أخبار لبنان
ليسوا منسيين: الأسرى والمقاومة والصمود عند مرقد السّيد نصر الله

في يوم أسير حزب الله، كان مرقد سيد شهداء الأمة السّيد حسن نصر الله يخفق بالحياة، يئنّ بصمت الأسرى، ويرتفع بالثبات الذي لا ينكسر.
عائلات الأسرى، مناصرو المقاومة، وناشطون دوليون، وقفوا هناك، في وقفة صامتة لكنّها مثقلة بالمشاعر، تحمل في كلّ نظرة صرخة لم تُسمع، وفي كلّ دمعة حلمًا لم يُمحَ.
لم تكن الوقفة مجرد حدث رمزي، بل كانت معركة مشاعرك الخاصة مع واقع الأسر، حيث تلتقي مرارة الغياب مع عظمة الصمود. الأسرى كانوا حاضرين في كلّ كلمة، في كلّ دمعة كُتمت، وفي كلّ وعد صامت كرّره الحاضرون: هم ليسوا منسيين.
لطالما خاطب الشّهيد الأقدس الأحرار في أصقاع الأرض، واليوم لبّى الأحرار النداء، وجاؤوا إلى مرقده، حيث الهواء مشبع بالعزيمة، والأرض تحت الأقدام تحكي قصص الشجاعة، والمرقد أصبح رمزًا للحرية وللشجاعة وللثبات الذي لا يعرف الانكسار.
ومن بين الحضور، كانت بعثة من مجموعة صامدون: شبكة التضامن مع الأسرى الفلسطينيين، حركة دولية مناصرة لفلسطين ومعادية لـ “إسرائيل”، ضمت ناشطين من بلجيكا.
تحدّثت إحدى المشاركات بعمق ووصفت الزيارة بأنها خطوة مقصودة لبناء علاقات حقيقية مع المقاومة، ليس كقوة سياسية فقط، بل كقضية شعبية متجذّرة في الألم والتضحية.
وقالت: “جئنا إلى لبنان لبناء علاقة مع المقاومة على الأرض، مع الناس ومع عوائل الأسرى… نتعلم منهم ونتواصل معهم ونبني هذه الشبكات ونطبقها في عملنا في بلجيكا”.
وعن كيفية فضح الجرائم “الإسرائيلية” بحق الأسرى اللبنانيين من داخل أوروبا، أوضحت أن الدعم الذي يقدّمونه هو بالأساس دعم سياسي وتوعوي.
من المدارس إلى المهرجانات والفعاليات العامة، يعملون على تسليط الضوء على قضية الأسرى الفلسطينيين، كما يحرصون على إرسال رسائل دعم للأسرى في السجون الصهيونية، ليؤكدوا لهم أنهم ليسوا وحدهم.
مشاركة أخرى من وفد “صامدون” تحدّثت بتأثّر عن الوقوف إلى جانب عائلات الأسرى، وقالت إن مجرّد التواجد معهم له قوة خاصة.
ورأت في هذا اللقاء تأكيدًا على أن “قضيتهم هي قضيتنا” جميعًا، وأن مسؤوليتهم هي نقل هذه الأصوات والقصص إلى أوروبا، حيث غالبًا ما يُختزل الأسرى إلى أرقام، أو يُمحَون من الرواية بالكامل.
وعند الحديث عن فضح جرائم “إسرائيل”، شدّدت على إعادة الإنسانية لأولئك الذين تُركوا خلف القضبان: “هذا سؤال صعب. ما نقوم به هو مجرد عملنا المستمر، وهو يحقق بعض التغيير، لكن الأهم هو أن نبرز القصص: هؤلاء ليسوا أرقامًا، هؤلاء بشر. لهم عائلات، يقاتلون من أجل قضية عادلة ضدّ الاحتلال ولتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، ويناضلون من أجل عودة اللاجئين الفلسطينيين، وهذه هي الرسالة التي نحملها للناس”.
من مرقد السّيد نصر الله، كانت الرسالة واضحة: الصمود. صمود عائلات الأسرى، وصمود من يختار الوقوف معهم، لأن المعركة طويلة وتحتاج إلى نفسٍ طويل وإرادة لا تتعب.
وعن عزل الأسرى اللبنانيين في السجون “الإسرائيلية” ومنع الصليب الأحمر من التواصل معهم، لم تُخفِ المتحدثة مرارتها، لكنّها لم تُبدِ دهشة. هذا الإهمال، كما قالت، ليس جديدًا. فالأسرى الفلسطينيون واللبنانيون تُركوا طويلًا لمصيرهم، وهو أمر مؤلم، لكنّه كاشف لحقيقة هذا العالم.
ناشط ثالث من “صامدون” وضع الوقفة في سياقها الإقليمي الأوسع. قال إن الوفد جاء إلى لبنان ليس فقط “لتعميق علاقاتنا مع المقاومة”، بل مع الناس الذين يدفعون ثمن المواجهة. وتحدث بصراحة عن الضغوط الهائلة على لبنان، سواء من الداخل أو من الولايات المتحدة وحلفائها، لنزع سلاح حزب الله، رابطًا ذلك بما يجري في غزّة، حيث يُحارَب حق الناس في المقاومة.
وعن أوروبا، عبّر عن خيبة أمل عميقة، قائلًا: “أعتقد بعد عامين من الإبادة، كثير من الناس في حركة التضامن فقدوا الأمل في أن نحصل على أي نوع من العدالة أو المساءلة من حكوماتنا، من الاتحاد الأوروبي. ولهذا نختار التعبير عن التضامن مع المقاومة. لأننا ندرك أنه فقط من خلال المقاومة سيتم تحرير فلسطين. وفقط عندما تتحرر فلسطين، سنرى الأسرى أحرارًا”.
الوقوف عند مرقد السّيد نصر الله كان، بالنسبة له، لحظة ذات معنى عميق. رفض السّردية الغربية التي تحاول تصوير التضامن مع المقاومة الإسلامية كأمر متناقض مع القيم التقدميّة. واعتبر أن هذه فكرة خاطئة وخطيرة، لأن المقاومة الإسلامية هي التي واجهت العدوان الصهيوني وصمدت، وهي التي هزمت الكيان في حرب تموز 2006، وهي التي ما زالت تقف في وجهه اليوم. بالنسبة له، السّيد نصر الله يجسّد كلّ ذلك: القيادة الثابتة والتضحية والانتصار رغم اختلال موازين القوى.
ومع ختام الوقفة، بقي الجو مثقلًا بالحزن، لكنّه مشبع بالفخر والإصرار. الرسالة كانت واضحة، كصدى أعمق من الكلمات: الأسرى ليسوا وحدهم، المقاومة ليست معزولة، ورغم الاحتلال والقمع والعدوان المدعوم أميركيًا، ستظل معركة الكرامة والحرية مستمرة، ويحملها من يرفضون النسيان ويرفضون الاستسلام.
العهد
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



