مقالات
“جدار صوت”.. حين تغدو الموسيقى درعًا والصدى ثباتًا

في أزقة بيروت التي لا تنام عن جراحها، وتحديدًا في شارع “الحمرا” العريق، انبثق عرض “جدار صوت”، ليكون فعلًا مقاومًا بالجمال الفني وردًا حضاريًا على أصوات طائرات العدو الإسرائيلي الحربية التي تحاول كسر الروح اللبنانية، حين تخرق جدار الصوت في كل مرة.
في دلالة العنوان الرمزية
استطاع هذا العرض الفني الجميل، والذي أداه الفنان الكبير المعروف بمواقفه الوطنية معين شريف والمنشد العريق علي العطار، أن يفرّغ المصطلح من فضاء الحرب (جدار الصوت الذي يخرقه الطيران الحربي) ليمنحه بُعدًا إنسانيًا وأدبيًا. هنا، “جدار الصوت” جدارٌ من الكلمات والألحان يستند إليه المتعبون، ويتحصّن خلفه المؤمنون بحقهم في الحياة.. إنه تحويلُ الصدمة إلى نغمة، والرعب إلى إيقاعٍ يجمع القلوب.
هذا العمل، والذي هو من إنتاج شركة house of strategy؛ ممثلة بمديرها العام الاستاذ محمد عساف وإخراج الأستاذ محمد العطار ومدير الإنتاج أحمد زين الدين؛ انبثقت فكرته انطلاقًا من روح التعبير “من اعتزازنا بالأبطال المقاومين الذين يسطرون أروع ملاحم البطولة بشرف وعز قل نظيره، في جنوب لبنان، وتحية فخر لأهلنا الصامدين والنازحين الذين أبدعوا في صمودهم الجبار”؛ بحسب ما عبر عنه مدير الإنتاج أحمد زين الدين لموقع “أوراق”.
كما يقول :”في عرض “جدار صوت”، لم يكن العنوان مجرد استعارة، هو استراتيجية أدبية وفنية تعتمد على “قلب الطاولة” على المعتدي، ليكون صوتًا حضاريًا؛ فمعلوم أن الفن والموسيقى لغة عالمية وثقافة حضارية؛ فهذا العمل الفني موجه لأحرار العالم كلهم، في أن هذا الشعب شعب جبار متمسك بأرضه وترابه، مهما غلت التضحيات”. أما عن تعاون الفنان معين شريف والمنشد علي العطار؛ فقد أتى ليكون تعبيرًا وطنيًا شاملاً بعيدًا عن أي صفة حزبية”؛ فبحسب زين الدين.
مع بساطة هذا العمل الفني، في عفويته وصدقه وعدم مبالغته في تكاليف وتكلف اعتادت عليها الفيديوهات الفنية المصورة؛ يأتي ليمثل عدة مستويات:
1. في إعادة تدوير المصطلح (Reclaiming the Term): في العلوم العسكرية، “جدار الصوت” هو وسيلة لشنّ حرب نفسية، تهدف إلى إشعار المدنيين بالضعف المادي والارتباك الذهني. باختيار هذا العنوان، قام صنّاع العمل بعملية “إزاحة دلالية”؛ انتزعوا المصطلح من سياقه العدواني (الطائرة/ الانفجار/ الهلع) وزرعوه في سياق إنساني (الموسيقى/ الحنجرة/ الطمأنينة). أصبح “جدار الصوت” في الحمرا هو الدرع الذي يحمي الأذن والروح من اختراقات العدو، فبدلًا من أن يكون الصوت مصدر خوف، صار هو وسيلة الاحتماء.
2. الصوت كيان مادي (الجدار الحماية): كلمة “جدار” توحي بالصلابة والمنعة. في هذا العرض، تحولت الموجات الصوتية الموسيقية إلى “كتلة” معنوية تملأ الفضاء العام. عندما يخرق الطيران جدار الصوت، فإنه يحاول تمزيق سكون المدينة، لكن “جدار صوت” الموسيقي قام بـ “ترميم” هذا السكون بالضجيج الجميل. إنه بناءٌ لبيئة صوتية بديلة؛ فإذا كان جدار الصوت المعادي يفرق الناس ويبعثهم إلى الملاجئ، فإن جدار الصوت الفني يحشدهم في الساحات ويجعلهم يلتصقون ببعضهم البعض.
3. جمالية “الانفجار” الموسيقي: في العرف الفيزيائي، لحظة خرق جدار الصوت هي لحظة انفجار ضخم. العرض الفني استعار هذه “اللحظة” وحولها إلى “انفجار إبداعي”. الموسيقى هنا لا تنساب بهدوء، هي تندلع بقوة لتغطي على أي صوت آخر. هي محاكاة لـ “الضجيج بالضجيج”، لكنه ضجيج منظم، يحمل رسائل وهتافات، ما يجعل الصدى الفني أطول عمرًا وأعمق أثرًا من الصدى الميكانيكي للطائرة التي تعبر وتختفي.
4. ثنائية “الصوت الرهيب” مقابل “الصوت المهيب”: توسع العنوان ليشمل الفرق بين “الرهبة” و”الهيبة”. الرهبة: مصدرها تقني، معدني، بارد، وقادم من الأعلى (الطائرة). والهيبة: مصدرها بشري، دافئ، وقادم من الأرض (الحمرا/ الناس). العنوان هنا يعلن انتصار “الهيبة” على “الرهبة”؛ فالموسيقى التي تملأ شارع الحمرا تخلق “جدارًا” يمنع الروح من السقوط في فخ الخوف، ويحول تلك الرجفة التي تسببها الطائرة إلى “هزة” إيقاعية معبرة عن العنفوان.
“جدار صوت” هو بيان أدبي يعلن أن الصوت ليس ملكًا لمن يملك المحرك الأقوى، بل لمن يملك القضية الأنقى. العنوان هو “تحدٍّ لغوي” قبل أن يكون موسيقيًا، حيث غدا الصراخ الموسيقي في وجه الطائرة هو الطريقة الأرقى لقول “نحن هنا”، محولًا الأداة التي أرادها العدو للكسر إلى أداة للوصل والثبات.
في لغة المكان والناس الوجدانية
يُظهر الفيديو تلاحمًا وجدانيًا عميقًا؛ حيث تمتزج ملامح الحاضرين بصدى الموسيقى. القراءة الوجدانية لهذا المشهد تقول إن بيروت ما تزال تملك حنجرة صلبة. الوجوه التي تظهر في العرض ليست مجرد جمهور، هم “كورال” طبيعي يعلن أن نبض الشارع أقوى من جدار الصوت المعادي. الموسيقى هنا وإن كان فيها شيء من الترفيه؛ هي أعمق من ذلك لتثبت هوية تُستعاد وسط الضجيج. الجمال في هذا العمل يكمن في “الديمقراطية الفنية”؛ إذ يسقط الفاصل بين الفنان والمتلقي.
كل شخص في ذلك الشارع أصبح جزءًا من اللوحة. أدبيًا، يمثل هذا العرض “شعرية الرفض”؛ الرفض بالرقص، الرفض بالغناء، والرفض بالبقاء في الساحات. الكلمات والأنغام المختارة بعناية تعزز قيم الصمود (الأرض، الكرامة، والعنفوان)، وهي ثيمات كلاسيكية في أدب المقاومة، أُعيد صياغتها، هنا، بقالب معاصر يحاكي نبض الشبان والمدينة.
إن فيديو “جدار صوت” في الحمرا هو رسالة مفادها: “إذا كان عدوكم يخرق صمتكم بالنار، فنحن نخرق صمت العالم باللحن”. هي دعوة لاستعادة الفضاء العام، وإثبات أن الفن في لحظات الحرب هو “خبز الروح” الذي لا يقل أهمية عن رصاص الميدان. هو نشيدٌ للبيوت التي بقيت، والقلوب التي لم ترتجف، والأصوات التي تأبى أن تكون مجرد صدى.. هي الجدار والقرار.
في اللغة الوجدانية للمكان والناس (بيروت حين تغني جراحها)
في عرض “جدار صوت”، يتحول المكان من مجرد جغرافيا إلى ذاكرة حية، ويتحول الناس من مجرد مشاهدين إلى شركاء في المصير.
1. “الحمرا” رمزية للمقاومة الثقافية
شارع الحمرا ليس مجرد شارع تجاري، هو “رئة” بيروت الثقافية وتاريخها الليبرالي والمقاوم. اختيار هذا المكان تحديدًا يحمل دلالة وجدانية عميقة؛ فالصوت الذي ينطلق من الحمرا هو صوت العقل والجمال والحرية الذي ترفضه آلات الحرب. المكان هنا يمنح الموسيقى “شرعية تاريخية”؛ فكأن أرصفة الشارع ومقاهيه القديمة هي التي تخرج عن صمتها لتشارك في النشيد، ما يجعل العرض يبدو وكأنه استعادة لروح المدينة التي تأبى الانكسار.
2. الوحدة العضوية بين “الحنجرة” و”الرصيف”
في الفيديو، نلاحظ أن المسافة بين الفنان والجمهور تلاشت تمامًا. هذه الوجدانية تعكس فكرة “الجسد الواحد”؛ حيث لا يعود الصوت قادمًا من مكبرات الصوت فحسب، يبدو وكأنه ينبع من أقدام الناس الثابتة على الأرض. الوجوه الظاهرة في الكليب، بملامحها التي تمزج بين الإباء والتحدي، تعطي للموسيقى “وجهًا إنسانيًا”. إنهم لا يصفقون للعرض، هم يصفقون لذواتهم الصامدة، فيحول الشارع إلى “حالٍ صوفية” من الجماعية والاتحاد ضد التهديد الخارجي.
3. تحويل “الضجيج” إلى “ألفة”
بيروت مدينة اعتادت الضجيج، لكن “جدار صوت” أعاد صياغة هذا الضجيج وجدانيًا. بدلًا من ضجيج القصف أو طنين الطائرات المقلق، امتلأ الفضاء بضجيج “الحياة”. هذه اللغة الوجدانية تعيد للمواطن اللبناني شعوره بـ “الألفة” مع مكانه؛ فالموسيقى تطرد “غربة الخوف” التي تفرضها الحرب، وتجعل من الشارع “بيتًا” كبيرًا يتسع للجميع. هنا، يصبح المكان آمنًا؛ ليس لأنه محصن عسكريًا، بل لأنه “محصن نفسيًا” باللحن والاجتماع.
4. الحضور الشعبي “رديف” معنوي
تظهر في العرض فئات عمرية مختلفة، وهذا التنوع يعزز البعد الوجداني لـ “الاستمرارية”. عندما يغني الشاب إلى جانب العجوز في قلب الحمرا، فإن الرسالة الوجدانية هنا هي أن “الجدار” ليس ماديًا؛ بل هو جدار بشري ينتقل من جيل إلى جيل. الناس هنا هم “الصدى” الحقيقي؛ فالموسيقى تنتهي، لكن الروح التي تركتها في وجوههم تظل تتردد في أزقة بيروت فعل ثبات يومي.
لقد نجح عرض “جدار صوت” في جعل شارع الحمرا “مرآة وجدانية” تعكس صمود الإنسان اللبناني. المكان لم يعد صامتًا، والناس لم يعودوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار؛ لقد تحولوا جميعًا إلى “نوتة” واحدة في سمفونية الرفض. إنها قصة مدينة تقاتل القبح بالجمال، وتواجه العزلة بالالتحام، وتثبت أن “الصدى” في بيروت هو دائمًا صدى الحياة.
في البعد الفني والأدبي (شعرية الرفض والجمال المقاوم)
في هذا المحور، نتأمل كيف استطاع “جدار صوت” أن يصيغ فلسفة الصمود بقالب فني معاصر، محولًا الشارع إلى قصيدة بصرية وموسيقية:
1. “ديمقراطية الفن” وكسر الهياكل التقليدية:
أدبيًا وفنيًا، ينتمي هذا العمل إلى ما يُعرف بـ “فن الشارع” (Street Art)، وهو الفن الذي يرفض الانغلاق في القاعات النخبوية. الجمالية هنا تكمن في سقوط “الجدار الرابع” بين الفنان والجمهور. لم يعد هناك “مؤدٍّ” و”متلقٍّ”، بل أصبح الجميع جزءًا من الحدث. هذا التلاحم يجسد أدبيًا فكرة “البطل الجماعي”؛ فالبطولة ليست للمغني وحده، بل للرجل الذي يلوح بيده، وللمرأة التي تهتف من شرفتها، وللشاب الذي يصور بهاتفه. الكل أصبح “مؤلفًا” في هذه اللحظة التاريخية.
2. تحويل الرفض إلى “شعرية حركية”:
يعتمد العمل على ما يمكن تسميته بـ “شعرية الرفض”. في أدب المقاومة الكلاسيكي، يكون الرفض بالكلمة، أما هنا، فالرفض هو “حال وجودية” كاملة. الرقص في الشارع وسط تهديد “جدار الصوت” المعادي هو استعارة أدبية تعني أن الجسد اللبناني لا يرتجف خوفًا، بل يتمايل عنفوانًا. هذه الحركة هي رد فعل “سريالي” على واقع الحرب؛ فبينما يُتوقع من الناس الاختباء، يختارون “الظهور” في أبهى صورهم الفنية.
3. إعادة تدوير “ثيمات” الأرض والكرامة
فنيًا، استند العرض إلى موروث ضخم من “أدب المقاومة” (الأرض، الكرامة، الصمود)، لكنه أعاد تقديمها بنبرة “حداثية”. لم تكن الموسيقى غارقة في الندب أو البكائية، لقد كانت “إيقاعية، صاخبة، ومليئة بالحياة”. هذا التوجه الفني يخاطب جيل الشاب بلغته، ويحول القيم الوطنية الكبرى من قوالب جامدة إلى “طاقة” متفجرة في الساحات. إنه الانتقال من “أدب الشكوى” إلى “فنون التحدي”.
4. الموسيقى “درع” بصرية:
عندما نشاهد الفيديو، نرى أن الصوت خلق نوعًا من “الحصانة البصرية”. الألوان، الإضاءة، وتفاعل الناس في شارع الحمرا رسمت لوحة تتناقض تمامًا مع صور الدمار التي يحاول العدو فرضها في الوعي العام. أدبيًا، هذا يسمى “المقاومة بالصورة البديلة”؛ أي أننا نرفض أن تكون صورتنا الوحيدة هي صورة الضحية، ونفرض صورتنا بصفتنا صناعًا للجمال والحياة حتى في أصعب الظروف.
إن عرض “جدار صوت” في الحمرا لم يكن مجرد عرض موسيقي، هو “بيان الثقافة في وجه البربرية”. لقد أثبت أن الفن ليس “ترفًا”؛ هو “ضرورة وجودية”. إذا كان جدار الصوت المعادي يهدف إلى “تشتيت” الروح، فإن جدار الصوت الموسيقي قام بـ “حشدها”. إنه التأكيد الأزلي لبيروت: أن الحنجرة التي تغني للحرية لا يمكن أن يخنقها غبار الطائرات، وأن الصدى الذي يتركه الفن في القلوب هو الجدار الحقيقي الذي لا يمكن خرقه.
الفنان معين شريف:” الفن الهادف محارب من الإعلام المأجور”
يعبر الفنان المخضرم معين شريف، في مقابلة مع موقع “أوراق”؛ عن هذا كله؛ بقوله:”كل منا يعرف واجبه؛ ونحن من المؤمنين أن الفن ليس سلاحًا عاديًا؛ بل فتاكا يعيش أطول وأكثر أثرًا في الجمهور. مما لا شك فيه أن الفن الهادف محارب من الإعلام الماجور؛ ولكن لن يطول أمره؛ إذ دومًا الفن الأصيل الذي يعبر عن قضايا الناس وهمومهم هو الذي يستمر”.
عن تجربته مع المنشد علي العطار؛ يقول الفنان شريف:”هي تجربة ناجحة؛ وفيها وحدة هذف في سبيل هذه القضية المحقة”؛ مؤكدًا أن الموهبة التي لا تصرف قي القضايا المحقة تكون مزيفة ومنحلة، ولا نستحقها من رب العالمين الذي وهبنا إياها.. إنها مسؤولية كبرى في معركة الوعي مع هذا العدو الغاشم الذي يبيد البشر قبل تدميره الحجر”.
“الفن الهادف هو قناعتي بأهدافي”
الجميع ما يزال يذكر كيف وقف الفنان معين شريف خلف بيته المدمر؛ ليقول “فدا المقاومة ورجالها”؛ وما هذا الموقف الوطني إلا تعبير عن :”قناعتي بأهداف قيم الوطن والكرامة والشرف؛ منذ نشرت أغنيتي “لازم تعرف يا محتل”، لم اتزحزح عن هذا المسار؛ والذي دفع العديد من الإعلام والمؤسسات الفنية إلى مقاطعتي وحتى محاربتي.. ولست نادمًا؛ إذ لم أكن على قدر المسؤولية أمام هذه الموهبة وتسخيرها في القضايا الهادفة، فلن أكون جديرًا بالحياة الكريمة..
وأعتقد يقينًا أن تاريخ مولدي في 5/15/ 1972، والذي يصادف ذكرى النكبة الفلسطينية لم يكن عبثًا؛ الله سبحانه لم يخلقني صدفة في هذا اليوم إلا كي أننصر للحق. إني من المؤمنين أن الفوز الاكبر هو الوقوف إلى جانب الحق؛ هذا الموقف المستمد من روح ملحمة كربلاء؛ فنحن أولاد هذه المدرسة التاريخية القائمة على التضحيات وعدم الخوف من سلوك طريق الحق لقلة سالكيه”.
المصدر خاص موقع أوراق د. زينب الطحان/أستاذة جامعية وكاتبة
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



