مقالات

إيران تعلنها حرباً سيبرانية على إسرائيل!

في ظلال العالم الرقمي، كانت هناك حرب مستعرة تدور بعيداً من العناوين الصاخبة وفوضى أرض المعركة. بينما كانت أنظار العالم مركزة على حرب الإبادة والتطهير العرقي الإسرائيلية ضد شعب غزة، كانت هناك جبهة أخرى تتشكل: إنّها جبهة المقاومة الرقمية. لم تكن الأسلحة فيها رصاصاً أو صواريخ، بل أدوات رقمية مصممة بعناية ومدعمة بالذكاء الاصطناعي، تلقّى فيها الصهاينة ضربات من اليمين واليسار، ما أدخلهم في حالة من الضياع والتخبط. كل هذا وأكثر، تحدّث عنه منشور خاص أعده «معهد دراسات الأمن القومي» الإسرائيلي التابع لجامعة «تل أبيب» بالتعاون مع مركز «تراث وتخليد ذكرى الاستخبارات الإسرائيلية»

شكلت الحرب في غزة فرصة لجهود إيرانية من أجل تكثيف العمليات في الفضاء الرقمي ضد إسرائيل. والعمليات هنا لا تعني مجال القرصنة فقط. الحديث هنا عن إستراتيجية متعددة المستويات طوّرتها إيران هدفت إلى إضعاف التماسك الداخلي الإسرائيلي من دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. وعملت الجهات الإيرانية الفاعلة على «استغلال القضايا الحسّاسة في المجتمع الإسرائيلي، وعلى رأسها قضية الرهائن المحتجزين في غزة، لتأجيج الانقسامات الداخلية»، وعلى إنشاء شبكة معقدة من الحسابات الوهمية المتقنة عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، بالإضافة إلى تجنيد إسرائيليين «عن غير قصد»، واستخدام متقدم لأدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أدوات التزييف العميق (deepfake)، كما الدفع بعمليات على الأرض تؤكد للمستخدم الإسرائيلي بأن ما قرأه في الحسابات على السوشال ميديا حقيقي.

في هذا السياق، كانت العمليات الإيرانية متعددة الأوجه، إذ لم تقتصر على دعم أجندة سياسية أو توجه سياسي بعينه، بل استهدفت التأثير في «المجتمع» الإسرائيلي كلّه عبر منصات التواصل الاجتماعي. وقد استخدمت هذه العمليات منصات التواصل الاجتماعي مثل واتساب وتليغرام وفايسبوك وإكس

. تعددت العمليات التي نفذتها إيران وفقاً للتقرير الإسرائيلي، ومنها مجموعة Aryeh Yehuda News Flashes التي تبنت دور قناة إخبارية إسرائيلية لنشر التحريض واتهام الأجهزة الأمنية بالإهمال. كما ظهرت مجموعة Egrof Fist التي عملت على تعميق التوترات في الداخل المحتل، مروّجة لمحتوى «متطرف» على منصات مثل تيك توك وإنستغرام. وكانت هناك أيضاً عمليات مثلTears of War التي حاولت توظيف صور وتقارير عن القتلى والأسرى لتأجيج مشاعر الكراهية، بينما استخدمت مجموعة BringHomeNow منصات مثل تليغرام لجمع معلومات شخصية عن الإسرائيليين عبر استمارات «تطوع» مزيفة. تضاف إلى ذلك مجموعة Helpless التي سعت إلى نشر الإحباط بين النساء الإسرائيليات، ومجموعة Kan+ التي استهدفت جمع بيانات حول الإسرائيليين عبر استطلاعات زائفة.

أخيراً، عملت مجموعة Second Israel على مدار أكثر من عامين (منذ ما قبل الحرب) للتأثير في القضايا السياسية في الكيان العبري، واستهدفت الناخبين ودعمت أجندات متناقضة مع المواقف السائدة. علماً أن تلك العمليات سبق أن أشار إليها «جهاز الأمن العام» الإسرائيلي (الشاباك) في تقارير إعلامية سابقة. وتميزت الإستراتيجية الإيرانية بالمرونة والتكيف بحسب التقرير، إذ أعادت تنشيط حسابات قديمة وأنشأت حسابات جديدة باستمرار. كما استغلت الأحداث الجارية لتطوير روايات تخدم أهدافها الإستراتيجية في خلق حالة من عدم اليقين والشك في المعلومات، ما يُضعف القدرة الإسرائيلية على اتخاذ قرارات واضحة.

تستثمر إيران موارد كبيرة في تطوير العمليات السيبرانية

ورغم محاولة مؤلفي التقرير البحثي، الباحث في التضليل الإعلامي وشبكات التواصل الاجتماعي، نيتسان ياسور، والزميل في «برنامج إيران» في معهد «دراسات الأمن القومي»، داني سيترينوفيتش، تقديم إيران كمصدر وحيد لكل الأزمات الداخلية التي تواجه كيان الاحتلال، فإنّ التقرير يحمل بوضوح أجندة سياسية تدفع نحو أمرين: أولهما، ضرب شرعية المتظاهرين ضد سياسات حكومة اليمين المتطرف عبر ربط جهودهم بالمصالح الإيرانية التي تنفذها الجهات الفاعلة عبر حرب السايبر؛ وثانيهما، تبرير سياسات أكثر تشدداً، وتهيئة الرأي العام الإسرائيلي لتقبل عسكرة متزايدة للحياة الرقمية تحت ذريعة «الضرورة الأمنية».

وشكا المؤلفان من أنّ هذا النوع من العمليات يمثل تحدياً كبيراً لإسرائيل، إذ يصعب تتبعه ومكافحته «من دون المساس بحرية التعبير والنقاش العام المشروع»، وخصوصاً أن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي يجعل من الصعب بشكل متزايد التمييز بين المحتوى الحقيقي والمزيف، ما يتطلب إستراتيجيات دفاعية متطورة تجمع بين الحلول التقنية والتوعية المجتمعية. وحذرا من أن «إيران تستثمر موارد كبيرة في تطوير هذه العمليات، مستفيدة من خبرتها المتراكمة في التعامل مع المجتمع الإسرائيلي».

وأوصى التقرير بضرورة «تطوير استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة هذا التهديد، تجمع بين الإجراءات التشريعية والتقنية والتوعوية». وأكد على أنّ «المواجهة الفعالة لهذه العمليات تتطلب تعاوناً وثيقاً بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ومنصات التواصل الاجتماعي». وأضاف أنّ «إيران تنظر إلى الفضاء الرقمي بمثابة ساحة حرب موازية تمكّنها من تحقيق أهداف استراتيجية بكلفة منخفضة ومخاطر محدودة». ويتوقع التقرير استمرار وتصاعد هذه العمليات في المستقبل، خصوصاً مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور منصات تواصل اجتماعي جديدة. وأكد على أنّ نجاح إسرائيل في مواجهة هذا التحدي سيعتمد على قدرتها على تطوير آليات دفاع متكيفة ومرنة تواكب تطور التهديدات.

أصبحت الحروب السيبرانية بُعداً حاسماً في الجيوسياسة الحديثة، مع تصاعد التوترات والمناورات الاستراتيجية بين الدول في المجال الرقمي. في عالم يريد أن يكون متعدد الأقطاب بشكل متزايد، تعيد هذه الحروب السيبرانية تشكيل التوازن العالمي للقوى. إذ يمكن للدول الأصغر أو الأقل تقدماً تكنولوجياً أن تُشكل تهديدات عظيمة للقوى الأكبر والأكثر استقراراً، ما يسمح للقوى الناشئة بالضرب بقوة أكبر من وزنها وتحدي هيمنة الاستعمار وأذرعه العسكرية.

وتُعد الصين مثالاً بارزاً على ذلك، إذ تمكنت من تطوير قدرات هجومية سيبرانية متقدمة من جمع المعلومات الاستخبارية والنيل من خصومها وحتى تعطيل البنى التحتية الحيوية. وقد سمح هذا للصين بفرض قوتها وتعزيز مصالحها الجيوسياسية، حتى وهي تحاول اللحاق بالولايات المتحدة من ناحية القوة العسكرية التقليدية. وفوق ذلك، أدى ظهور الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل مجموعات القراصنة والمجرمين السيبرانيين، إلى إضافة طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد الجيوسياسي. إذ يمكن لهذه الكيانات أن تُستخدم من قبل الدول بمثابة وكلاء، ما يزيد من غموض من أصدر الأوامر. من الواضح أن مستقبل ديناميكيات القوة العالمية سيتأثر بشكل كبير بقدرة الدول على التنقل في المياه العكرة للحروب السيبرانية. وستكون الدول القادرة على استيعاب هذه التحديات في مركز الصدارة في هذا المشهد الجيوسياسي الحديث.

علي عواد _ الأخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى