اخبار اقليمية

بين التاريخ والسياسة: إسرائيل توظّف ملف الأقليات لتفتيت المنطقة!

يصرُف المُحللون وبعض الصحافة حبراً وفيراً في الكتابة عن الأقليات والأكثرية، وعن مظلوميات كل منهما في الصراع القائم، لا سيما في بلاد الشام “المنظورةِ والمنكوبة”، بينما لا يحتاج الموضوع الى مثل كل هذه المقاربات والمطولات، لأن التعابير والمفاهيم وتولَّيف الحكايات؛ تُستحضر وفقاً للسيناريو المرسوم وللنتيجة المنتظرة، في مشهديةٍ تتحكَّم فيها لعبة الأُمم ومصالح الدول الكبرى.

ولعلَّ أكثر ما سلَّط الضوء على الوضعية الراهنة، هو الإقتتال الذي جرى في أكثر من منطقة سورية، لا سيما في السويداء في الجنوب وفي جبلة في الساحل وفي المناطق الشمالية الشرقية من البلاد، إضافة إلى تفجير الكنائس ودور العبادة، وعمليات الإغتيال والسَبي التي حصلت خلال الأشهر الماضية.

وكانت ذات الظاهرة طُرحت في العراق بُعيدَ مرحلة الغزو الأميركي، حيث طفت على سطح المفاهيم تعابير لم تكُن مستخدمة فيما سبق، لا سيما مفهوم “المكونات” الشعبية، ومَا هو حجم كلٍ منهم، أقصد؛ الشيعة والسنة والأكراد والمجموعات الأخرى من المسيحيين والأيزيدين والصائبة والكاكائيين.

وساهمت الأحداث المؤلمة التي حصلت في لبنان خلال العام الماضي من جراء العدوان الإسرائيلي، في استحضار لغة الضمانات التي يتحدث عنها حزب الله بمناسبة مطالبتهِ بتسليم سلاحه للقوى النظامية اللبنانية بموجب اتفاق وقف النار بتاريخ 27 تشرين الثاني/ نوفبر 2024، وما تضمنه من إشارات واضحة حول تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، لا سيما القرار 1701، والذي يتحدث بوضوح عن حصر امتلاك السلاح في لبنان بالقوى الحكومية من دون غيرها.

إسرائيل، كما الدول الاستعمارية السابقة والجديدة، تستغل ملف “الأقليات” لتنفيذ مآربها التوسعية والتفتيتية، ولإحداث شرخ بين مكونات الأمة.

وهو ما اشتغلت عليه – ولو على شاكلة مختلفة – السلطنة العثمانية خلال 400 عام كانت “الخلافة” مُناطة بسلاطينها.

وبالفعل، وبواقع الحال؛ هناك تباينات جوهرية في الرؤى بين قوى أساسية في بلاد ما بين النهرين والمنطقة الشامية، او ما يطلق عليها “سوريا الكبرى”، كذلك هناك تنوُّع ديني ومذهبي وإثني، يتم استغلاله بمناسبة الأحداث الكبيرة، وفي سياق رسم الخرائط وتوزيع النفوذ في كل زمان.

والإشارة مفيدة في هذا السياق لما قامت به بريطانيا وفرنسا بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث أخلتا بوعودهما للملك فيصل الهاشمي، فأغدقت الأولى على الحركة الصهيونية بوعد “بلفور” الذي سبّب اغتصاب فلسطين، بينما قسَّمت الثانية سوريا الى أربع دويلات على أسس مذهبية.

العرب أمةٌ واحدة وليسوا أكثرية وأقليات. والأمة فيها تنوع طبيعي، أكد على احترامه الرسول العربي الكريم محمد (ص). والغساسنة المسيحيون دافعوا عن العروبة بما لا يقل عن دفاع المسلمين عنها، بينما الفِرق والمذاهب الإسلامية، لم تكن في أي يوم مضى موحدة في رؤاها السياسية. والصراعات الدموية، غالباً كانت تحصل في سياق السِباق على السلطة، بينما الاختلافات الفقهية والمذهبية لا تُفسد في الودِّ قضية. وما يثار اليوم عن أكثرية إسلامية “سُنية” دائماً ما كانت تواجه بتحالف الأقليات لمنعها من الحكم؛ غير صحيح على الإطلاق. فلا الأكثرية السنية موحدة، وهي مؤلفة من عدة مدارس فقهية (وهابية وأشعرية وصوفية وحنفية ومالكية)، ولا الفِرق الإسلامية الأخرى كانت على حالة من الوحدة السياسية المُتماسكة، حيث كان للشيعة عدة مرجعيات، بينما الموحدون الدروز كانوا مع السُنَّة كأمة وليس كطائفة، ولدى العلويين تنوع ولا يتحملون بمجملهم موبقات حكم آل الأسد، بينما عاون هؤلاء عدد كبير من السُنَّة.

تحاول إسرائيل في توجهاتها العدوانية المُتفاقمة، تسعير حِدَّة التباينات بين مكونات الأمة، وهي تتعاطى مع البدو كونهم قومية خاصة، ومع الدروز كونهم قومية أخرى ايضاً، بينما كل هؤلاء لا يتحدثون إلا العربية، حتى أن أسماءهم عربية بالكامل ويلفظون العربية بفصاحة متناهية.

تجربة الشهور الماضية للإدارة السورية الجديدة، كانت وبالاً على “الحكاية” وهي أعطت فرصاً لإسرائيل لتتدخل بعدوانية شرسة، وتحت شعاراتٍ انسانية واهية، للدفاع عن الأقليات، بينما هي مصدر الخطر الأساسي على الجميع.

وبعض دوائر السلطة الجديدة في دمشق، بالغت في توظيف المجموعات المُتفلِّته لتأديب المُطالبين بالمزيد من الحريات والديمقراطية وباللامركزية، بما فيهم الفصائل الكردية في شمال شرق سوريا، وغالبية هؤلاء جاءوا من تركيا واحتضنهم العرب واستقبلوهم برحابة صدر، بعد أن تعرَّضوا للظلمِ في الأزمنة الماضية.

والفصائل الخارجة عن القانون “كما تصفهم الإدارة الجديدة”، هم بالفعل مَن يقود الحملات التأديبية البغيضة في مناطق تعيش فيها “أقليات إسلامية”، خصوصاً في الساحل، وفي السويداء التي انخرط أبناؤها في معارضة النظام السابق بشراسة متناهية قبل سقوطه. والمكونات السورية المُختلفة، بما فيهم أغلبية “سنية” في دمشق وحلب وحمص، متخوفون من تركيبة الجيش العربي السوري الجديدة، بينما ما زالت المجموعات المُتفلِّتة تسرح وتمرح، وتقود الأعمال الحربية بغطاء من الحكومة، مثل فصائل “الحمزات” و “العمشات”، وغالبية هؤلاء لا يعرفون العربية، وليس لهم أي عاطفة اتجاه التاريخ والحضارة العربيتين… الأكثرية إذا وجدت فهي حضنٌ فسيح، وليست مقصَلة، وفي الحالة الثانية؛ فإن الأقليات سيخافون بطبيعة الحال.

الانباء

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى