لم تباغت الحرب أحداً. مع ذلك، كان تعامل السلطة مع تداعياتها منفصماً عن الواقع. فلا إعلان لحالة طوارئ، ولا خلية أزمة، ولا مراسيم أو قوانين استثنائية تواكب معاناة الناس في الشوارع والطرقات. بدت السلطة، بجناحيها التشريعي والتنفيذي، وكأنها فوجئت بالحرب، رغم أنها كانت نتيجة مسار ممتدّ منذ عامين، وهي فترة كافية للاستعداد لأي سيناريو مُحتمل.
في حالة الحرب، «أبسط واجبات السلطة إعلان حالة الطوارئ لمواكبة الوضع الاستثنائي الذي تمرّ به البلاد»، وفقاً للمحامية فداء عبد الفتاح.
«لكن ما حدث أن السلطة لم تفعل شيئاً، وبقي المشهد كما لو أننا في بلدين، أحدهما في حالة حرب بلا دولة، وآخر يتصرّف سكانه وكأن الحرب تحصل في مكان بعيد».
وقد انعكس هذا الانفصام على الأداء السياسي، حيث أخفقت السلطة في اختبار الحضور. فرغم سنوات الحرب الثلاث، لم يرتقِ تعاملها إلى مستوى الأحداث. وبدا ذلك واضحاً في استمرار مجلسَي النواب والوزراء بالعمل وفق أجندات روتينية بعيداً عن الأولويات الملحّة التي أملتها الحرب.
وبحسب رصد أجراه «استديو أشغال عامة» بالتعاون مع «غربال» و«المفكّرة القانونية»، لأداء مجلسَي النواب والحكومة بين الثاني من آذار، و15 نيسان، تاريخ إعلان وقف إطلاق النار، في ما يتعلّق بالتعامل مع تداعيات العدوان الإسرائيلي، تكشّفت صورة أداء رسمي اتّسم بسوء الإدارة واللامبالاة، وتخلّي السلطة عن مسؤولياتها وإدارتها ظهرها للناس في أكثر اللحظات حاجة إلى الدولة.
على المستوى التشريعي، يُظهِر الرصد أنه بين اندلاع العدوان وإعلان وقف إطلاق النار طُرح 13 اقتراحَ قانون تقدّم بها نواب و9 مشاريع قوانين مُحالة من الحكومة.
لكنّ المفارقة أن اثنين منها فقط ارتبطا مباشرة بتداعيات الحرب، وهما اقتراحا تعليق المُهل المُقدّم من النائب سامي الجميّل وتعليق المهل القانونية والقضائية والعقدية الذي قدّمته النائبة بولا يعقوبيان، واللذان قُدّما كإجراء استثنائي لحماية الحقوق في ظل تعذّر الوصول إلى المحاكم وتعطيل سير المؤسسات خلال الحرب.
ما عدا ذلك، استكمل النواب عملهم على خط التشريع كالمعتاد وكأن لا حرب ولا من يحاربون. وتجلّى ذلك أيضاً في الجلسة الوحيدة التي عقدها المجلس في 9 آذار، إذ اقتصر جدول أعمالها على مناقشة ثلاثة اقتراحات لتأجيل الانتخابات النيابية، من دون إدراج أيّ مشروع أو اقتراح يعالج تداعيات الحرب أو متطلّبات الطوارئ.
وعلى النسق نفسه، سارت السلطة التنفيذية. فرغم عقد الحكومة ست جلسات خلال تلك الفترة، وإدراج بنود مرتبطة بالحرب على جداول أعمالها، فإن غالبية النقاشات والقرارات اتّسمت إمّا باستجابات جزئية للنزوح، اقتصرت على عرض استعدادات الوزارات المعنية، أو بإجراءات إدارية روتينية لا ترقى إلى مستوى الأزمة.
فقد تكرّر في أكثر من جلسة التركيز على تكليف وزارة الشؤون الاجتماعية بتأمين مراكز للنازحين، وبُحث في جلسة 23 آذار طلب وزارة الصحة تأمين الأدوية والمستلزمات الطبية والمحروقات والتجهيزات الاستشفائية بطريقة الاتفاق الرضائي لضمان استمرارية المرافق العامة في الظروف الاستثنائية.
أمّا الجلسة المُخصّصة في 26 آذار لبحث تداعيات النزوح والاعتداءات الإسرائيلية، فبقيت في إطار العناوين العامة واستعراض تقارير الوزارات، من دون أن تفضي إلى قرارات عملية تعالج الأزمة.
وغلبت التدابير الإدارية الروتينية على غالبية جلسات الحكومة (4 من أصل 6) لمتابعة الهبات والتمويلات الخارجية، فيما برزت ملفات لا ترتبط مباشرة بالحرب أو النزوح، مثل تحديد سقف الإنفاق الانتخابي، والموافقة على اتفاقيات تمويل لمشاريع طرق، وإنشاء فروع لجمعيات أجنبية، والسماح باستيراد مُسدّسات لنادٍ للرماية، وتغيير تسمية بلدة بيت مري إلى مدينة بيت مري، إضافة إلى الموافقة على مشاركات رسمية في اجتماعات وفعّاليات خارجية.
لكنّ الأخطر من سوء إدارة ملف النزوح، كان مقاربة السلطة للحرب وتداعياتها من زاوية أمنية بالدرجة الأولى.
والقرارات الصادرة تحت ستار العدوان ظهّرت هذا التوجه الذي ازداد فظاظة جلسة إثرَ أخرى. ففي جلسة 2 آذار، أعلنت الحكومة «رفضها المُطلق لأي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسسات الدولة»، مؤكّدة أن «قرار الحرب والسلم هو حصراً بيدها، ما يستدعي الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية باعتبارها خارجة عن القانون (بند 1) والطلب من قيادة الجيش المباشرة فوراً وبحزم بتنفيذ الخطة (…) في شقّها المتعلّق بحصر السلاح شمال الليطاني وباستعمال جميع الوسائل التي من شأنها ضمان تنفيذ الخطة (بند 2)».
وفي جلسة الخامس من آذار، طلبت الحكومة من الوزارات والإدارات المعنية وسائر الأجهزة العسكرية والأمنية «إعطاء التوجيهات والتعليمات المناسبة للتحقّق من وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني في لبنان والتدخّل الحازم والفوري لمنع أي نشاط أو عمل أمني أو عسكري قد يقومون به انطلاقاً من الأراضي اللبنانية (…) وتوقيفهم تحت إشراف القضاء المختص تمهيداً لترحيلهم (بند 24)».
واستُكملت المقاربة الأمنية مع جلسة 26 آذار الماضي باتّخاذ «تدابير جديدة لتعزيز الأمن في العاصمة، وهو ما سيكون ظاهراً للجميع من خلال تكثيف دوريات الجيش وقوى الأمن في المدينة».
وتُوّجت هذه القرارات في جلسة 9 نيسان بالطلب «من الجيش والقوى الأمنية المباشرة فوراً بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها» (بند 2).
لم يقتصر الأمر على تغليب المقاربة الأمنية على معالجة تداعيات الحرب، بل بدا أن الحكومة استغلّت الظرف الاستثنائي وانشغال الرأي العام بتداعيات العدوان وأزماته اليومية، لتمرير قرارات بالغة الحساسية. ومن أبرزها القرار المثير للجدل الصادر في جلسة 9 نيسان، والقاضي بالترخيص لشركات الإسمنت باستثمار مقالع في عدد من المناطق المأهولة.
والأخطر أن مجلس الوزراء اكتفى يومها بإصدار بيان صحافي مُقتضب، من دون الإشارة إلى هذا القرار، كما امتنع عن نشر مُقرّرات الجلسة على موقعه الإلكتروني، ما شكّل عملياً حجباً للمعلومات وعرقلةً لحق المواطنين في الاطّلاع على القرارات العامة ومراقبتها.
حرب الـ2024… بلا دولة
لم يكن انفصال السلطة عن أحوال الناس استثناءً في الحرب الحالية، بل كان امتداداً لنهج سبق أن ظهر بوضوح خلال حرب الأيام الـ 66.
فرغم حجم التصعيد آنذاك، بدا أداء المؤسسات الرسمية باهتاً وعاجزاً. فلا مجلس نواب مارس دوره التشريعي بما يواكب الأزمة، ولا حكومة تصرّفت بوصفها سلطة تنفيذية تواجه ظرفاً استثنائياً.
على المستوى التشريعي، يُظهِر استعراض القوانين الصادرة بين 8 تشرين الأول 2023 وتشرين الثاني 2024 أن ما ارتبط مباشرة بالحرب وتداعياتها لم يتجاوز 2% من مجمل التشريعات، في مؤشر صارخ إلى الهوة بين أولويات السلطة وأولويات المواطنين. والأكثر دلالة أن مجلس النواب لم يعقد خلال فترة الحرب أي جلسة مُخصّصة لمواكبة تداعياتها.
وبحسب الدراسة التي أعدّها الباحثون سامي عطالله وسامي زغيب وليا غندور بعنوان «السياسات اللبنانية أثناء حرب إسرائيل عام 2024»، فإن الحرب جرت عملياً في ظل غياب الدولة. فقد اجتمع المجلس النيابي خمس مرات فقط خلال فترة الإسناد والحرب؛ خُصّصت جلستان منها لمناقشة قوانين، وجلسة للموازنة، وجلستان لانتخاب اللجان النيابية.
بين اندلاع العدوان وإعلان وقف إطلاق النار طُرح 22 اقتراحَ ومشروعَ قانون، اثنان منها فقط ارتبطا مباشرة بتداعيات الحرب
وخلال تلك الفترة أُقرّ 13 قانوناً، لم يتناول أيٌّ منها الحرب أو آثارها المباشرة، بل انصبّت جميعها على ملفات اعتيادية، كالقروض ومشاريع البنى التحتية وتعديل بعض القوانين الاجتماعية وإقرار الموازنة وتمديد ولاية المجالس البلدية والاختيارية. والأكثر لفتاً أن آخر قانون صدر عن المجلس كان في 26 نيسان 2024، أي قبل نحو خمسة أشهر من اندلاع الحرب.
أمّا الحكومة، فلم تكن أكثر حضوراً. فرغم انعقاد مجلس الوزراء 26 مرة خلال فترة الإسناد والحرب، وإصداره نحو 1813 مرسوماً وقانوناً، 32 منها فقط لها علاقة بالحرب. واقتصرت هذه المراسيم بمعظمها على تحويلات مالية وقبول مساهمات من جهات مانحة، فيما تمثّل الإجراء الوحيد المتعلّق مباشرة بالنازحين بتنظيم امتحانات رسمية استثنائية للطلاب الذين حالت ظروف النزوح دون متابعتهم الدراسة.
وتكشف هذه الحصيلة أن مؤسسات الدولة تعاملت مع الحرب وكأنها حدث عادي، من دون استشعار لطبيعتها الاستثنائية أو لحجم التداعيات التي فرضتها على المجتمع. ويعتبر مدير مركز ترشيد السياسات في الجامعة الأميركية في بيروت، فادي الجردلي، أن هذا الأداء يخرج عن أي «منطق استيعابي» للأزمة.
فبين واقع ضاغط واحتياجات متزايدة، جاءت القرارات والتشريعات دون المستوى المطلوب. وكان يفترض، برأيه، أن تُقرّ إجراءات تتصل مباشرة بسوق العقارات والإيجارات والحماية الاجتماعية، ولا سيما أن آثار النزوح كانت أشد وطأة وأكثر استدامة من تجارب سابقة. ويضيف أن السلطة كان عليها أن تواكب المواطنين الذين فقدوا منازلهم ومصادر استقرارهم، عبر تدخّلات تشريعية وتنفيذية أكثر فعالية، معتبراً أن غياب هذا الدور يصعب تبريره.
ورغم إدراكه محدودية إمكانات الدولة، يرى الجردلي أن المسؤولية كانت تقتضي حضوراً مركزياً أكبر، وقرباً أوثق من الناس، ومواءمة حقيقية بين العملين التشريعي والتنفيذي. كما يشدّد على أهمية تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية والاستفادة من الدعم الدولي المتزايد للدولة اللبنانية، مقروناً بمستويات أعلى من الرقابة والمُساءلة والشفافية، بما يضمن تحويل المساعدات والشراكات الدولية إلى سياسات عامة فاعلة لا مجرّد إجراءات إدارية عابرة.
استغلّت الحكومة العدوان لتمرير قرار الترخيص لشركات الإسمنت باستثمار مقالع في عدد من المناطق المأهولة
الجانب الآخر من الأزمة يتمثّل في قطيعة السلطة مع خبراتها السابقة، رغم أن الدولة دفعت أثماناً باهظة في حروب وكوارث متتالية كان يُفترض أن تتحوّل إلى قاعدة لتراكم الدروس وبناء الخطط. لكن ما حصل هو العكس تماماً: لم يُستفد من هذه التجارب، بل جرى تعطيلها أو القفز فوقها.
فبدلاً من تطوير لجنة الطوارئ الحكومية والاستفادة من عملها السابق وتصحيح مكامن الخلل فيها، لجأت السلطة إلى استبدالها بآليات جديدة. وإلى جانب ذلك، برز اعتماد شبه كامل على الموارد الخارجية، بما كشف عطبين بنيويين في إدارة الدولة: غياب الاستمرارية المؤسسية، والارتهان للخارج في إدارة الأزمات.
أمّا العطب الثالث، فيكمن في التعامل مع الأزمة على شكل إجراءات متفرّقة ومنفصلة عن بعضها، من دون مقاربة شاملة. ويتجلّى ذلك بوضوح في ملف الإيواء، حيث غاب التدخّل الفاعل للدولة. ففي الحالات الطبيعية، كان يُفترض أن تتجه السلطة إلى تشريعات استثنائية تتيح استخدام المنشآت العامة والخاصة غير المستعملة، لكن ذلك لم يحصل، ما ترك النازحين عرضة لجشع السوق من جهة، وللاستغلال الطائفي من جهة أخرى.
وتشير المحامية فداء عبد الفتاح إلى نماذج عديدة عن هذا الواقع، من ارتفاع غير منضبط في الإيجارات، إلى حالات طرد لأسباب طائفية، وصولاً إلى آلاف الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في الشوارع من دون مأوى. وتضيف أن السلطة لم تضع أي خطة طوارئ جدّية للإيواء، وأن المراكز القائمة كانت إمّا غير مؤهّلة أو جرى تجهيزها بجهود أهلية خلال الحرب السابقة.
كما لم تُسجّل أي رقابة فعلية على سوق العقارات أو أسعار المواد الغذائية التي شهدت ارتفاعاً كبيراً، في مقابل غياب الشفافية في إدارة الهبات والمساعدات المُقدّمة للحكومة.
والنتيجة، بحسب عبد الفتاح، أن الناس تُركوا عملياً من دون حماية: لا إيواء مُنظّماً، ولا رقابة على السوق، ولا ضبط لانهيار الخدمات، فيما تراجعت حتى قدرة الأجهزة الأمنية على حماية الحقوق، ما دفع بعض المواطنين إلى تولّي الدفاع عن أنفسهم.
وتختم عبد الفتاح: «كلّما كبّرنا الصورة أكثر نرى أن السلطة بكل فروعها لم تكن أبداً في مستوى الحرب الوجودية التي تُخاض ضدنا».
راجانا حمية-الاخبار
ما الذي يدفع رئيسًا للجمهورية إلى أن يفعل ما يفعله جوزيف عون؟ قد يبدو السؤال ساذجًا، أو كأنه يطرح أمراً غير مألوف في الحياة السياسية اللبنانية. غير أن عون ليس أول رئيس للجمهورية يذهب بعيداً في معاداة شريحة واسعة من اللبنانيين.
فقد سبقه إلى ذلك رؤساء تجاوزوا حدود الخصومة السياسية إلى مستوى إدارة الحرب.
وهذا ما فعله، في ثمانينيات القرن الماضي، أمين الجميل الذي كان في صدام مع كلّ المسلمين لا الشيعة فقط، وهدّد يومها بتدمير الضاحية الجنوبية.
استحضار تلك التجربة لا يأتي من باب المقارنة اللفظية، بل لأن أمين الجميل كان يومها جزءاً من المشروع الأميركي – “الإسرائيلي” الأوسع في لبنان والمنطقة. وقد أقنعته قوى داخلية وإقليمية، إلى جانب الولايات المتحدة ودول غربية، بأن موازين القوى تسمح بإعلان الطلاق مع بقية اللبنانيين وإخضاعهم.
لم يكتفِ رئيس الجمهورية في تلك المرحلة بالتمهيد لعودة الحرب الأهلية في لبنان، بل تعدّاه إلى التهديد بقصف دمشق، قبل أن يتبيّن له، في أقلّ من عامين، أنه ليس سوى ألعوبة بيد أميركا و”إسرائيل”، وأنه لا يمثّل سوى جزء من اللبنانيين، لا لبنان كله، قبل أن يبدأ مشوار خسارة غالبية تمثيله السياسي، وصولاً إلى خروجه من الحكم ودخول حزب الكتائب مرحلة الأفول.
جوزيف عون ليس أمين الجميل. فهو ليس زعيماً سياسياً يمتلك تمثيلاً شعبياً حقيقياً، كما أن خبرته أظهرت محدودية تجعل حتّى ميشال سليمان أكثر تعقّلاً في إدارة التوازنات اللبنانية. أمّا ما راكمه من معرفة وخبرة خلال تولّيه قيادة الجيش، فلم ينعكس فهماً لتعقيدات الواقع السياسي اللبناني وتشابكاته.
وعون، الذي وصل إلى الرئاسة بقرار أميركي – سعودي، وغصباً عن غالبية واسعة من القوى السياسية واللبنانيين، يبدو مقتنعاً فعلياً بأنه يعبّر عن مشاعر الغالبية اللبنانية، ولا سيما في ظل دائرة من المستشارين وحده الله يعلم كيف يقيسون الأمور.
وهو لم يخلع البزّة العسكرية، ولم يكلّف نفسه عناء قراءة الدستور، ولا الاستماع إلى تجارب من سبقوه في موقعه.
وتوحي التجارب معه على مدى سنوات طويلة بأنه يتصرّف انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الدعم المباشر الذي يحظى به من الولايات المتحدة والسعودية، والدعم غير المباشر من إسرائيل، كفيلان بأن يضعاه في موقع القادر على فرض الوقائع على بقية اللبنانيين.
بهذا المعنى، يصبح النقاش مع جوزيف عون بلا جدوى ومضيعة للوقت. ولكن، لأن الواقع اللبناني لا يتيح قواعد لعبة تسمح بالدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة وإعادة إنتاج السلطة، يتعامل قادة «الجماعات اللبنانية» مع الأمر باعتباره مصيبة حلّت بهم، وليس أمامهم إلا التعامل مع حالة مرضية مخيفة اسمها جوزيف عون، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
لذلك، سيبقى نبيه بري ووليد جنبلاط في موقع من يمكنه مدّ السلم إلى الرجل للنزول عن الشجرة، أو تنبيهه إلى أنه يذهب بعيداً إلى حيث لن يكون أحد قادراً لاحقاً على مساعدته. أمّا اتّكاله على حكومة يديرها «الناشط الباهت» نواف سلام فلم ولن ينفعه في شيء، إذ إن للأخير عداء عقائدياً مع المقاومة، ولا يكترث بما يُسمى التمثيل الشعبي، وهو مجرّد طارئ يقوم بمهمة قبل أن يسافر إلى حيث يحب أن يمضي بقية وقته.
حان الوقت لإعادة النظر في صيغة الحكم القائمة بعدما تجاوز الزمن «وصفة» الطائف وصار لبنان بحاجة إلى «جردة شاملة» قبل صياغة نظام جديد
مع مرور الوقت، سيجد عون نفسه مضطراً إلى التعايش مع واقع جديد. وسيكتشف أنه استهلك كلّ الرصيد الذي وفّرته له واشنطن والرياض، وأن ما استولى عليه حتّى الآن من صلاحيات ونفوذ لن يبقى على حاله. والرجل الذي يسكن في القرن التاسع عشر، لا يعرف – عن جهل أو عن سابق تصوّر وتصميم – بأن سرقة صلاحيات مجلس الوزراء، تُنذِر بما هو أكثر خطورة على صعيد إدارة البلاد. وسيكون هناك رئيس حكومة يعيد عون إلى حجمه الطبيعي، وإلّا ستتجه البلاد إلى صدام سياسي يطيح باتفاق الطائف من أساسه.
وفي كلّ الأحوال، حسناً فعل عون في ضرب الجنون الأخير. وبينما يعتقد كثيرون بأن ما يجري ليس أكثر من نوبة غضب ستزول، إلّا أن الأفضل لمستقبل لبنان أن تأخذ هذه النوبة مداها، وأن نرى منه مزيداً من الإبداعات في توزيع التمثيل والوطنية، وأن يُتحِفَنا بأفكاره النيّرة عن السيادة. وخلافاً لرغبة كثيرين، ربّما من الأفضل للبنان أن يستمر الرجل في ما يقوم به حاليًّا، لأن ذلك يساعد على إزالة الغشاوة عن أعين من لا يزالون يعتقدون بأنه يمثّل فرصة إنقاذ للبنان، بمن في ذلك من انتخبوه، ومن دعموه، ومن يدفعونه اليوم إلى الهاوية غير آبهين به، للإفادة من النار التي يشعلها.
فوجئ كثيرون بما كشفه نائب حزب الله إيهاب حمادة أول من أمس، حول تقييم نواب الحزب للرجل قبل انتخابه رئيساً، غير أن في الأمر مناسبة لكشف المزيد من المستور حول ما كان الرجل يعد حزب الله به خلال النقاش معه كمرشّح لرئاسة الجمهورية.
وقد يكون مفيداً إطلاع الجمهور، في لبنان وخارجه، على محاضر الجلسات التي جمعت حزب الله به عندما كان قائداً للجيش، وما التزم به ووثّقه بما خصّ موقفه من مستقبل المقاومة في لبنان، ونظرته الحقيقية إلى بقية الأطراف، من جبران باسيل وسمير جعجع إلى نبيه بري وسعد الحريري ووليد جنبلاط، ناهيك عن رؤيته «العنصرية» الواضحة إلى «التطرّف السنّي» في سورية ولبنان.
يقال إن الكذاب «المكشوف» هو من يفتقر إلى ذاكرة جيدة، فيقول الكثير وينسى الكثير مما قاله. غير أن جوزيف عون ليس من المهتمّين بذلك، وما يعرفه هو أمر واحد: قال لي الأميركيون إن القرار اتُّخذ بتصفية حزب الله ولن تغادر “إسرائيل” لبنان قبل إنجاز هذه المهمّة، وإن أحمد الشرع ينتظر إشارة للقيام بدوره في هذه المعركة، قبل أن يضيف إليه أصحاب هذه الأفكار المُذهِلة أنه يمكن للجيش اللبناني القيام بدور خشن في مواجهة حزب الله!
الخلاصة، أن اندفاع جوزيف عون في مسلسل الخطايا، يفيد بكشفه بصورة كاملة، قبل تقييده بالوقائع اللبنانية الصعبة. وحتى من منظور المصلحة الوطنية العليا، فإن جنون جوزيف عون، يفيد بكسر «تابو» النقاش حول مستقبل صيغة الحكم في لبنان، إذ يبدو أن اتفاق الطائف قد أدّى مهمته الفعلية، بعد التمديد القسري له منذ اتفاق الدوحة عام 2008، وبات لبنان بحاجة إلى جردة بكلّ موجوداته البشرية والاقتصادية، قبل صياغة نظام داخلي جديد لهذه الشركة التي اسمها لبنان!
ابراهيم الامين-الاخبار
تطرح التفاهمات التي أُعلنت بين لبنان و”إسرائيل” في نيسان/أبريل وحزيران/يونيو 2026 إشكالية تحليلية تتجاوز مضمونها السياسي المباشر، لتصل إلى بنيتها القانونية العميقة.
فهذه النصوص، تكشف عن تبنّي مقاربة مألوفة في حل النزاعات بين العرب و”إسرائيل” برعاية أميركية، والتي تقوم على التدرج الأمني، والسيطرة على سيادة ونطاق الطرف العربي، مع الإبقاء على هامش واسع من الحركة لـ”إسرائيل”.
ومن هنا، تبرز أهمية مقارنة هذه التفاهمات مع اتفاقيات أوسلو بين السلطة الفلسطينية و”إسرائيل”. ونوردها في ما يلي:
الطابع المرحلي والقفز على الأمور السيادية
من حيث البنية، تؤسس التفاهمات التي عقدتها السلطة اللبنانية مع “إسرائيل” لمرحلة انتقالية، تقوم على تأجيل المطالب السيادية اللبنانية، وتأجيل الحل النهائي إلى مراحل لاحقة، وهو ما حصل في أوسلو تماماً.
تم الانتقال في أوسلو من إعلان مبادئ إلى ترتيبات تفصيلية من دون حسم القضايا الجوهرية (القدس والحدود وعودة اللاجئين).
كذلك في لبنان تم الحديث عن إطلاق وقف إطلاق نار أو هدنة مؤقتة، ثم إنشاء ترتيبات انتقالية، وتأجيل الحلول النهائية إلى مفاوضات لاحقة، وهذا يعني تأجيل موضوع الانسحاب الإسرائيلي من الأرض وعودة السكان، وعودة الأسرى وغيرها من القضايا الجوهرية اللبنانية.
أولوية الأمن الإسرائيلي
العنصر الحاسم في الحالتين هو أولوية الأمن الإسرائيلي. في أوسلو، أُنشئ نظام تنسيق أمني، وأُلزم الطرف الفلسطيني بضبط الفصائل المسلحة، ومنعها من الاعتداء على “إسرائيل”، واحتفظت الأخيرة بحرية التدخل العسكري ساعة تشاء في الأراضي الفلسطينية وحرية التوغل والقصف.
وكانت مهمة قوى الأمن الفلسطينية، حفظ النظام الداخلي، وضبط السلاح، والتنسيق مع “إسرائيل” واعتقال المقاومين، أو منعهم من القيام بعمليات ضد “إسرائيل”، وتستطيع “إسرائيل” القيام بذلك بنفسها إذا ما رأت تهديداً، لكن لا يسمح لها بالدفاع عن النفس ضد “الجيش” الإسرائيلي، أو العمل كجيش سيادي (حين يتوغل الإسرائيلي تقوم إما بالانسحاب من الشوارع أو العودة إلى مقارها).
في التفاهمات اللبنانية الحالية، هناك التزام لبناني بأن يقوم الجيش اللبناني بـمنع أي عمليات ضد “إسرائيل”، وتفكيك الجماعات المسلحة، مقابل احتفاظ “إسرائيل” بحق “حرية الحركة داخل لبنان”، و”الدفاع عن النفس في أي وقت” (وهو ما جاء في إعلان نيسان).
في بيان نيسان، تظهر الالتزامات المفروضة فقط على الجانب اللبناني، ويقترن ذلك بنص صريح يمنح “إسرائيل” حق اتخاذ “جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس”، بما يشمل “الحالات المخططة أو الوشيكة أو الجارية”.
هذه العبارة، بصيغتها الواسعة، تشكل قاعدة قانونية مفتوحة تتيح للطرف الإسرائيلي القتل والقصف في لبنان حتى وقائياً ومن دون وجود تهديد ظاهر.
وبما أن بيان حزيران لم يتضمن أي نص صريح يلغي أو يقيّد “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس” كما ورد في بيان نيسان (لم يعطِ لبنان الحق نفسه) ولم ينشئ تعارضًا قانونيًا واضحًا معه، فهذا يعني استمرار العمل بالنص السابق.
تُعرف هذه القاعدة في الفقه القانوني بمبدأ “استمرارية الالتزامات”، حيث تُقرأ النصوص المتعاقبة بوصفها وحدة متكاملة، لا كسلسلة منقطعة.
وبذلك، فإن الصمت في النص اللاحق لا يُعد إبطالًا، بل يُفسّر على أنه إبقاء ضمني على الترتيبات السابقة، ما لم يُنص على خلاف ذلك.
وهذا ما يجعل حق “إسرائيل” في الاعتداء على لبنان ساعة تشاء، ولو لم يُذكر في بيان حزيران، قائمًا من الناحية القانونية، ومندمجًا في بنية الاتفاق ككل.
التقسيم الجغرافي الذي يؤبد الاحتلال
تُظهر صيغة “المناطق التجريبية” الواردة في بيان حزيران تشابهًا وظيفيًا واضحًا مع منطق التقسيم الجغرافي الذي اعتمدته اتفاقيات أوسلو من خلال مناطق (أ، ب، ج).
في التجربة الفلسطينية، قُدِّم هذا التقسيم بوصفه ترتيباً مؤقتًا يهدف إلى نقل السلطة تدريجيًا إلى الجانب الفلسطيني، غير أن التطبيق الميداني أنتج واقعًا مختلفًا إلى حد كبير عمّا نصّت عليه الاتفاقيات.
في المنطقة (أ)، التي كان يفترض أن تخضع لسيطرة فلسطينية كاملة مدنيًا وأمنيًا، بقيت الإدارة اليومية بيد السلطة، لكن ذلك لم يمنع تدخل “الجيش” الإسرائيلي المتكرر عبر الاقتحامات والاعتقالات، ما أفرغ مفهوم “السيطرة الكاملة” من مضمونه الأمني الفعلي.
أما المنطقة (ب)، التي خُصصت لإدارة مدنية فلسطينية مع تنسيق أمني مشترك، فقد شهدت عمليًا تفوقًا واضحًا للجانب الإسرائيلي في المجال الأمني، إذ احتفظت “إسرائيل” بحرية الدخول والسيطرة عند الحاجة، ما قيّد الفاعلية الفلسطينية إلى حد كبير.
وفي المنطقة (ج)، التي كان يفترض أن تنتقل تدريجيًا إلى السيطرة الفلسطينية، استمر الحضور الإسرائيلي الكامل، مدنيًا وأمنيًا، مع توسع كبير في الاستيطان وفرض قيود صارمة على البناء والاستخدام الفلسطيني للأراضي، بما في ذلك هدم المنشآت بحجة عدم الترخيص، الأمر الذي أدى إلى تثبيت سيطرة إسرائيلية مباشرة على الجزء الأكبر من الضفة الغربية.
هذه التجربة تُظهر كيف يمكن لتقسيم جغرافي ذي طابع انتقالي أن يتحوّل إلى بنية دائمة تعيد إنتاج موازين القوة بدل تعديلها، وهو ما يجعل مفهوم “المناطق التجريبية” في السياق اللبناني يشبه واقع الضفة الغربية التي يقوم الاحتلال بقضمها يوماً بعد يوم، ويمهد لضمها كلياً، وهو ما يعني أن “إسرائيل” تسعى لضم جنوب لبنان كلياً عبر القضم.
ليلى نقولا-الميادين
لا يمكن مقارنة مشهد السلطة في لبنان اليوم، وهي تتجرّد بالكامل من جميع القيم الوطنية والسيادية، بأي مشهد مخزٍ آخر عرفته المنطقة منذ سنين.
فقد بلغ الخطاب المعادي للناس وللأرض ولأبسط الحقوق الطبيعية دركًا صارت فيه الكلمات تتكامل مع الصواريخ والقذائف التي يطلقها العدو على صدور أهل الأرض، على مدار الساعة.
وإن كانت بعض الأنظمة العربية قد سبق وغالت في التبعية للأميركي ولم تمتنع عن مهادنة “الإسرائيلي” إلى حد توقيع اتفاقيات استسلام تحت مسمى “السلام”، فكلها مجتمعة لم تبلغ مرحلة تخاطب فيها شعوبها علانية بلغة تحمل تهديدًا مواربًا تجاه كل نفس تأبى الذل، وتذهب في نكران النوايا العدوانية لدى “إسرائيل” إلى حد تجاهل الدم الذي يُسفك والبيوت التي تُدمّر والأراضي التي تُحتل وتُدنّس منذ 1948 حتى الساعة، وتستخف بعقول المخاطبين حد دفعهم إلى التساؤل بجدية: أحقًا يدرك المتكلم معنى ما يقول؟!
أحقًّا يذنّب دولة صديقة بكلّ ما يجري على أرضنا ويبرّىء كيان العدوّ الواضح من كلّ جرائمه المشهودة ؟! وللذهاب في العمق أكثر، هل يدرك المتكلّم حقيقة ألّا شرعية لسلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، وفق نصّ اتفاق الطائف؟ هل يعلم أن بحسب الدستور اللبناني الشعب هو مصدر السلطات وبالتالي حين تعاديه سلطة أو تستعدي غالبيته، تفقد شرعيّتها تمامًا وتصبح عرضة للإدانة بالتنازل عن الأرض والاستهتار بأرواح الناس؟
جرت العادة في بلادنا التي استباح معظمها الأميركي عبر التحكم بأنظمتها لتعينه على نهب مواردها والسيطرة على شعوبها، أن يحتفظ كل نظام تابع ببعض الشعارات البراقة التي يستخدمها كأوراق توت ليستر بعضًا من علامات انبطاحه وارتهانه للصهيو-أميركي.
فلم يكن غريبًا أن تسمع رئيس دولة مطبعة وهو يزايد على الأحرار في مناصرة القضية الفلسطينية، ولطالما شهدنا أنظمة لا تستحي بوجود سفارة “إسرائيلية” على أراضيها، تداعب المشاعر الوطنية والإنسانية بالكثير من الكلام المعسول، فتصدر بين الحين والآخر بيانات تستنكر المجازر في غزة أو تدين استهداف المدنيين.
