مقالات

كيف تغيّرت نظرة العالم إلى الكيان الصهيوني وديمقراطيات الغرب؟

على امتداد عقود، حافظت “إسرائيل” على صورة مصطنعة في الوعي الغربي والعالمي: “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، “الدولة التي تحترم القانون الدولي”، “الشريك الأخلاقي للغرب”.

لكن أحداث ما بعد طوفان الأقصى، وما تلاه من حرب طاحنة على غزّة، كشفت هشاشة هذه الروايات، ووضعت العالم أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: الأسطورة سقطت، والأقنعة تهاوت، والوعي الدولي تغيّر بعمق.لم يعد بالإمكان اليوم الحديث عن “إسرائيل” ك”دولة ديمقراطية ذات قيم ليبرالية”، في وقت تتكشف فيه صور لمجازر جماعية، وانهيارات إنسانية غير مسبوقة، واستخدام مفرط للقوة، وانتهاك لحقوق المدنيين، وتحدٍّ للقانون الدولي الإنساني.

وبالتوازي، لم تعد الديمقراطيات الغربية قادرة على إقناع الرأي العام العالمي بأنها حامية لحرية الإعلام أو حقوق الإنسان، بعدما ظهر تواطؤها الصريح مع العمليات العسكرية وتبريرها لسقوط آلاف الضحايا.- فقدان الرواية الإعلامية

سيطرة “إسرائيل” لعقود على الرأي العام الغربي بدأت تتآكل مع القدرة الفريدة لوسائل التواصل في نقل الصورة من قلب الدمار.

لم يعد بالإمكان احتكار الحقيقة أو السيطرة على روايتها.

٢ – اتساع الهوة بين الأفعال والقيم المُدَّعاة الكيان الذي يتحدث عن “حق الدفاع” أصبح متهم باستخدام القوّة بلا حدود، وتجاهل قواعد الحرب، واستهداف بنى مدنية وصحية وتعليمية.

– اهتزاز صورة “إسرائيل” الإستراتيجية عجزها عن تحقيق “نصر واضح” رغم التفوق العسكري، وامتداد الصراع إلى جبهات متعددة، كشف حدود قوتها وأضعف إحساس الخارج بتفوقها الأخلاقي والعسكري معًا.

الغرب… حين سقطت ورقة التوت لم يكن التحول مقتصرًا على “إسرائيل” وحدها، بل طال أيضًا الأنظمة الغربية التي لطالما قدّمت نفسها كمرجع أخلاقي عالمي.

فقد كشفت الحرب عن ثلاثة متغيرات أساسية:أول التحولات كان في النظرة إلى “إسرائيل” نفسها.

إذ انتقل الخطاب العالمي من صورة “الدولة التي تدافع عن نفسها”، إلى صورة قوة عسكرية تستخدم كلّ إمكاناتها ضدّ شعب محاصر.

أبرز المعطيات التي أسهمت في هذا التحول:شركات إعلامية فرضت رقابة مسبقة على مفردات التغطية.

تحوّل أبطال حرية التعبير إلى حراس بوابة يمنعون دخول الحقيقة.

٣ – تسييس القانون الدولي اُستُخدم القانون الدولي كأداة انتخابية أو اقتصادية، لا كمعيار عالمي.

ففي حين تُفتح الملفات القضائية بسرعة ضدّ دول معيّنة، تُعلق أو تُفرمل كلّ محاولة لمحاسبة “إسرائيل” في المحاكم الدولية، رغم التقارير الأممية الواضحة.

أحد أهم التحولات كان في موقع الإعلام الغربي:بدل مساءلة السلطة، أصبح يبرر أفعالها.بدل كشف الحقيقة، أصبح يشارك في صياغة رواية رسمية.

بدل الدفاع عن الضحايا، أصبح ينكر وجودهم أو يشكك في أعدادهم.هذا التحول لم يمرّ بلا تكلفة. إذ بدأ الجمهور الغربي نفسه يفقد ثقته في مؤسساته الإعلامية، وارتفعت نسب المتابعين للمصادر المستقلة والمنصات البديلة.في الوقت الذي أدانت فيه الحكومات الغربية دولًا أخرى على إجراءات أقل بكثير، تجنبت انتقاد “إسرائيل” أو حتّى الاعتراف بحجم الكارثة الإنسانية، رغم التوثيق الأممي المتدفق.

وحرب أوكرانيا هي أحدث مثال على ذلك. ٢ – قمع حرية الإعلام والرأي شهدت المؤسسات الغربية حملات تضييق غير مسبوقة:صحفيون مُنعوا من التغطية.محللون أوقفوا عن العمل.جامعات فصلت طلابًا بسبب آرائهم.على الرغم من القمع، ظهرت موجة عالمية غير مسبوقة:مظاهرات في العواصم الكبرى تحركات طلابية واسعة ضغط من اتحادات العمال والأطباء والمحامين حملات مقاطعة اقتصادية وثقافية انكشاف السردية الرسمية تكوّن لأول مرة ضمير عالمي غير خاضع للرقابة الغربية، يقيّم الحق والباطل بناء على الوقائع لا على الانحيازات السياسية.

أبرز ما أثبته الصراع الأخير هو أن:الإعلام التقليدي لم يعد يتحكم بالحقيقة. الحكومات الغربية لم تعد المتحدث الأخلاقي باسم العالم.”إسرائيل” لم تعد قادرة على ترويج صورتها القديمة.

الشعوب لم تعد تقبل الرواية الجاهزة.لقد بدأ العالم يرى ما كان مخفيًا لعقود نظام دولي يقوم على القوّة، لا على القيم، وغرب يطالب الآخرين بما لا يطبّقه على نفسه.إن التحول العميق في النظرة العالمية لـ”إسرائيل” والغرب ليس حدثًا عابرًا، بل هو بداية مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة:العلاقة مع القانون الدولي موقع الإعلام ودوره مفهوم حقوق الإنسان مكانة الغرب كمرجع أخلاق يطبيعة الصراع في “الشرق الأوسط”لقد سقطت الأقنعة، وظهر ما تحتها:ديمقراطيات ضعيفة أمام نفوذ المصالح، وإعلام لا يصمد أمام ضغط السياسة، وقوانين دولية تُطبق بانتقائية واضحة.

لكن سقوط الأقنعة ليس نهاية الحكاية…إنه بدايتها.

المصدر : العهد (منير شحادة)

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى