لم تباغت الحرب أحداً. مع ذلك، كان تعامل السلطة مع تداعياتها منفصماً عن الواقع. فلا إعلان لحالة طوارئ، ولا خلية أزمة، ولا مراسيم أو قوانين استثنائية تواكب معاناة الناس في الشوارع والطرقات. بدت السلطة، بجناحيها التشريعي والتنفيذي، وكأنها فوجئت بالحرب، رغم أنها كانت نتيجة مسار ممتدّ منذ عامين، وهي فترة كافية للاستعداد لأي سيناريو مُحتمل.

في حالة الحرب، «أبسط واجبات السلطة إعلان حالة الطوارئ لمواكبة الوضع الاستثنائي الذي تمرّ به البلاد»، وفقاً للمحامية فداء عبد الفتاح.

«لكن ما حدث أن السلطة لم تفعل شيئاً، وبقي المشهد كما لو أننا في بلدين، أحدهما في حالة حرب بلا دولة، وآخر يتصرّف سكانه وكأن الحرب تحصل في مكان بعيد».

وقد انعكس هذا الانفصام على الأداء السياسي، حيث أخفقت السلطة في اختبار الحضور. فرغم سنوات الحرب الثلاث، لم يرتقِ تعاملها إلى مستوى الأحداث. وبدا ذلك واضحاً في استمرار مجلسَي النواب والوزراء بالعمل وفق أجندات روتينية بعيداً عن الأولويات الملحّة التي أملتها الحرب.

وبحسب رصد أجراه «استديو أشغال عامة» بالتعاون مع «غربال» و«المفكّرة القانونية»، لأداء مجلسَي النواب والحكومة بين الثاني من آذار، و15 نيسان، تاريخ إعلان وقف إطلاق النار، في ما يتعلّق بالتعامل مع تداعيات العدوان الإسرائيلي، تكشّفت صورة أداء رسمي اتّسم بسوء الإدارة واللامبالاة، وتخلّي السلطة عن مسؤولياتها وإدارتها ظهرها للناس في أكثر اللحظات حاجة إلى الدولة.

على المستوى التشريعي، يُظهِر الرصد أنه بين اندلاع العدوان وإعلان وقف إطلاق النار طُرح 13 اقتراحَ قانون تقدّم بها نواب و9 مشاريع قوانين مُحالة من الحكومة.

لكنّ المفارقة أن اثنين منها فقط ارتبطا مباشرة بتداعيات الحرب، وهما اقتراحا تعليق المُهل المُقدّم من النائب سامي الجميّل وتعليق المهل القانونية والقضائية والعقدية الذي قدّمته النائبة بولا يعقوبيان، واللذان قُدّما كإجراء استثنائي لحماية الحقوق في ظل تعذّر الوصول إلى المحاكم وتعطيل سير المؤسسات خلال الحرب.

ما عدا ذلك، استكمل النواب عملهم على خط التشريع كالمعتاد وكأن لا حرب ولا من يحاربون. وتجلّى ذلك أيضاً في الجلسة الوحيدة التي عقدها المجلس في 9 آذار، إذ اقتصر جدول أعمالها على مناقشة ثلاثة اقتراحات لتأجيل الانتخابات النيابية، من دون إدراج أيّ مشروع أو اقتراح يعالج تداعيات الحرب أو متطلّبات الطوارئ.

وعلى النسق نفسه، سارت السلطة التنفيذية. فرغم عقد الحكومة ست جلسات خلال تلك الفترة، وإدراج بنود مرتبطة بالحرب على جداول أعمالها، فإن غالبية النقاشات والقرارات اتّسمت إمّا باستجابات جزئية للنزوح، اقتصرت على عرض استعدادات الوزارات المعنية، أو بإجراءات إدارية روتينية لا ترقى إلى مستوى الأزمة.

فقد تكرّر في أكثر من جلسة التركيز على تكليف وزارة الشؤون الاجتماعية بتأمين مراكز للنازحين، وبُحث في جلسة 23 آذار طلب وزارة الصحة تأمين الأدوية والمستلزمات الطبية والمحروقات والتجهيزات الاستشفائية بطريقة الاتفاق الرضائي لضمان استمرارية المرافق العامة في الظروف الاستثنائية.

أمّا الجلسة المُخصّصة في 26 آذار لبحث تداعيات النزوح والاعتداءات الإسرائيلية، فبقيت في إطار العناوين العامة واستعراض تقارير الوزارات، من دون أن تفضي إلى قرارات عملية تعالج الأزمة.

وغلبت التدابير الإدارية الروتينية على غالبية جلسات الحكومة (4 من أصل 6) لمتابعة الهبات والتمويلات الخارجية، فيما برزت ملفات لا ترتبط مباشرة بالحرب أو النزوح، مثل تحديد سقف الإنفاق الانتخابي، والموافقة على اتفاقيات تمويل لمشاريع طرق، وإنشاء فروع لجمعيات أجنبية، والسماح باستيراد مُسدّسات لنادٍ للرماية، وتغيير تسمية بلدة بيت مري إلى مدينة بيت مري، إضافة إلى الموافقة على مشاركات رسمية في اجتماعات وفعّاليات خارجية.

لكنّ الأخطر من سوء إدارة ملف النزوح، كان مقاربة السلطة للحرب وتداعياتها من زاوية أمنية بالدرجة الأولى.

والقرارات الصادرة تحت ستار العدوان ظهّرت هذا التوجه الذي ازداد فظاظة جلسة إثرَ أخرى. ففي جلسة 2 آذار، أعلنت الحكومة «رفضها المُطلق لأي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسسات الدولة»، مؤكّدة أن «قرار الحرب والسلم هو حصراً بيدها، ما يستدعي الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية باعتبارها خارجة عن القانون (بند 1) والطلب من قيادة الجيش المباشرة فوراً وبحزم بتنفيذ الخطة (…) في شقّها المتعلّق بحصر السلاح شمال الليطاني وباستعمال جميع الوسائل التي من شأنها ضمان تنفيذ الخطة (بند 2)».

وفي جلسة الخامس من آذار، طلبت الحكومة من الوزارات والإدارات المعنية وسائر الأجهزة العسكرية والأمنية «إعطاء التوجيهات والتعليمات المناسبة للتحقّق من وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني في لبنان والتدخّل الحازم والفوري لمنع أي نشاط أو عمل أمني أو عسكري قد يقومون به انطلاقاً من الأراضي اللبنانية (…) وتوقيفهم تحت إشراف القضاء المختص تمهيداً لترحيلهم (بند 24)».

واستُكملت المقاربة الأمنية مع جلسة 26 آذار الماضي باتّخاذ «تدابير جديدة لتعزيز الأمن في العاصمة، وهو ما سيكون ظاهراً للجميع من خلال تكثيف دوريات الجيش وقوى الأمن في المدينة».

وتُوّجت هذه القرارات في جلسة 9 نيسان بالطلب «من الجيش والقوى الأمنية المباشرة فوراً بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها» (بند 2).

لم يقتصر الأمر على تغليب المقاربة الأمنية على معالجة تداعيات الحرب، بل بدا أن الحكومة استغلّت الظرف الاستثنائي وانشغال الرأي العام بتداعيات العدوان وأزماته اليومية، لتمرير قرارات بالغة الحساسية. ومن أبرزها القرار المثير للجدل الصادر في جلسة 9 نيسان، والقاضي بالترخيص لشركات الإسمنت باستثمار مقالع في عدد من المناطق المأهولة.

والأخطر أن مجلس الوزراء اكتفى يومها بإصدار بيان صحافي مُقتضب، من دون الإشارة إلى هذا القرار، كما امتنع عن نشر مُقرّرات الجلسة على موقعه الإلكتروني، ما شكّل عملياً حجباً للمعلومات وعرقلةً لحق المواطنين في الاطّلاع على القرارات العامة ومراقبتها.

حرب الـ2024… بلا دولة

لم يكن انفصال السلطة عن أحوال الناس استثناءً في الحرب الحالية، بل كان امتداداً لنهج سبق أن ظهر بوضوح خلال حرب الأيام الـ 66.

فرغم حجم التصعيد آنذاك، بدا أداء المؤسسات الرسمية باهتاً وعاجزاً. فلا مجلس نواب مارس دوره التشريعي بما يواكب الأزمة، ولا حكومة تصرّفت بوصفها سلطة تنفيذية تواجه ظرفاً استثنائياً.

على المستوى التشريعي، يُظهِر استعراض القوانين الصادرة بين 8 تشرين الأول 2023 وتشرين الثاني 2024 أن ما ارتبط مباشرة بالحرب وتداعياتها لم يتجاوز 2% من مجمل التشريعات، في مؤشر صارخ إلى الهوة بين أولويات السلطة وأولويات المواطنين. والأكثر دلالة أن مجلس النواب لم يعقد خلال فترة الحرب أي جلسة مُخصّصة لمواكبة تداعياتها.

وبحسب الدراسة التي أعدّها الباحثون سامي عطالله وسامي زغيب وليا غندور بعنوان «السياسات اللبنانية أثناء حرب إسرائيل عام 2024»، فإن الحرب جرت عملياً في ظل غياب الدولة. فقد اجتمع المجلس النيابي خمس مرات فقط خلال فترة الإسناد والحرب؛ خُصّصت جلستان منها لمناقشة قوانين، وجلسة للموازنة، وجلستان لانتخاب اللجان النيابية.

بين اندلاع العدوان وإعلان وقف إطلاق النار طُرح 22 اقتراحَ ومشروعَ قانون، اثنان منها فقط ارتبطا مباشرة بتداعيات الحرب

وخلال تلك الفترة أُقرّ 13 قانوناً، لم يتناول أيٌّ منها الحرب أو آثارها المباشرة، بل انصبّت جميعها على ملفات اعتيادية، كالقروض ومشاريع البنى التحتية وتعديل بعض القوانين الاجتماعية وإقرار الموازنة وتمديد ولاية المجالس البلدية والاختيارية. والأكثر لفتاً أن آخر قانون صدر عن المجلس كان في 26 نيسان 2024، أي قبل نحو خمسة أشهر من اندلاع الحرب.

أمّا الحكومة، فلم تكن أكثر حضوراً. فرغم انعقاد مجلس الوزراء 26 مرة خلال فترة الإسناد والحرب، وإصداره نحو 1813 مرسوماً وقانوناً، 32 منها فقط لها علاقة بالحرب. واقتصرت هذه المراسيم بمعظمها على تحويلات مالية وقبول مساهمات من جهات مانحة، فيما تمثّل الإجراء الوحيد المتعلّق مباشرة بالنازحين بتنظيم امتحانات رسمية استثنائية للطلاب الذين حالت ظروف النزوح دون متابعتهم الدراسة.

وتكشف هذه الحصيلة أن مؤسسات الدولة تعاملت مع الحرب وكأنها حدث عادي، من دون استشعار لطبيعتها الاستثنائية أو لحجم التداعيات التي فرضتها على المجتمع. ويعتبر مدير مركز ترشيد السياسات في الجامعة الأميركية في بيروت، فادي الجردلي، أن هذا الأداء يخرج عن أي «منطق استيعابي» للأزمة.

فبين واقع ضاغط واحتياجات متزايدة، جاءت القرارات والتشريعات دون المستوى المطلوب. وكان يفترض، برأيه، أن تُقرّ إجراءات تتصل مباشرة بسوق العقارات والإيجارات والحماية الاجتماعية، ولا سيما أن آثار النزوح كانت أشد وطأة وأكثر استدامة من تجارب سابقة. ويضيف أن السلطة كان عليها أن تواكب المواطنين الذين فقدوا منازلهم ومصادر استقرارهم، عبر تدخّلات تشريعية وتنفيذية أكثر فعالية، معتبراً أن غياب هذا الدور يصعب تبريره.

ورغم إدراكه محدودية إمكانات الدولة، يرى الجردلي أن المسؤولية كانت تقتضي حضوراً مركزياً أكبر، وقرباً أوثق من الناس، ومواءمة حقيقية بين العملين التشريعي والتنفيذي. كما يشدّد على أهمية تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية والاستفادة من الدعم الدولي المتزايد للدولة اللبنانية، مقروناً بمستويات أعلى من الرقابة والمُساءلة والشفافية، بما يضمن تحويل المساعدات والشراكات الدولية إلى سياسات عامة فاعلة لا مجرّد إجراءات إدارية عابرة.

استغلّت الحكومة العدوان لتمرير قرار الترخيص لشركات الإسمنت باستثمار مقالع في عدد من المناطق المأهولة

الجانب الآخر من الأزمة يتمثّل في قطيعة السلطة مع خبراتها السابقة، رغم أن الدولة دفعت أثماناً باهظة في حروب وكوارث متتالية كان يُفترض أن تتحوّل إلى قاعدة لتراكم الدروس وبناء الخطط. لكن ما حصل هو العكس تماماً: لم يُستفد من هذه التجارب، بل جرى تعطيلها أو القفز فوقها.

فبدلاً من تطوير لجنة الطوارئ الحكومية والاستفادة من عملها السابق وتصحيح مكامن الخلل فيها، لجأت السلطة إلى استبدالها بآليات جديدة. وإلى جانب ذلك، برز اعتماد شبه كامل على الموارد الخارجية، بما كشف عطبين بنيويين في إدارة الدولة: غياب الاستمرارية المؤسسية، والارتهان للخارج في إدارة الأزمات.

أمّا العطب الثالث، فيكمن في التعامل مع الأزمة على شكل إجراءات متفرّقة ومنفصلة عن بعضها، من دون مقاربة شاملة. ويتجلّى ذلك بوضوح في ملف الإيواء، حيث غاب التدخّل الفاعل للدولة. ففي الحالات الطبيعية، كان يُفترض أن تتجه السلطة إلى تشريعات استثنائية تتيح استخدام المنشآت العامة والخاصة غير المستعملة، لكن ذلك لم يحصل، ما ترك النازحين عرضة لجشع السوق من جهة، وللاستغلال الطائفي من جهة أخرى.

وتشير المحامية فداء عبد الفتاح إلى نماذج عديدة عن هذا الواقع، من ارتفاع غير منضبط في الإيجارات، إلى حالات طرد لأسباب طائفية، وصولاً إلى آلاف الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في الشوارع من دون مأوى. وتضيف أن السلطة لم تضع أي خطة طوارئ جدّية للإيواء، وأن المراكز القائمة كانت إمّا غير مؤهّلة أو جرى تجهيزها بجهود أهلية خلال الحرب السابقة.

كما لم تُسجّل أي رقابة فعلية على سوق العقارات أو أسعار المواد الغذائية التي شهدت ارتفاعاً كبيراً، في مقابل غياب الشفافية في إدارة الهبات والمساعدات المُقدّمة للحكومة.

والنتيجة، بحسب عبد الفتاح، أن الناس تُركوا عملياً من دون حماية: لا إيواء مُنظّماً، ولا رقابة على السوق، ولا ضبط لانهيار الخدمات، فيما تراجعت حتى قدرة الأجهزة الأمنية على حماية الحقوق، ما دفع بعض المواطنين إلى تولّي الدفاع عن أنفسهم.

وتختم عبد الفتاح: «كلّما كبّرنا الصورة أكثر نرى أن السلطة بكل فروعها لم تكن أبداً في مستوى الحرب الوجودية التي تُخاض ضدنا».

راجانا حمية-الاخبار

ما الذي يدفع رئيسًا للجمهورية إلى أن يفعل ما يفعله جوزيف عون؟ قد يبدو السؤال ساذجًا، أو كأنه يطرح أمراً غير مألوف في الحياة السياسية اللبنانية. غير أن عون ليس أول رئيس للجمهورية يذهب بعيداً في معاداة شريحة واسعة من اللبنانيين.

فقد سبقه إلى ذلك رؤساء تجاوزوا حدود الخصومة السياسية إلى مستوى إدارة الحرب.

وهذا ما فعله، في ثمانينيات القرن الماضي، أمين الجميل الذي كان في صدام مع كلّ المسلمين لا الشيعة فقط، وهدّد يومها بتدمير الضاحية الجنوبية.

استحضار تلك التجربة لا يأتي من باب المقارنة اللفظية، بل لأن أمين الجميل كان يومها جزءاً من المشروع الأميركي – “الإسرائيلي” الأوسع في لبنان والمنطقة. وقد أقنعته قوى داخلية وإقليمية، إلى جانب الولايات المتحدة ودول غربية، بأن موازين القوى تسمح بإعلان الطلاق مع بقية اللبنانيين وإخضاعهم.

لم يكتفِ رئيس الجمهورية في تلك المرحلة بالتمهيد لعودة الحرب الأهلية في لبنان، بل تعدّاه إلى التهديد بقصف دمشق، قبل أن يتبيّن له، في أقلّ من عامين، أنه ليس سوى ألعوبة بيد أميركا و”إسرائيل”، وأنه لا يمثّل سوى جزء من اللبنانيين، لا لبنان كله، قبل أن يبدأ مشوار خسارة غالبية تمثيله السياسي، وصولاً إلى خروجه من الحكم ودخول حزب الكتائب مرحلة الأفول.

جوزيف عون ليس أمين الجميل. فهو ليس زعيماً سياسياً يمتلك تمثيلاً شعبياً حقيقياً، كما أن خبرته أظهرت محدودية تجعل حتّى ميشال سليمان أكثر تعقّلاً في إدارة التوازنات اللبنانية. أمّا ما راكمه من معرفة وخبرة خلال تولّيه قيادة الجيش، فلم ينعكس فهماً لتعقيدات الواقع السياسي اللبناني وتشابكاته.

وعون، الذي وصل إلى الرئاسة بقرار أميركي – سعودي، وغصباً عن غالبية واسعة من القوى السياسية واللبنانيين، يبدو مقتنعاً فعلياً بأنه يعبّر عن مشاعر الغالبية اللبنانية، ولا سيما في ظل دائرة من المستشارين وحده الله يعلم كيف يقيسون الأمور.

وهو لم يخلع البزّة العسكرية، ولم يكلّف نفسه عناء قراءة الدستور، ولا الاستماع إلى تجارب من سبقوه في موقعه.

وتوحي التجارب معه على مدى سنوات طويلة بأنه يتصرّف انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الدعم المباشر الذي يحظى به من الولايات المتحدة والسعودية، والدعم غير المباشر من إسرائيل، كفيلان بأن يضعاه في موقع القادر على فرض الوقائع على بقية اللبنانيين.

بهذا المعنى، يصبح النقاش مع جوزيف عون بلا جدوى ومضيعة للوقت. ولكن، لأن الواقع اللبناني لا يتيح قواعد لعبة تسمح بالدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة وإعادة إنتاج السلطة، يتعامل قادة «الجماعات اللبنانية» مع الأمر باعتباره مصيبة حلّت بهم، وليس أمامهم إلا التعامل مع حالة مرضية مخيفة اسمها جوزيف عون، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

لذلك، سيبقى نبيه بري ووليد جنبلاط في موقع من يمكنه مدّ السلم إلى الرجل للنزول عن الشجرة، أو تنبيهه إلى أنه يذهب بعيداً إلى حيث لن يكون أحد قادراً لاحقاً على مساعدته. أمّا اتّكاله على حكومة يديرها «الناشط الباهت» نواف سلام فلم ولن ينفعه في شيء، إذ إن للأخير عداء عقائدياً مع المقاومة، ولا يكترث بما يُسمى التمثيل الشعبي، وهو مجرّد طارئ يقوم بمهمة قبل أن يسافر إلى حيث يحب أن يمضي بقية وقته.

حان الوقت لإعادة النظر في صيغة الحكم القائمة بعدما تجاوز الزمن «وصفة» الطائف وصار لبنان بحاجة إلى «جردة شاملة» قبل صياغة نظام جديد

مع مرور الوقت، سيجد عون نفسه مضطراً إلى التعايش مع واقع جديد. وسيكتشف أنه استهلك كلّ الرصيد الذي وفّرته له واشنطن والرياض، وأن ما استولى عليه حتّى الآن من صلاحيات ونفوذ لن يبقى على حاله. والرجل الذي يسكن في القرن التاسع عشر، لا يعرف – عن جهل أو عن سابق تصوّر وتصميم – بأن سرقة صلاحيات مجلس الوزراء، تُنذِر بما هو أكثر خطورة على صعيد إدارة البلاد. وسيكون هناك رئيس حكومة يعيد عون إلى حجمه الطبيعي، وإلّا ستتجه البلاد إلى صدام سياسي يطيح باتفاق الطائف من أساسه.

وفي كلّ الأحوال، حسناً فعل عون في ضرب الجنون الأخير. وبينما يعتقد كثيرون بأن ما يجري ليس أكثر من نوبة غضب ستزول، إلّا أن الأفضل لمستقبل لبنان أن تأخذ هذه النوبة مداها، وأن نرى منه مزيداً من الإبداعات في توزيع التمثيل والوطنية، وأن يُتحِفَنا بأفكاره النيّرة عن السيادة. وخلافاً لرغبة كثيرين، ربّما من الأفضل للبنان أن يستمر الرجل في ما يقوم به حاليًّا، لأن ذلك يساعد على إزالة الغشاوة عن أعين من لا يزالون يعتقدون بأنه يمثّل فرصة إنقاذ للبنان، بمن في ذلك من انتخبوه، ومن دعموه، ومن يدفعونه اليوم إلى الهاوية غير آبهين به، للإفادة من النار التي يشعلها.

فوجئ كثيرون بما كشفه نائب حزب الله إيهاب حمادة أول من أمس، حول تقييم نواب الحزب للرجل قبل انتخابه رئيساً، غير أن في الأمر مناسبة لكشف المزيد من المستور حول ما كان الرجل يعد حزب الله به خلال النقاش معه كمرشّح لرئاسة الجمهورية.

وقد يكون مفيداً إطلاع الجمهور، في لبنان وخارجه، على محاضر الجلسات التي جمعت حزب الله به عندما كان قائداً للجيش، وما التزم به ووثّقه بما خصّ موقفه من مستقبل المقاومة في لبنان، ونظرته الحقيقية إلى بقية الأطراف، من جبران باسيل وسمير جعجع إلى نبيه بري وسعد الحريري ووليد جنبلاط، ناهيك عن رؤيته «العنصرية» الواضحة إلى «التطرّف السنّي» في سورية ولبنان.

يقال إن الكذاب «المكشوف» هو من يفتقر إلى ذاكرة جيدة، فيقول الكثير وينسى الكثير مما قاله. غير أن جوزيف عون ليس من المهتمّين بذلك، وما يعرفه هو أمر واحد: قال لي الأميركيون إن القرار اتُّخذ بتصفية حزب الله ولن تغادر “إسرائيل” لبنان قبل إنجاز هذه المهمّة، وإن أحمد الشرع ينتظر إشارة للقيام بدوره في هذه المعركة، قبل أن يضيف إليه أصحاب هذه الأفكار المُذهِلة أنه يمكن للجيش اللبناني القيام بدور خشن في مواجهة حزب الله!

