدة» في صراع وجودي، وشراكة شكليّة بدل شراكة فعليّة، وسيادة تُدار بالكلام لا بالفعل. جنوب لبنان، في هذا المشروع، ليس مركز القرار بل هامشه.
بهذا المعنى، يعيش الجنوب اليوم أزمة تتجاوز الخطر الأمني إلى أزمة تمثيل سياسي على أعلى مستوى في الدولة.
رئاسة كان يُفترض أن تكون ضمانة للوحدة الوطنية، فإذا بها تتحوّل إلى عنوان إضافي للخذلان، وإلى محطة جديدة في مسار إعادة إنتاج دولة فشلت في حماية أطرافها، وتحاول اليوم تغليف هذا الفشل بلغة دستورية هادئة، لكنها لا تقل خطورة.
علي قاسم مقداد-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