الخلاصة، أن اندفاع جوزيف عون في مسلسل الخطايا، يفيد بكشفه بصورة كاملة، قبل تقييده بالوقائع اللبنانية الصعبة. وحتى من منظور المصلحة الوطنية العليا، فإن جنون جوزيف عون، يفيد بكسر «تابو» النقاش حول مستقبل صيغة الحكم في لبنان، إذ يبدو أن اتفاق الطائف قد أدّى مهمته الفعلية، بعد التمديد القسري له منذ اتفاق الدوحة عام 2008، وبات لبنان بحاجة إلى جردة بكلّ موجوداته البشرية والاقتصادية، قبل صياغة نظام داخلي جديد لهذه الشركة التي اسمها لبنان!

ابراهيم الامين-الاخبار

تطرح التفاهمات التي أُعلنت بين لبنان و”إسرائيل” في نيسان/أبريل وحزيران/يونيو 2026 إشكالية تحليلية تتجاوز مضمونها السياسي المباشر، لتصل إلى بنيتها القانونية العميقة.

فهذه النصوص، تكشف عن تبنّي مقاربة مألوفة في حل النزاعات بين العرب و”إسرائيل” برعاية أميركية، والتي تقوم على التدرج الأمني، والسيطرة على سيادة ونطاق الطرف العربي، مع الإبقاء على هامش واسع من الحركة لـ”إسرائيل”.

ومن هنا، تبرز أهمية مقارنة هذه التفاهمات مع اتفاقيات أوسلو بين السلطة الفلسطينية و”إسرائيل”. ونوردها في ما يلي:

الطابع المرحلي والقفز على الأمور السيادية

من حيث البنية، تؤسس التفاهمات التي عقدتها السلطة اللبنانية مع “إسرائيل” لمرحلة انتقالية، تقوم على تأجيل المطالب السيادية اللبنانية، وتأجيل الحل النهائي إلى مراحل لاحقة، وهو ما حصل في أوسلو تماماً.

تم الانتقال في أوسلو من إعلان مبادئ إلى ترتيبات تفصيلية من دون حسم القضايا الجوهرية (القدس والحدود وعودة اللاجئين).

كذلك في لبنان تم الحديث عن إطلاق وقف إطلاق نار أو هدنة مؤقتة، ثم إنشاء ترتيبات انتقالية، وتأجيل الحلول النهائية إلى مفاوضات لاحقة، وهذا يعني تأجيل موضوع الانسحاب الإسرائيلي من الأرض وعودة السكان، وعودة الأسرى وغيرها من القضايا الجوهرية اللبنانية.

أولوية الأمن الإسرائيلي

العنصر الحاسم في الحالتين هو أولوية الأمن الإسرائيلي. في أوسلو، أُنشئ نظام تنسيق أمني، وأُلزم الطرف الفلسطيني بضبط الفصائل المسلحة، ومنعها من الاعتداء على “إسرائيل”، واحتفظت الأخيرة بحرية التدخل العسكري ساعة تشاء في الأراضي الفلسطينية وحرية التوغل والقصف.

وكانت مهمة قوى الأمن الفلسطينية، حفظ النظام الداخلي، وضبط السلاح، والتنسيق مع “إسرائيل” واعتقال المقاومين، أو منعهم من القيام بعمليات ضد “إسرائيل”، وتستطيع “إسرائيل” القيام بذلك بنفسها إذا ما رأت تهديداً، لكن لا يسمح لها بالدفاع عن النفس ضد “الجيش” الإسرائيلي، أو العمل كجيش سيادي (حين يتوغل الإسرائيلي تقوم إما بالانسحاب من الشوارع أو العودة إلى مقارها).

في التفاهمات اللبنانية الحالية، هناك التزام لبناني بأن يقوم الجيش اللبناني بـمنع أي عمليات ضد “إسرائيل”، وتفكيك الجماعات المسلحة، مقابل احتفاظ “إسرائيل” بحق “حرية الحركة داخل لبنان”، و”الدفاع عن النفس في أي وقت” (وهو ما جاء في إعلان نيسان).

في بيان نيسان، تظهر الالتزامات المفروضة فقط على الجانب اللبناني، ويقترن ذلك بنص صريح يمنح “إسرائيل” حق اتخاذ “جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس”، بما يشمل “الحالات المخططة أو الوشيكة أو الجارية”.

هذه العبارة، بصيغتها الواسعة، تشكل قاعدة قانونية مفتوحة تتيح للطرف الإسرائيلي القتل والقصف في لبنان حتى وقائياً ومن دون وجود تهديد ظاهر.

وبما أن بيان حزيران لم يتضمن أي نص صريح يلغي أو يقيّد “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس” كما ورد في بيان نيسان (لم يعطِ لبنان الحق نفسه) ولم ينشئ تعارضًا قانونيًا واضحًا معه، فهذا يعني استمرار العمل بالنص السابق.

تُعرف هذه القاعدة في الفقه القانوني بمبدأ “استمرارية الالتزامات”، حيث تُقرأ النصوص المتعاقبة بوصفها وحدة متكاملة، لا كسلسلة منقطعة.

وبذلك، فإن الصمت في النص اللاحق لا يُعد إبطالًا، بل يُفسّر على أنه إبقاء ضمني على الترتيبات السابقة، ما لم يُنص على خلاف ذلك.

وهذا ما يجعل حق “إسرائيل” في الاعتداء على لبنان ساعة تشاء، ولو لم يُذكر في بيان حزيران، قائمًا من الناحية القانونية، ومندمجًا في بنية الاتفاق ككل.

التقسيم الجغرافي الذي يؤبد الاحتلال

تُظهر صيغة “المناطق التجريبية” الواردة في بيان حزيران تشابهًا وظيفيًا واضحًا مع منطق التقسيم الجغرافي الذي اعتمدته اتفاقيات أوسلو من خلال مناطق (أ، ب، ج).

في التجربة الفلسطينية، قُدِّم هذا التقسيم بوصفه ترتيباً مؤقتًا يهدف إلى نقل السلطة تدريجيًا إلى الجانب الفلسطيني، غير أن التطبيق الميداني أنتج واقعًا مختلفًا إلى حد كبير عمّا نصّت عليه الاتفاقيات.

في المنطقة (أ)، التي كان يفترض أن تخضع لسيطرة فلسطينية كاملة مدنيًا وأمنيًا، بقيت الإدارة اليومية بيد السلطة، لكن ذلك لم يمنع تدخل “الجيش” الإسرائيلي المتكرر عبر الاقتحامات والاعتقالات، ما أفرغ مفهوم “السيطرة الكاملة” من مضمونه الأمني الفعلي.

أما المنطقة (ب)، التي خُصصت لإدارة مدنية فلسطينية مع تنسيق أمني مشترك، فقد شهدت عمليًا تفوقًا واضحًا للجانب الإسرائيلي في المجال الأمني، إذ احتفظت “إسرائيل” بحرية الدخول والسيطرة عند الحاجة، ما قيّد الفاعلية الفلسطينية إلى حد كبير.

وفي المنطقة (ج)، التي كان يفترض أن تنتقل تدريجيًا إلى السيطرة الفلسطينية، استمر الحضور الإسرائيلي الكامل، مدنيًا وأمنيًا، مع توسع كبير في الاستيطان وفرض قيود صارمة على البناء والاستخدام الفلسطيني للأراضي، بما في ذلك هدم المنشآت بحجة عدم الترخيص، الأمر الذي أدى إلى تثبيت سيطرة إسرائيلية مباشرة على الجزء الأكبر من الضفة الغربية.

هذه التجربة تُظهر كيف يمكن لتقسيم جغرافي ذي طابع انتقالي أن يتحوّل إلى بنية دائمة تعيد إنتاج موازين القوة بدل تعديلها، وهو ما يجعل مفهوم “المناطق التجريبية” في السياق اللبناني يشبه واقع الضفة الغربية التي يقوم الاحتلال بقضمها يوماً بعد يوم، ويمهد لضمها كلياً، وهو ما يعني أن “إسرائيل” تسعى لضم جنوب لبنان كلياً عبر القضم.

ليلى نقولا-الميادين

لا يمكن مقارنة مشهد السلطة في لبنان اليوم، وهي تتجرّد بالكامل من جميع القيم الوطنية والسيادية، بأي مشهد مخزٍ آخر عرفته المنطقة منذ سنين.

فقد بلغ الخطاب المعادي للناس وللأرض ولأبسط الحقوق الطبيعية دركًا صارت فيه الكلمات تتكامل مع الصواريخ والقذائف التي يطلقها العدو على صدور أهل الأرض، على مدار الساعة.

وإن كانت بعض الأنظمة العربية قد سبق وغالت في التبعية للأميركي ولم تمتنع عن مهادنة “الإسرائيلي” إلى حد توقيع اتفاقيات استسلام تحت مسمى “السلام”، فكلها مجتمعة لم تبلغ مرحلة تخاطب فيها شعوبها علانية بلغة تحمل تهديدًا مواربًا تجاه كل نفس تأبى الذل، وتذهب في نكران النوايا العدوانية لدى “إسرائيل” إلى حد تجاهل الدم الذي يُسفك والبيوت التي تُدمّر والأراضي التي تُحتل وتُدنّس منذ 1948 حتى الساعة، وتستخف بعقول المخاطبين حد دفعهم إلى التساؤل بجدية: أحقًا يدرك المتكلم معنى ما يقول؟!

أحقًّا يذنّب دولة صديقة بكلّ ما يجري على أرضنا ويبرّىء كيان العدوّ الواضح من كلّ جرائمه المشهودة ؟! وللذهاب في العمق أكثر، هل يدرك المتكلّم حقيقة ألّا شرعية لسلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، وفق نصّ اتفاق الطائف؟ هل يعلم أن بحسب الدستور اللبناني الشعب هو مصدر السلطات وبالتالي حين تعاديه سلطة أو تستعدي غالبيته، تفقد شرعيّتها تمامًا وتصبح عرضة للإدانة بالتنازل عن الأرض والاستهتار بأرواح الناس؟ 

جرت العادة في بلادنا التي استباح معظمها الأميركي عبر التحكم بأنظمتها لتعينه على نهب مواردها والسيطرة على شعوبها، أن يحتفظ كل نظام تابع ببعض الشعارات البراقة التي يستخدمها كأوراق توت ليستر بعضًا من علامات انبطاحه وارتهانه للصهيو-أميركي.

فلم يكن غريبًا أن تسمع رئيس دولة مطبعة وهو يزايد على الأحرار في مناصرة القضية الفلسطينية، ولطالما شهدنا أنظمة لا تستحي بوجود سفارة “إسرائيلية” على أراضيها، تداعب المشاعر الوطنية والإنسانية بالكثير من الكلام المعسول، فتصدر بين الحين والآخر بيانات تستنكر المجازر في غزة أو تدين استهداف المدنيين.

إلا أن السلطة في لبنان تجردت حتى من وريقات التوت الشعاراتية، ومضت إلى التعبير الواضح عن العداء لأهل البلد وحقهم في المقاومة والدفاع عن النفس والأرض، بصراحة تجعل السامع يتساءل عما إذا كان الكلام صادرًا عن جهة “إسرائيلية” ومترجمًا عن العبرية، إذ لا يمكن بأي منطق عقلاني أو وجداني فهم هذه المجاهرة بالتماثل مع “الإسرائيلي” في بلد لم يزل دستوره ينص على اعتبار الكيان الصهيوني “عدوًا”، ولم يزل التعامل أو التلاقي مع هذا العدو جريمة تدعى الخيانة، مذكورة عواقبها بالتفاصيل في عدة مواد من قانون العقوبات.

بكلام آخر، استحى المطبعون المنبطحون في اتفاقيات الذل الاستسلامي أن يجاهروا بالتماهي مع “الإسرائيلي”، ولم يستحِ أولئك الذين تبوأوا مناصبهم وهم يدعون الإقرار بعدوانية “إسرائيل” ووجوب حماية لبنان منها ثم غيروا جلدهم وباتوا يجاهرون بالقول: “لا يوجد أي نوايا عدوانية بين لبنان وإسرائيل”.

ولعل أسوأ ما في المشهد أنه يجري تحت نار العدوان المتواصل والحاصل على “شرعية” منحته إياها السلطة على طاولة مفاوضات العار في واشنطن حين تصرفت على أنها وإياه طرف واحد في مواجهة المقاومة في لبنان، أي الناس.

نعم، يجري على أرض يتواصل نزف دم أبنائها فوق ترابها منذ سنين، من دون أن يرف جفن استنكار من القائمين على السلطة بعدما اختاروا طوعًا التنصل من كامل مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية والإنسانية، بعد “خطاب قسم” و”بيان وزاري” تضمنا تعهدا بحماية الأرض وصون الناس.

يجري ذلك فيما عداد وزارة الصحة لا يتوقف عن إحصاء أعداد الشهداء والجرحى، وفيما تختلف الأرقام التي تشير إلى عدد النازحين المهجرين قسرًا من بيوتهم وقراهم وأحيائهم بين يوم وآخر، وفيما تزداد في كل ساعة الخسائر في الممتلكات والأرزاق. يجري ذلك فيما العدو نفسه يتحدث صراحة عن منع أهالي القرى الجنوبية من العودة إليها، ويجرف بيوتها، ويقتل الصامدين فيها.

ويجري ذلك فيما يقف الناس مذهولين من هذه اللغة المعادية التي تصدر عن رئاسة كان من المفترض أن تمثل البلد والناس، وتحترم خيارات أهل الأرض وعقول كل من يصغي إليها. وبأسوأ الأحوال، لغة كان ينبغي لها أن تصمت حين ترى في نفسها عجزًا عن مواجهة العدوان، إذ لم يتوقع منها أحد أن تتولى مسؤولية ثقيلة كهذه، بدلًا من أن تبوح بأهداف مشتركة لها معه، وتعادي أبناء شعبها فتسميهم تارة بـ”الآخرين” وطورًا بـ”المغامرين”.

كما تعادي جهارًا الجمهورية الإسلامية في إيران بناءً على الأوامر الأميركية وتتهمها، بما يشبه الكوميديا السوداء، بالاعتداء على الجنوب والتسبب بتهجير أهله وتدمير قراه وقتل خيرة شبابه وعائلاته.

هذا السيل الاتهامي الذي يفرط في الاستخفاف بالعقول دفع حتى أولئك الذين يختلفون مع المقاومة في كثير من الملفات السياسية والفكرية وحتى العقائدية، إلى لحظة تعبير عن صدمة، فالكلام أوحى بأن المتكلم لم يطلع مسبقًا على مجريات الأحداث أو أنه منفصل عن الواقع، ويسعى بمحاولة فاشلة لإقناع  الناس أن ما تراه أعينهم من جرائم “إسرائيلية” ليس حقيقيًا، وأن الحقيقة – أي تلك التي تريد أميركا زرعها في العقول – هي أن إيران، السند الحقيقي للبنان، هي المسؤولة عن كل مصائبه.

ذُهل الجمهور، من جميع الطوائف والمذاهب والمناطق والاتجاهات الفكرية والعقائدية، بل وحتى المستوطنون في الأرض المحتلة عاشوا لحظة ذهول: كيف يمكن أن ينطق بهذا الكلام صاحب منصب من المفترض أن جزءًا من واجباته الوظيفية التعبير عن البلد وحفظ كرامته وأرضه وحماية ناسه، والالتزام بالدستور وبالمواثيق الدولية التي تقر بحق الدفاع عن النفس ومقاومة العدوان وبحرمة قتل المدنيين وجرف البيوت واحتلال الأرض؟

هذا الجمهور المؤلف من لبنانيين يختلفون فيما بينهم في كثير من القضايا ويجمعون على العداء للكيان الاستيطاني الإرهابي المدعو “إسرائيل”، وجد بالأمس في منصات التواصل منابر تتيح له التعبير عن استيائه من كلام أقل ما يقال فيه إنه مهين للدم المسفوك على أرض الجنوب، ومهين لفيوض البذل التي قدمتها المقاومة، وبدون منة، ومن أجل أمان كل اللبنانيين، كلهم، حتى أولئك الذين يعادونها حبًا بـ”إسرائيلهم”، وهم بالمناسبة أقل بكثير على أرض الواقع وليس كما يبدو على الشاشات المتاحة لهم والتي تمنحهم فرصة الترويج بالصراخ والهوبرة لتصوير لبنان كساحة “إسرائيلية”.

إذًا، تلقت السلطة، سيلًا من التقريع والسخرية وحتى الاشمئزاز. فحملات الاستنكار للانبطاح التي عبّر الناس من خلالها عن غضبهم ورفضهم لأي مفاوضات استسلامية مباشرة، لم تكتفِ بالرد على ما قاله جوزيف عون في مقابلته أمس، بل ولم تقصر باتجاه نواف سلام وسائر الذاهبين في معاداة الناس والساعين لمنح أرض الجنوب كعربون انبطاح للأميركي، والمجتهدين في محاولة سحق المقاومة ولو من أجل “كأس” كحول في “تل أبيب”.

ومن اللافت أن هذا الرفض القاطع لمواقف عون المخزية عبر شاشة CNN لم يصدر حصرًا من المهجرين من القرى الحدودية منذ سنوات، المسلوبة أرضهم والممنوعين من العودة إليها، ولا ينحصر داخل مجتمع المقاومة، أهل العزة والإباء ودرّتهم عوائل البذل والشهادة فقط، ولا حتى من كامل البيئة اللصيقة بحزب الله وحركة أمل، بل من جميع البيئات التي تحترم الإنسان وترى ما يجري بحيث لا ينطلي عليها كلام على شاكلة “إيران دمرت الجنوب” أو “ليس لدى إسرائيل نوايا عدوانية”.

فخامتك، لقد تجاوز الأمر النوايا العدوانية، نحن في خضم عدوان وحشي ممنهج، وأغلب الظن أنك تعلم، ولسبب ما تغرق في الإنكار الذي يتوافق مع “عشاء” جمع شخصيات لبنانية و”إسرائيلية”، كي يكون بينهم خبز وملح، بالإضافة إلى الهدف المشترك: إنهاء حالة المقاومة في لبنان، وتجريم حزب الله! وهيهات!

في الختام، قالت السلطة كلمتها، المتماهية مع الحديث العبري اليومي، وقال الناس كلمتهم بدورهم وبالعامية: “يا عيب الشوم”، إذ لم يجدوا سواها للتعبير عما رأوه.

ليلى عماشا-العهد

قراءة البيان الصادر عن الاجتماع بين وفد السلطة في لبنان مع وفد العدو بحضور الجانب الأميركي، توجب البحث في بنوده المعلنة، واللحظة السياسية التي وُلد فيها، والمسار الذي سبقه والتحولات التي أعادت تشكيل البيئة الاستراتيجية التي يعمل ضمنها جميع الأطراف.

فالاتفاق جاء في مرحلة شهدت سقوط رهانات كبرى، وتبدل حسابات إقليمية، وتصاعد مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع كانت تهدد بإعادة إشعال الحرب الإقليمية من بوابة لبنان.

السؤال الأهم، هو هل تمت صياغة بنود هذا الإعلان انطلاقاً من فرضية أن المقاومة ستقبل بها وتتعامل معها بوصفها أساساً لتسوية جديدة، أم أن الجهات التي وضعتها كانت تدرك مسبقاً أن شروطها غير قابلة للقبول، لكنها أرادت توظيفها سياسياً وإعلامياً لأهداف أخرى؟

الإجابة تسمح بفهم خلفيات الاتفاق وسياقه، وتكشف طبيعة الصراع الذي يدور حول لبنان ومستقبله، وتساعد على فهم ما إذا كنا نتجه صوب تسوية مستقرة أم نحن أمام محطة جديدة في مسار مواجهة لم تصل بعد إلى نهاياتها بعد؟

لم يأتِ الاتفاق المطروح اليوم في لبنان من فراغ، بل هو تتويج لمسار طويل من التقديرات والرهانات التي سادت لدى الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض القوى اللبنانية منذ اندلاع الحرب.

وهي تقديرات انطلقت من فرضية أن حزب الله وإيران يعيشان في أضعف مراحلهما، وأن الظروف مؤاتية لإحداث تغيير جذري في معادلات القوة التي حكمت لبنان والمنطقة خلال العقود الماضية.

لذلك، لم تكن الحرب مجرد عملية عسكرية محدودة، بل بهدف إخراج حزب الله من المعادلة السياسية والأمنية اللبنانية، بالتوازي مع إخضاع إيران أو إضعافها بصورة تسمح بالتفرغ لاحقاً للساحة اللبنانية.

غير أن مسار الحرب أظهر نتائج مغايرة لكثير من تلك التوقعات. فبدلاً من انهيار إيران أو تراجع دورها الإقليمي، فقد باتت لاعباً أكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد الإقليمي. كما أن العدوان الإسرائيلي لا ينهي دور حزب الله أو يشل قدرته على التأثير، بل ظهر الحزب بقدرة على مواصلة الاستنزاف العسكري وفرض كلفة متزايدة على جيش الاحتلال ومستوطنيه.

ومع ذلك، استمرت محاولات الاستثمار السياسي في نتائج الحرب. فتوقُّف إطلاق النار مع إيران، كان يشمل لبنان، لكن واشنطن تبنت المقاربة الإسرائيلية التي تركز على فصل المسارين الإيراني واللبناني للاستفراد بلبنان ومقاومته.

ثم جاءت التطورات اللاحقة، بما فيها التصعيد الإسرائيلي الواسع الذي بدأ بـ«الأربعاء الأسود» لتؤكد أن هناك من يريد إعادة صياغة شروطه لمصلحة إسرائيل.

إلا أن هذا المسار واجه بدوره متغيرات جديدة. فقد أدى القرار الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، إلى صب تأثير العامل الإقليمي في المواجهة لمصلحة لبنان، قبل أن تنتهي الاتصالات غير المعلنة إلى تحييد الضاحية الجنوبية وبيروت عن ساحة الحرب المباشرة. ومع ذلك استمرت المواجهة في الجنوب بوتيرة متصاعدة، ورفعت المقاومة من المستوى الكمي والنوعي لعملياتها موقعة الخسائر الكبيرة في صفوف جيش العدو، بالتوازي مع توسع نطاق الردود التي طالت عمقاً أكبر داخل الأراضي المحتلة. ومع مرور الوقت بدأت الكلفة السياسية والعسكرية للحرب تتراكم داخل إسرائيل نفسها، ما أدى إلى تصاعد الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو لإيجاد مخرج من المأزق القائم.

اللحظة المفصلية كانت بإعلان نتنياهو نيته توسيع الحرب لتشمل بيروت والضاحية الجنوبية. وهنا لم يعد الأمر يتعلق بسقف العمليات العسكرية فحسب، بل بإعادة رسم حدود الصراع واحتمالات توسعه. وفي هذا السياق جاء موقف إيران الحاسم بأنها سترد عسكرياً على استهداف الضاحية عبر ضرب أهداف في شمال فلسطين المحتلة. وهذا ليس مجرد تهديد عسكري إضافي، بل إعلان سياسي واضح بأن أي تصعيد ضد الضاحية قد يفتح الباب أمام انخراط إيراني مباشر ويهدد بإعادة المنطقة إلى مسار الحرب الإقليمية الشاملة.

هل افترض واضعو الإعلان أن الحرب تجري لمصلحة إسرائيل، وأن حزب الله ومعه إيران في وضع ضعيف حتى يقبلا بهذه الشروط؟

في هذه النقطة تحديداً، برز العامل الأميركي بصورة أكثر وضوحاً. فواشنطن بدت واضحة في أنها لم تكن معنية فقط بأمن إسرائيل، بل كانت تنظر أيضاً إلى تداعيات انفجار إقليمي جديد على المفاوضات مع إيران، وعلى استقرار أسواق الطاقة العالمية والاقتصاد الدولي. وهذا ما يفسر ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب على نتنياهو والدفع نحو صيغة لوقف إطلاق النار تحول دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

المفارقة، أنه كان من شأن هذه التحولات أن تمنح لبنان الرسمي هامشاً تفاوضياً أوسع مما كان متاحاً في المراحل السابقة، إلا أن المسار الذي سلكته السلطة جاء في اتجاه مختلف. وبدلاً من الاستثمار في التحولات التي فرضتها الوقائع الميدانية، ظهر وكأن لبنان الرسمي ينتقل تدريجياً إلى موقع الشريك في مشروع إعادة هندسة التوازنات الداخلية والخارجية وفق الرؤية الأميركية والإسرائيلية. وهو ما ظهر في البنود التي تضمنها البيان.

حيث تضمن وقف إطلاق النار بوصفه التزاماً يفرض على حزب الله وقف عملياته لا وقف عدوان الجيش الإسرائيلي. ثم الربط بين الاتفاق وإخراج عناصر الحزب من جنوب الليطاني، وهو ما يعني إخراج سكان القرى والبلدات الواقعة في تلك المنطقة. بينما ترك لجيش العدو أن يبقى في مناطق يعتبرها «أمنية»، ومنع عودة سكانها إليها، والأهم من ذلك احتفاظ إسرائيل، وفق التصور المعلن، بحرية تنفيذ ضربات عسكرية داخل لبنان، بما في ذلك بيروت، تحت عنوان الرد على أي هجمات تستهدف الشمال.
وهذا ما يعيدنا إلى السؤال المركزي: هل كانت الجهات التي صاغت هذه الترتيبات تعتقد فعلاً أن المقاومة قد توافق عليها وتقبل بها، أم أنها كانت تدرك مسبقاً أن مثل هذه الشروط غير قابلة للقبول، لكنها صاغتها رغم ذلك لأهداف سياسية أخرى؟

إذا كانت الفرضية الأولى صحيحة، فهذا يعني أن صناع القرار يعتقدون أن موازين القوى قد تبدلت إلى درجة تسمح بفرض شروط استراتيجية على المقاومة لم يكن ممكناً فرضها سابقاً. أما إذا كانت الفرضية الثانية هي الأقرب إلى الواقع، فإن معنى ذلك أن الاتفاق لم يُصغ أساساً باعتباره إطاراً قابلاً للتنفيذ، بل باعتباره أداة سياسية وإعلامية تهدف إلى تحميل الطرف الآخر مسؤولية رفضه، وتوفير غطاء لمراحل لاحقة من الضغوط أو التصعيد أو إعادة تشكيل المشهد الداخلي اللبناني.

وهنا يبدأ النقاش حول دلالات الاتفاق ورسائله، ليس فقط تجاه المقاومة، بل أيضاً تجاه لبنان ومستقبل توازناته الداخلية وموقعه في الصراع الإقليمي الأوسع. والإجابة عن أي من الفرضيتين هي الأقرب إلى الواقع قد تكشف الكثير عن طبيعة المرحلة المقبلة. وهنا تكمن خطورة إعلان واشنطن لجهة أنه لا يطرح تسوية متوازنة، بقدر ما ينتج معادلة إكراه سياسي: فهو يدفع المقاومة إلى الاختيار بين القبول بترتيبات تمسّ جوهر دورها في الدفاع عن الجنوب، أو رفضها بما يتيح للولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة اللبنانية تحميلها مسؤولية استمرار الحرب. وبذلك يتحول الاتفاق من آلية لوقف العدوان إلى أداة لإعادة توزيع المسؤولية عنه.

علي حيدر-الاخبار

يغرق لبنان الرسمي في وهم الرهان على التحالف مع الولايات المتحدة والركون إلى ضماناتها للجم “إسرائيل” أو إلزامها بالتزاماتها، إن وُجدت، في اتفاقية وقف إطلاق النار التي أُعلن عنها من الولايات المتحدة في بيان ثلاثي مشترك (أميركي – إسرائيلي – لبناني) قبل يومين.

فأميركا التي نعرفها وجربناها في غزة والضفة الغربية وسوريا، وغيرها، تتصرف كما اعتادت دائماً؛ مصالح “إسرائيل” أولاً، ومصالح “حلفائها” العرب، إن وجدت، مؤجلة يمكنها أن تنتظر.

تُصر حكومة لبنان على أن القُرب من واشنطن يمنحها حصانة مطلقة، أو أنه قد يحمي لبنان من الفتك الإسرائيلي، وفق الذريعة التي تسوقها للذهاب إلى المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”، بينما الحقيقة المؤلمة المُرة التي أثبتتها التجارب، تقول عكس ذلك تماماً؛ “فالمتغطي بأميركا عريان” سرعان ما يكتشف، بدمه ولحمه، هشاشة الأمان الذي ينشده من سندٍ أميركي مُنحاز ومُتقلب.

فبينما يُعوّل لبنان على “الضمانات الأميركية” لحماية اللبنانيين من القتل الإسرائيلي، ينبري وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس، وقبل أن يبرد إعلان التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين “إسرائيل” ولبنان، ليؤكد مفاخراً أن “اللبنانيين لن يعودوا إلى الجنوب وسنستمر في عمليات تدمير البنية التحتية، فيما سيبقى “الجيش” الإسرائيلي في المنطقة الأمنية في لبنان حتى الخط الأصفر، بما في ذلك منطقة الشقيف، ويواصل في ذات الوقت إطلاق النار وحرية العمل العسكري بدعم أميركي”!

ليس بعد هذا التصريح من عذر “والشمس لا يمكن تغطيتها بغربال” والولايات المتحدة ليست صديقة للبنان ولا للعرب ككل، ولا حامية أمينة لهم ولا لحياتهم وأرواحهم، بل قوة غاشمة تعمل وفق مصالحها الخاصة ومصالح حلفيتها “الأعز” “إسرائيل”، فسرعان ما يتحول دعمها “النظري” المُدّعى للبنان إلى ورقة ابتزاز، وسرعان ما ستتخلى عنه، فهل نسيت حكومة لبنان، أم تناست، عدد المرات التي تغاضت فيها واشنطن عن انتهاكات وفظائع ارتكبتها “إسرائيل” ضد العرب ومصالحهم!

فأميركا، هي ذاتها التي أهملت أقرب حلفائها العرب في دول الخليج حين كانوا في أمس الحاجة إليها، ولم تولِ أمنهم أولوية، وفضّلت وقدّمت حماية “إسرائيل”، وتخلت عنهم تماماً مع بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وبعدها؛ وهو ما لا يدع مجالاً للشك أن الغطاء الأميركي لا يحمي إلا مصالحه ومصالح “إسرائيل”، وأن وهم الحماية أو الاحتماء بالقوة الأميركية والقواعد الأميركية، سرعان ما يصبح عبئاً ثقيلاً على الوطن، لا سنداً له.

وكيف لأميركا أن تحمي لبنان طالما أنها تتبنى رواية حليفتها المدللة “إسرائيل” بالمطلق، ولا ترى إلا حاجاتها وأطماعها، وتطالب لبنان أن يأكل بعضه بعضاً وتدفعه قسراً إلى أن يدخل في أتون حرب أهلية واقتتال داخلي يأتي على الأخضر واليابس في سبيل حماية “إسرائيل”!.

الحقيقة المرة، التي يتعامى عنها لبنان الرسمي اليوم، أن الاعتماد على أميركا هذه المرة، كما في تجارب العرب المماثلة السابقة، لن يجعل لبنان إلا أكثر ضعفاً وانكشافاً، فالحكمة الشعبية لا تخطئ “المتغطي بالأميركان عريان”، فأي غطاءٍ خارجي، مهما بدا “عظيماً، لا يغني عن بناء القوة الذاتية، ولا عن السيادة الحقيقية التي يجب أن تبدأ من الداخل وتستثمر مكامن القوة، ومنها العمل المقاوم، في بناء استراتيجية دفاعية تصمد وتحقق للبنان حقه وكرامته في المسارات الدبلوماسية والسياسية.

على لبنان أن يستخلص الدرس قبل فوات الأوان، فأمنه ليس في تجربة الضمانات الأميركية المُجربة، والتي كلّفت دماً ولحماً عربياً كثيراً في غزة وسوريا والضفة الغربية وغيرها؛ بل في قدرته، أي لبنان، على إدارة مصالحه، وحماية شعبه وتوحيده؛ الضمانة الوحيدة لتوفر الحماية والأمن والكرامة، لا وعوداً مُتقلبة من قوة استعمارية إمبريالية غاشمة تُسخّر العرب لخدمة مصالحها ومصالح ربيبتها “إسرائيل”.

حكام لبنان يريدون أن “يتغطوا” بالأميركان وهم يوقنون أن البيت الأبيض لن يستر لهم عورة، وهو يتلاعب بمخاوفهم، وبأوهامهم، وبشعورهم “الموروث” بالهوان والنقص، ليقعوا فريسة النوم تحت مظلة الأمن التي تعدهم بها أميركا، والأهم من ذلك فرض التطبيع المُمنهج مع الصهاينة والتلاقي معهم كحليف، لحماية حدود دولة الاحتلال وأمنها.

فحتى ينعم لبنان “بالاستقرار” على الطريقة الأميركية، عليه، كما أشار محمود درويش في إحدى قصائده، أن “يلتصِقْ بالتراب لينجو”، فعلى لبنان أن يلتصق بالحضيض والانكسار لا بالتراب وحسب، حتى يظفر بالبقاء!.

ترامب وإدارته اليمينية المتطرفة النزقة، والتي تدور في فلك المصالح الإسرائيلية حيثما دارت، يقول للبنان في مقابل تهديده بالفناء، أن عليه أن يُثبِت “جدارته” في “المناطق التجريبية”، فإن أحسنَ الاحتراب الداخلي فقد يُترك لقادته الرسميين ورقة توتٍ لستر سوءاتهم أمام شعبهم المقهور والمذبوح بآلة البطش الأميركية الإسرائيلية!

إنه مكر التاريخ وسخريته فى آن، وخيبة أمل تتكرر، ومع شديد الأسف، لا أحد من العرب الرسميين يتعلم من دروس التاريخ وعبره القاسية.

نعم؛ هى معادلة مُعقدة، فتجاهل أميركا صعب، ومصادقتها أكثر صعوبة، كما أن عداوتها خطر، لكن الخطر الأكبر اليوم هو ألا تقرأ السلطة اللبنانية، أبعاد ومقاصد الأميركي في لبنان، ونموذجه ساطع مؤلم فى غزة والضفة الغربية وسوريا، فضلاً عن سلوكيات مشينة وانتهازية أخرى، فى مراكز صراعات عديدة فى الإقليم، كإيران على سبيل المثال. فهل بعد هذا، يُلدغ لبنان من الجُحر ذاته الذي لُدغ منه العرب مرات ومرات…!

الخلاصة واضحة ساطعة؛ أي دولة عربية تعتمد على الحماية الأميركية، مهما طال غطاؤها الظاهر، ستظل في النهاية عارية أمام الحقيقة، ضعيفة أمام التحديات، وأسيرة وعود لا تتحقق، فالمتغطي بأميركا عريان، والدرس صارخ لمن يريد أن يرى الواقع كما هو، لا كما يريد أن يحلم به.

وغداً تدور الدائرة على المهرولين إلى حِجر أميركيا و “إسرائيل”، ولن تستر الحماية الأميركية عوراتهم، ولن يشفع لهم تزلفهم ولن تُنقذهم طأطأة الرؤوس، لأن الحقيقة وببساطة تؤكد أن “اللي متغطي بأميركا عريان”، وأن أفضل غطاء هو غطاء الشعب، وقوة الدولة الذاتية، وحكمتها السياسية، المسنودة بمكامن القوة التي لا تنقص لبنان.

محمد هلسة-الميادين

وجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسالة إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، دعاه فيها إلى إنقاذ لبنان من يد عدوه الحقيقي.

وقال عراقجي، عبر منصة «إكس» رداً على تصريحات عون: «قد يُفهم من تصريحات السيد عون أن إيران هي التي تحتل خُمس لبنان وتهجّر ربع اللبنانيين وتقصف بلاده يومياً».

وأشار إلى أنّه «لو كان لبنان مجرد أداة أو ورقة مساومة لإيران، لكنّا قد توصلنا إلى اتفاق منذ زمن بعيد»، مضيفاً: «أنقذ لبنان من عدوه الحقيقي، سيادة الرئيس».

وكان عون قد اتهم إيران باستخدامها لبنان كـ«ورقة مساومة»، واعتبر أن «الدبلوماسية التي تنتهجها الحكومة اللبنانية اليوم هي الحل للخروج من الأزمة».

الاخبار

لقد وضعت السلطة الحاكمة اللبنانيين أمام معادلة بائسة تزعم أن “مسار التفاوض هو الطريق الأسرع والأقل كلفة”، في لغة إنشائية تهدف إلى تخدير الوعي الجمعي، والتعمية عن مكامن الضعف والهزيمة التي يحاول العهد مأسستها وجعلها قدرًا محتومًا على لبنان واللبنانيين، ولا سيما على أهل الجنوب الذين خبروا طوال عقود أن الحقوق لا تُستجدى على طاولات السماسرة الدوليين، بل تُنتزع بالمقاومة والصمود.

اعترافات العجز وسقوط الرهانات الدولية

يقع خطاب سلام كما نهج السلطة في تناقض بنيوي صارخ وفاضح منذ البداية، فبينما يجهد لتسويق المفاوضات على أنها “الخيار الأفضل”، يندفع مباشرة ليقدم كشف حساب ذاتيًّا يفند فيه جدوى هذا الخيار ويهدمه من أساسه! فما معنى أن يقول بصريح العبارة: “كان يمكن أن نذهب إلى المحاكم الدولية التي تستغرق سنوات فيما نخسر في أثنائها المزيد، أو أن نلجأ فقط إلى مجلس الأمن ونشهد العرقلة والفيتوهات السياسية فيما يستمرّ الدمار”؟

إن هذا التوصيف ليس مجرد قراءة لواقع الحال، بل هو اعتراف رسمي صريح بعقم الدبلوماسية الدولية، وسقوط مطلق للرهان على ما يسمى “المجتمع الدولي”.

إنه إقرار واضح بأن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ليسا سوى مسرحين لتسلط القوى العظمى، وبأن الفيتوهات السياسية الجاهزة سلفًا كفيلة بإجهاض أي حق عربي أو لبناني.

وإذا كان رئيس السلطة التنفيذية يعلم، علم اليقين، أن هذه المؤسسات الدولية محكومة بشريعة الغاب السياسية والانحياز الأعمى للاحتلال الإسرائيلي، فكيف يستقيم منطقيًا وعمليًا حصر الحل والإنقاذ في مفاوضات تجري برعاية وإشراف وتوجيه من تلك القوى العظمى ذاتها، وعلى رأسها الإدارة الأميركية الشريك الفعلي والراعي الرسمي للعدوان؟

إن الاعتماد على القوى الخارجية في ظل هذا الاعتراف بالعجز والارتهان ليس سوى رهان على السراب، ومحاولة لبيع الأوهام للشعب اللبناني، فالذهاب إلى مفاوضات غير متكافئة، جردت فيها السلطة السياسية نفسها مسبقًا من أي أوراق قوة، هو خيار انتحاري يقود حتمًا إلى شرعنة الشروط “الإسرائيلية” وتثبيتها كالتزامات دولية على عاتق الدولة اللبنانية.

المفاوضات وإسقاط عناصر القوة

لا يغيب عن عاقل ممارسة خطاب السلطة عملية تزييف ممنهجة للمفاهيم، حين يربط بين نيل الحقوق وبين ما يسميه “التفهّم الأميركي ودعم الأشقاء العرب والدعم الدولي”.

هنا تبرز الهزيمة النفسية والسياسية في أوضح تجلياتها، فحينما يقال عن “تعنت إسرائيلي” واجهه الوفد اللبناني، تبرز ضرورة المواجهة بالاستناد إلى مصادر القوة الحقيقية لردع هذا التعنت، إلا أن المفاوض (المنسّق) اللبناني انكفأ إلى المطالبة بـ”الانسحاب الكامل وعودة الأهالي بكامل الكرامة والأمان” عبر بوابة “التفهم الأميركي”! وهو يعلم أن تسليم رقبة القرار السيادي اللبناني لـ”التفهم الأميركي” هو تسليم مباشر للرغبات والمخططات “الإسرائيلية”. فالولايات المتحدة لم تكن يومًا وسيطًا نزيهًا، بل كانت وما تزال وستبقى طرفًا أصيلًا في المعركة، وتستخدم الدبلوماسية والتهويل كأدوات ناعمة لإنجاز ما عجزت الآلة العسكرية “الإسرائيلية” عن تحقيقه في الميدان.

ويكمن التناقض الأكبر والأخطر في تجاهل الخطاب، المتعمد والكامل، لنقاط القوة الحاسمة والمجرّبة التي يمتلكها لبنان، فإن هذه السلطة تتصرّف وكأن لبنان بلا حامٍ، وبلا تاريخ من العزة، وبلا معادلات ردع، وتتناسى – أو تتعامى عمدًا – عن التاريخ القريب والبعيد الذي شهد تحرير العام 2000، حين أجبرت المقاومة جيش الاحتلال على الاندحار ذليلًا من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، بلا قيد أو شرط، وبلا صكوك استسلام، نتيجة العمليات العسكرية البطولية للمقاومة، دون أن ينتظر لبنان يومًا “تفهمًا أميركيًا” أو “قرارًا من مجلس الأمن”.

أما في انتصار تموز العام 2006 فقد تحطمت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” عند صخرة الصمود الأسطوري للمقاومة وشعبها، وأُحبطت مشاريع “الشرق الأوسط الجديد” التي بشرت بها وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك كوندوليزا رايس، وكذلك في الحرب الراهنة منذ العام 2023 حتى اليوم حيث تبرهن المقاومة وشعبها وبيئتها، بالصبر والدم والتضحيات الجسام والعمليات النوعية، قدرتها العالية على الصمود والمواجهة، وإلحاق الخسائر الفادحة بالعدو، وتثبيت معادلات وموازين قوى تمنع الاستفراد بلبنان وتجعل من اجتياحه أو فرض الشروط عليه أمرًا باهظ الكلفة ومستحيلًا.

إن حصر الحل في “المفاوضات المذلة” والقفز فوق هذه الإنجازات الميدانية المشرّفة يعني شيئًا واحدًا: التسليم بمبدأ الاستسلام، واعتماد منطق الخضوع، واستبدال معادلة الردع الذهبية (الجيش والشعب والمقاومة) بمعادلة حجرية قوامها الاستجداء والارتهان لوعود السفير والمبعوث الأميركيين.

القرار 1701 واتفاق الطائف

إن أكثر ما يجدر التوقف عنده هو التشويه والتحريف من خلال استحضار القرار الدولي 1701 واتفاق الطائف في سياق تسويغي هجومي، يهدف إلى تبرئة ساحة النهج الانكفائي وإلقاء اللائمة على الأطراف الوطنية المقاوِمة، فكيف يقال إن خلو جنوب الليطاني من المسلحين والسلاح “ليس شرطًا فرضه أحد على لبنان، بل هو ما تعهّد به لبنان أمام العالم عام 2006″؟

إن هذه القراءة المحرّفة تغفل عن قصد الطرف الأساسي، وهو الاحتلال الإسرائيلي، الذي انتهك وينتهك هذا القرار منذ لحظة صدوره آلاف المرات، عبر خروقاته الجوية والبرية والبحرية اليومية، واحتلاله المستمر لبلدة الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وصولًا إلى حربه التدميرية الشاملة. فلماذا تتبرع السلطة في لبنان بتقديم صكوك البراءة للعدو، وتتحوّل إلى أداة تنفيذية تطالب بالالتزام الأحادي الجانب، ضاربة عرض الحائط (في الحد الأدنى) بمبدأ المعاملة بالمثل والسيادة المشروطة بحماية الأرض؟

أما العودة إلى اتفاق الطائف والتباكي على تأخر تطبيق حصرية السلاح، والحديث عن “إضاعة الفرص في الأعوام 2000 و2005″، فما هي إلا محاولة بائسة لقلب الحقائق التاريخية، حيث إن سلاح المقاومة لم يكن يومًا منافسًا لشرعية الدولة، بل كان وما يزال، الرد الطبيعي والشرعي على غياب الدولة وعجزها عن صون حدودها وحماية أبنائها من الأطماع والاعتداءات “الإسرائيلية” المستمرة منذ نشأة الكيان الغاصب.

لقد نصّ “اتفاق الطائف” بوضوح على الحق في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال “الإسرائيلي” بشتى الوسائل، وفي مقدمتها المقاومة، وبالتالي فإن محاولة تصوير السلاح المقاوم كعائق أمام قيام الدولة، في وقت يهدد فيه العدو الكيان بأسره بالإبادة والتهجير، هي نغمة مشبوهة تلتقي بالكامل مع الأهداف “الإسرائيلية” والأميركية الرامية إلى تجريد لبنان من درعه الحامي لتسهيل الاستفراد به وقضم أراضيه وثرواته.

الانتشار التجريبي شرعنة التنازل والتفتيت

لعل الجانب الإجرائي الأكثر خطورة في نهج السلطة هو الإعلان عن الخطوة المقبلة المتمثلة بـ”انتشار الجيش اللبناني في مناطق تجريبية كمرحلة أولى”! إن مصطلح “المناطق التجريبية” في علم السياسة والأمن يحمل دلالات خطيرة للغاية؛ فالسيادة الوطنية لا تُجزأ، والأوطان لا تخضع للتجارب والاختبارات، كما أن القبول بانتشار مجتزأ ومشروط، وضمن بقع جغرافية محدّدة ترسمها تفاهمات تحت الطاولة، هو تكريس لمنطق “الكانتونات” والخطوات المجتزأة التي تخدم الترتيبات الأمنية للاحتلال، وليس السيادة اللبنانية.

إن هذا الطرح يعكس الرغبة في تحويل مؤسسة الجيش اللبناني الوطنية والجامعة، من عقيدتها القتالية القائمة على مواجهة العدو الصهيوني وحماية الحدود، إلى دور “حرس حدود” وشرطي أمني لحماية أمن المستوطنات “الإسرائيلية” في شمال فلسطين المحتلة، وإخلاء المنطقة لصالح الترتيبات الأميركية.

ومن خلال استعجال التنفيذ والتهديد بأن “كل ساعة تمر هي ساعة يدفع ثمنها الجنوب”، تمارس السلطة نوعًا من الابتزاز السياسي والتهويل والضغط النفسي على البيئة الحاضنة للمقاومة، لتحميلها مسؤولية الدمار والضحايا، وتبرئة آلة القتل الصهيونية من جرائمها مقابل تحميل الضحية وزر الجريمة.

إن السياق السياسي الذي تنتهجه السلطة لا يدع مجالًا للشك في أن هذا العهد لا يتصرف كقيادة وطنية تدير أزمة وجودية انطلاقًا من المصلحة الوطنية العليا، بل يتصرف كأداة تنفيذية طيّعة بيد الإدارة الأميركية، ولا بد من وعي حقيقة أن المخطط الفعلي الذي يمرّر عبر هذه السياسات والمفاوضات يتجاوز مسألة الترتيبات الأمنية على الحدود الجنوبية، ليتصل مباشرة ببنية الكيان اللبناني ومستقبله، وذلك بضرب استقراره وتهشيم مؤسساته من خلال تعميق الشرخ بين مؤسسات الدولة الرسمية (وعلى رأسها الجيش) وبين القوى الشعبية والمقاومة، ومحاولة إحداث صدام داخلي عبر خطابات التخوين والتحريض المبطن، وهو ما يؤدي إلى شلل تام في قدرة الدولة على الصمود والنهوض.

إن الخطاب الذي يقسّم اللبنانيين بين من يريد “الحياة والسلام والتفاوض” وبين من “يجرّ البلد إلى الخراب”، هو بمثابة فرز فئوي بغيض يضرب السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي المتنوع، ويغذي الأحقاد الداخلية لتسهيل السيطرة على المجتمع وتوجيهه نحو خيارات الاستسلام. في موازاة ذلك فإن محاولات فرض ترتيبات أمنية وجغرافية خاصة بجنوب الليطاني، وفصله أمنيًا وسياسيًا عن بقية المكوّنات اللبنانية، يمهّد نظريًا وعمليًا لتنفيذ مشاريع الفيدرالية والتقسيم والفرز الطائفي والمناطقي، وهذا الهدف يعدّ مطلبًا تاريخيًا للكيان الصهيوني (وكذلك لسمير جعجع وتوم براك) الذي يرى في “لبنان الموحد، القوي بمقاومته وتنوّعه” خطرًا وجوديًا عليه، ويسعى دومًا لتأسيس دويلات طائفية متناحرة تدور في فلكه.

إن النتيجة الحتمية لهذا المسار الانحداري هي إلغاء الوجود اللبناني كوطن ذي حدود سيادية وقرار مستقل، وتحويله إلى مجرد محمية أمنية أميركية – “إسرائيلية”، بلا هوية وطنية جامعة، وبلا قدرة على الدفاع عن ثرواته النفطية والمائية والبرية، تتقاذفه مصالح القوى الخارجية وتتحكم بمصيره سفارات الغرب.

إن الدعوة إلى “العمل معًا تحت سقف الدولة” تبدو في ظاهرها حقًا لكن يُراد بها باطل الاستسلام، فالدولة التي تسعى هذه السلطة للعمل تحت سقفها هي دولة منزوعة المخالب، مسلوبة الإرادة، فاقدة للسيادة، تستجدي أمنها من الإدارة الأميركية وعطف المجتمع الدولي العاجز، وعليه فإن المصلحة الوطنية الحقيقية، والمسؤولة أمام التاريخ وأمام تضحيات الشعب اللبناني، لا تتحقق بتقديم التنازلات المجانية للعدو المتعنت، ولا بالانقلاب على عناصر القوة التي حمت لبنان وحفظت كرامته، أما الطريق الأقصر والأقل كلفة، والأكثر شرفًا، فهو الطريق الذي يزاوج بين حكمة الدولة وشجاعة المقاومة وصمود الشعب؛ وهو الخيار الذي يستند إلى الميدان لفرض الشروط الوطنية، وليس الاستماع إلى الإملاءات الخارجية.

إن الطرف الذي يرفض ويماطل في الانصياع للإملاءات الأميركية والصهيونية ليس هو الذي يتحمل وزر ما يترتب على ذلك، بل إن السلطة السياسية التي تمارس التخاذل الممنهج وتفرط بأوراق القوة التاريخية، هي التي ستتحمل وحدها وزر ضياع الوطن وتفتيت كيانه أمام التاريخ، وأمام الشعب اللبناني الذي لن يغفر لمن أراد تحويل انتصاراته وتضحياته إلى صكوك خنوع واستسلام على طاولة الرهانات الخاسرة.

محمد الحسيني-العهد

«الاتفاق قد يكون الفرصة الأخيرة وإلا فليتحمل كل فريق مسؤوليته». هذه العبارة تخص رئيس الجمهورية جوزيف عون. وهي عنوان رسالته إلى المقاومة ورجالها وناسها. وهو كمن يقول لنا، إن هذا أفضل ما أمكنه الوصول إليه.

وإذا كان فريق رئيس الجمهورية، من مستشارين ومساعدين وفنيين وعسكريين، لا يريدون مساعدته على الخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه، وقد أدى هؤلاء دوراً كبيراً في تعميق هذا المأزق، فإن على أحد أن يخرج إلى عون ويشرح له حقيقة ما يحصل.

يقول عون، إن هذا أقصى ما يمكن القيام به. وهو يصدق أو هكذا قالوا له، بأن هذا هو الخيار الوحيد لمواجهة آلة القتل “الإسرائيلية”.

ثم وافق، طوعاً أو غضباً، على أن المقاومة لم تعد قادرة على القتال، وأنه لا يقدر أحد على الوقوف في وجه “إسرائيل”. فيقبل بالاستسلام خياراً سهلاً، علماً أنه كان قائداً للجيش، فهل كنت لترفع الراية البيضاء لمجرد أن خصمك يملك قوة نارية أكبر من تلك التي لديك. وبالتالي تعلن الاستسلام وتحل الجيش وتسرح الجنود؟

أنت تعرف، أن من اختار لك اسم ندى معوض كسفيرة للبنان في العاصمة الأميركية، إنما كان يورطك في أمر كبير.

وإن كنت تعلم مسبقاً فهذه مصيبة، لكنها تهون إن كنت اكتشفت مع الوقت، بأن هذه السفيرة لا تختلف أبداً من حيث الفهم والمهارات، عما يتمتع به السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، حيث انعدام الثقافة السياسية، وحيث لا تجربة لهما في العمل الدبلوماسي، وفوق كل ذلك، فإن لهذه السفيرة مرجعية خاصة، لا علاقة لها بالدولة في لبنان ولا برئاسة الجمهورية، ولا يقدر وزير الخارجية على توجيهها في عملها، ولا يقدر أحد في لبنان على مخاطبتها…

حتى عندما اخترت السفير سيمون كرم رئيساً للوفد التفاوضي، فقد قيل لك، بأن الرجل صاحب خبرة. ومرة جديدة، نجح المستشارون من حولك، في إقناعك، بأن الرجل يملك مقومات من يقود مفاوضات تهدف إلى تحصيل حقوق لبنان. لكنك عرفت، وقد سمعت من آخرين، من خارج نادي المستشارين، بأن كرم، لديه مؤهلات في معارضة حزب الله ورفض المقاومة، وفي اتهام الحزب بالخراب والدمار في كل لبنان، حتى عندما كانت له تجربة في مفاوضات حول «جزين أولاً» في تسعينات القرن الماضي، أظهر «خفة» جعلت سفراء في وزارة الخارجية من الذين لديهم خبرة عقود، يقولون لكل من كان في الحكم، بما في ذلك رفيق الحريري الذي لم يكن معارضاً للمفاوضات، بأن الرجل غير مناسب.

هل أنت فعلاً رئيساً لكل لبنان؟
عندما قرأت مسودة الإعلان الذي صدر بالأمس، وكان فيه كل ما نشر، إضافة إلى أمور أخرى شطب بعضها وعدل بعضها الآخر، هل انتبهت، أو لفت مستشاروك انتباهك إلى أنه لا إشارة إلى عدوان “إسرائيلي”، ولا إلى أراضٍ محتلة، ولا إلى انسحاب ولا إلى إطلاق الأسرى والمعتقلين، وعودة النازحين والإعمار.. أم أنك كنت تقرأ بياناً عن أحداث تجري في بلاد أخرى؟

هل تعتقد أن الوفد “الإسرائيلي” كان ليقبل إن أشرت إلى ضرورة أن يسحب قواته خلف الحدود بمسافة كبيرة، أو يلتزم وضع سلاح جوه تحت رقابة طرف محايد لضمان عدم الاعتداء على لبنان؟ وهل كنت تعتقد أن رئيس وفد العدو كان ليقبل أن تقول له إنه ارتكب الجرائم منذ سنة ونصف السنة دون توقف؟

كيف لعاقل يريد أن يحفظ هذه البلاد، أن يصدق، أنه يوجد سلطة في البلاد لا تكتفي بتجريم قسم من شعبها، وتجعل أبطالها مجرد مرتزقة وجب اعتقالهم، ثم توفر التغطية لقتلهم مع أهلهم وكيف يمكن الوثوق بأن هذه السلطة مؤتمنة على مصير البلاد والعباد..؟ هل يوجد في هذه السلطة من فكر للحظة، قبل الموافقة على هذا البيان، أن يبيع قسماً من أرضه ويتخلى عن قسم من شعبه، وهل فكر كيف سيكون رد فعل هؤلاء، أم أنه ظل مهتماً فقط برضى الوصي الأميركي والسعودي والأوروبي؟

من يوافق على البيان الذي صدر عن واشنطن، يتجاوز بلاهة وتفاهة ندى معوض وميشال عيسى، ويلامس حد اقتراف أكبر الجرائم بحق قسم كبير من أبناء بلده

ثمة قدر من البلاهة الظاهرة في أداء السفيرة ندى معوض، وبلاهة مع تفاهة أكثر وضوحاً في إدارة السفير ميشال عيسى، لكن، لا عتب عليهما، بل يجب محاسبة كل من كان يجلس على الطاولة ويعرف لبنان جيداً، ومحاسبة كل من يجلس في غرف القرار في لبنان ويعرف لبنان جيداً أيضاً، ثم قرر بأعصاب باردة الموافقة على بيان الذل والعار الذي صدر، والذي خرج الرئيس عون ليقول إنه الفرصة الأخيرة، ثم يتبعه مساعده الحكومي نواف سلام ليقول إنه الخيار الأمثل، قبل أن يضيف بأن نزع سلاح المقاومة هو مطلب لبناني وليس مطلباً “إسرائيلياً”، وهو يفعل ذلك بينما لقتال يدور على أرض الجنوب، حيث ولد هناك من يحمل هذا السلاح.

كيف لنا أن نصدق أن عون وسلام، اللذين لا يتوقفان كل ساعة عن إدانة ما تتعرض له دول الخليج من ضربات إيرانية، ويرسلون البرقية تلو البرقية، بينما لم يبذلا جهداً منطقياً بسيطاً في تفنيد جرائم العدو والتقدم بشكوى إلى أي هيئة قضائية عربية أو إقليمية أو دولية أو حتى أميركية… هل يمكن للناس أن تنام مرتاحة لوجود هذا الصنف من الرجال في سدة الحكم؟

ما حصل لم يكن أمراً عادياً، ولن يكون، وإذا كان في الحكم عندنا من لا يأبه لخراب البلاد، وهو لا يسأل عن حياة من تقتلهم “إسرائيل”، سواء كانوا مقاومين أو مدنيين، أو عسكريين من القوى العسكرية، أو مسعفين أو طلاباً أبرياء، فإن عندنا في هذه الأرض، من يقف رافعاً سلاحه في وجه آلة الموت، ويكيل لها الصاع صاعين، أما من يقرأ التاريخ ومستقبل الشعوب بعدد القذائف التي تلقيها طائرات العدو، فليس له أن يحدثنا عن تجارب الشعوب الحرة في العالم، وعليه أن يصمت ويرحل متى خرج الناس مطالبين إياه بالرحيل…

قد يكون الكلام قاسياً، وقد يراه البعض يخدم من يرغب في تعميق الانقسام الداخلي، لكن، عندما تصل الأمور إلى حد اللعب بمصائر الناس والبلاد، فإن أقل الواجب أن تقول لهؤلاء ارحلوا غير آسفين على كل ما قمتم به.. فقط ارحلوا!

ابراهيم الامين-الاخبار

إذا كان أحد لم يعرف بعد شروط إسرائيل لأي اتفاق مع وفد السلطة اللبنانية، فليست في الأمر أسرار استثنائية. إذ إن الأوراق التي يجري تبادلها قبل كل جلسة تفاوض وخلالها وبعدها، تشير بوضوح إلى أن إسرائيل تعتبر نفسها منتصرة في الحرب، وأن الولايات المتحدة تتبنى هذا الرأي، فيما المشكلة أن وفد السلطة يبدو مقتنعاً بدوره بالأمر.

لذلك تجد إسرائيل نفسها في موقع مريح لفرض مطالبها وشروطها. وما تطرحه إسرائيل وتكرره في مختلف الجلسات يمكن تلخيصه بالآتي:

أولاً: أن تُثبت الحكومة اللبنانية قرارها باعتبار حزب الله قوة غير شرعية يجب حظرها وإنهاء جميع أنشطتها العسكرية والأمنية، بما في ذلك تلك التي تهدف إلى تعزيز جناحها العسكري.

ثانياً: أن تقرّ الحكومة اللبنانية بأن هذا القرار يجعل حزب الله عدواً مشتركاً بينها وبين إسرائيل، وهو موقف تتبناه الولايات المتحدة أيضاً، وبالتالي ينبغي أن تنطلق خطط العمل والتعاون من فرضية ضرورة نزع سلاح الحزب وحلّه.

ثالثاً: تقول إسرائيل للحكومة اللبنانية إن جيشها ليس قوياً بما يكفي لمواجهة حزب الله، وإن ما تقوم به إسرائيل يُفترض أن يُعتبر عاملاً مساعداً للدولة اللبنانية، وهي تبدي استعداداً لمزيد من التعاون عند الحاجة. ومن هنا تقترح تشكيل لجنة ثلاثية لبنانية – إسرائيلية – أميركية، تتولى وضع الآليات الكفيلة بتنفيذ هدف نزع السلاح.

رابعاً: تطلب إسرائيل أن تكون هناك مدة اختبار غير محددة زمنياً لتنفيذ هذه الشروط، على ألّا يُطرح خلالها أي مطلب يقيد حرية حركة جيشها في حال وقف إطلاق النار. وتبرر ذلك بأن هذه الحرية تساعد لبنان في الحصول على معلومات تتعلق بحزب الله، وتؤمن دعماً عملياتياً في حال حصول أي صدام.

خامساً: لا تمانع إسرائيل في منح لبنان خطوة أولى، تتمثل بوقف العمليات العسكرية بشكل كامل في رقعة معينة، على أن يُصار لاحقاً إلى تعاون وثيق بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة بهدف «تنظيف» هذه المنطقة من أي وجود عسكري أو أمني لحزب الله.

ويترتب على ذلك ألّا يكون الانسحاب فورياً، بل أن يتم أولاً «تطهير» المنطقة المحاذية لهذه البقعة، ثم إدخال الجيش اللبناني ليحل مكان القوات الإسرائيلية. وبناءً عليه، ترفض إسرائيل أي تغيير في الوضع القائم، ولا سيما عودة الأهالي إلى هذه المنطقة قبل ضمان التزام لبنان بالشروط الأمنية.

غير ذلك، قد يكون هناك من يريد توقيع اتفاقية ترتيبات أمنية أو حتى اتفاق سلام، إلا أن هذا ليس أولوية إسرائيلية، بخلاف ما يُشاع. فكل ما تسعى إليه هو تنفيذ شروطها إما بشكل مباشر أو عبر تعاون مع لبنان، وهو أمر تؤيده الولايات المتحدة حتى الآن.

ماذا تغير؟

بين آخر جولة من المفاوضات وجولتي اليومين الماضيين، طرأت تطورات عديدة. أبرزها أن العدو، الذي وسّع دائرة احتلاله، أقرّ بأنه يواجه أزمة كبيرة في تثبيت مواقعه، وأنه لا يجد حلاً لمشكلة المسيّرات ولا حتى لمشكلة إطلاق الصواريخ على مستوطنات الشمال.

وهذا ما دفعه إلى مطالبة واشنطن بالسماح له بتوجيه ضربات تدميرية إلى بيروت والضاحية الجنوبية، وهو ما كاد أن يحصل لولا تطورات متسارعة، أبرزها أن المقاومة لم تُبدِ أي تراجع أمام التهديد، بل واصلت قصف المستوطنات، ووسّعت نطاقه تدريجياً باتجاه العمق.

ثم جاء الموقف الإيراني الذي لم يقتصر على التهديد بوقف التفاوض مع إسرائيل، بل ذهب أبعد من ذلك نحو التلويح بالعودة إلى الحرب دعماً للبنان، وهو ما أبلغه إلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مباشرة للموفد الأميركي ستيف ويتكوف في اتصال هاتفي، كما أبلغت طهران موقفها هذا الوسيطين الباكستاني والقطري ودولاً أخرى في المنطقة منها تركيا والسعودية.

قيل الكثير عن طبيعة الاتصالات التي سبقت إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما وصفه باتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل. وقد تبيّن أن واشنطن لم تكن تتوقع انزلاق الأمور إلى مستوى جديد من التصعيد، ليس في لبنان فقط بل في المنطقة ككل. لذلك، جرى تعديل المسار سريعاً، فأطلق ترامب سلسلة تصريحات، من بينها تسريب مضمون مكالمته مع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، إلى جانب حديثه عن أن المفاوضات مع إيران تسير في الاتجاه الصحيح، وصولاً إلى إشارته إلى رغبته في عقد لقاء مع المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.

أي وقف لإطلاق النار؟

بين مساء الإثنين ومساء أمس، كان الأميركيون لا يزالون بانتظار الموقف الرسمي والنهائي لحزب الله من مقترح وقف إطلاق النار القائم على معادلة تحييد بيروت والضاحية مقابل تحييد مستوطنات الشمال.

وبمعزل عما سمعه مسؤولون لبنانيون كبار من حزب الله، مباشرة أو عبر قنوات غير مباشرة، فإن الموقف الفعلي كان واضحاً بأن المقاومة لا ترى نفسها معنية بالتصعيد، لكنها في الوقت نفسه ترفض تثبيت معادلات جديدة. وبهذا المعنى، تعتبر المقاومة أن عدم استهداف الضاحية ليس منّة أميركية أو إسرائيلية، بل نتيجة ضغوط مارستها إيران بشكل مباشر. وعليه، ليس متوقعاً أن ينتظر أحد من المقاومة تقديم أي تنازل. وما تم تبليغه لاحقاً هو أن وقف إطلاق النار الذي تريده المقاومة يجب أن يكون شاملاً على كامل الأراضي اللبنانية، ضمن مسار يتضمن جدولاً زمنياً سريعاً للانسحاب الإسرائيلي.

وقد يرى البعض أن الحزب يبالغ في سقف مطالبه، إلا أن ما تكشفه جهات معنية بالاتصالات الجارية هو أن إيران طرحت الملف بصورة واضحة، وشدّدت على أن أي اتفاق مفترض مع الولايات المتحدة يجب أن يتضمن إعلان انتهاء حال الحرب في الخليج ولبنان معاً، على أن يُترجم ذلك عملياً بسحب الحشود العسكرية الأميركية من محيط إيران، وإنهاء حال الاستنفار القائمة في المنطقة. وبالمنطق نفسه، تفترض إيران أن إنهاء حال الحرب في لبنان يستوجب انسحاباً إسرائيلياً سريعاً من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين اللبنانيين، وأن يكون وقف إطلاق النار تاماً وشاملاً، من دون أي إمكانية للعودة إلى ما قبل 2 آذار 2026.

واضح أن الولايات المتحدة ليست في وارد تلبية المطلب الإيراني، وهي تعمل في المقابل على محاولة الوصول إلى تفاهم بين السلطة في لبنان وإسرائيل، يؤدي إلى ربط مسار الانسحاب والترتيبات الأمنية باتفاق ثنائي. وهذا المسار يفترض مفاوضات لا يمكن لإيران أن توقفها أو تعرقلها أو تعارضها، فيما يمكن تحييد دور حزب الله في هذا السياق في حال التوصل إلى وقف إطلاق النار.

لكن: هل تستطيع الولايات المتحدة، أو هل ترغب، في الضغط على إسرائيل لإعلان وقف شامل لإطلاق النار ووضع جدول زمني واضح للانسحاب؟

الإجابة لا تزال بحاجة إلى وقت ومعطيات أكثر قبل تقديم أي تقدير جدي، إذ إن المسألة لا تتعلق فقط بما يمكن لإسرائيل أن تقبل به، بل بحقيقة أن ترامب يريد فعلاً، أو أنه مضطر، إلى إنهاء الحرب مع إيران.

وفي حال ذهب في هذا الاتجاه، فقد يجد نفسه أمام ضرورة تقديم تنازلات لا تقتصر على الخليج، بل تمتد إلى الساحة اللبنانية أيضاً.

مع الإشارة إلى أن بدء إيران الحديث عن قطاع غزة، قد يكون مقدمة لبرنامج عمل يعيد إشعال المنطقة ككل، ويفرض علاجاً شاملاً، وهو ما لا تريده إسرائيل بأي شكل.

ابراهيم الامين-الاخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24
يوتيوب
Loading video...