إلا أن السلطة في لبنان تجردت حتى من وريقات التوت الشعاراتية، ومضت إلى التعبير الواضح عن العداء لأهل البلد وحقهم في المقاومة والدفاع عن النفس والأرض، بصراحة تجعل السامع يتساءل عما إذا كان الكلام صادرًا عن جهة “إسرائيلية” ومترجمًا عن العبرية، إذ لا يمكن بأي منطق عقلاني أو وجداني فهم هذه المجاهرة بالتماثل مع “الإسرائيلي” في بلد لم يزل دستوره ينص على اعتبار الكيان الصهيوني “عدوًا”، ولم يزل التعامل أو التلاقي مع هذا العدو جريمة تدعى الخيانة، مذكورة عواقبها بالتفاصيل في عدة مواد من قانون العقوبات.
بكلام آخر، استحى المطبعون المنبطحون في اتفاقيات الذل الاستسلامي أن يجاهروا بالتماهي مع “الإسرائيلي”، ولم يستحِ أولئك الذين تبوأوا مناصبهم وهم يدعون الإقرار بعدوانية “إسرائيل” ووجوب حماية لبنان منها ثم غيروا جلدهم وباتوا يجاهرون بالقول: “لا يوجد أي نوايا عدوانية بين لبنان وإسرائيل”.
ولعل أسوأ ما في المشهد أنه يجري تحت نار العدوان المتواصل والحاصل على “شرعية” منحته إياها السلطة على طاولة مفاوضات العار في واشنطن حين تصرفت على أنها وإياه طرف واحد في مواجهة المقاومة في لبنان، أي الناس.
نعم، يجري على أرض يتواصل نزف دم أبنائها فوق ترابها منذ سنين، من دون أن يرف جفن استنكار من القائمين على السلطة بعدما اختاروا طوعًا التنصل من كامل مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية والإنسانية، بعد “خطاب قسم” و”بيان وزاري” تضمنا تعهدا بحماية الأرض وصون الناس.
يجري ذلك فيما عداد وزارة الصحة لا يتوقف عن إحصاء أعداد الشهداء والجرحى، وفيما تختلف الأرقام التي تشير إلى عدد النازحين المهجرين قسرًا من بيوتهم وقراهم وأحيائهم بين يوم وآخر، وفيما تزداد في كل ساعة الخسائر في الممتلكات والأرزاق. يجري ذلك فيما العدو نفسه يتحدث صراحة عن منع أهالي القرى الجنوبية من العودة إليها، ويجرف بيوتها، ويقتل الصامدين فيها.
ويجري ذلك فيما يقف الناس مذهولين من هذه اللغة المعادية التي تصدر عن رئاسة كان من المفترض أن تمثل البلد والناس، وتحترم خيارات أهل الأرض وعقول كل من يصغي إليها. وبأسوأ الأحوال، لغة كان ينبغي لها أن تصمت حين ترى في نفسها عجزًا عن مواجهة العدوان، إذ لم يتوقع منها أحد أن تتولى مسؤولية ثقيلة كهذه، بدلًا من أن تبوح بأهداف مشتركة لها معه، وتعادي أبناء شعبها فتسميهم تارة بـ”الآخرين” وطورًا بـ”المغامرين”.
كما تعادي جهارًا الجمهورية الإسلامية في إيران بناءً على الأوامر الأميركية وتتهمها، بما يشبه الكوميديا السوداء، بالاعتداء على الجنوب والتسبب بتهجير أهله وتدمير قراه وقتل خيرة شبابه وعائلاته.
هذا السيل الاتهامي الذي يفرط في الاستخفاف بالعقول دفع حتى أولئك الذين يختلفون مع المقاومة في كثير من الملفات السياسية والفكرية وحتى العقائدية، إلى لحظة تعبير عن صدمة، فالكلام أوحى بأن المتكلم لم يطلع مسبقًا على مجريات الأحداث أو أنه منفصل عن الواقع، ويسعى بمحاولة فاشلة لإقناع الناس أن ما تراه أعينهم من جرائم “إسرائيلية” ليس حقيقيًا، وأن الحقيقة – أي تلك التي تريد أميركا زرعها في العقول – هي أن إيران، السند الحقيقي للبنان، هي المسؤولة عن كل مصائبه.
ذُهل الجمهور، من جميع الطوائف والمذاهب والمناطق والاتجاهات الفكرية والعقائدية، بل وحتى المستوطنون في الأرض المحتلة عاشوا لحظة ذهول: كيف يمكن أن ينطق بهذا الكلام صاحب منصب من المفترض أن جزءًا من واجباته الوظيفية التعبير عن البلد وحفظ كرامته وأرضه وحماية ناسه، والالتزام بالدستور وبالمواثيق الدولية التي تقر بحق الدفاع عن النفس ومقاومة العدوان وبحرمة قتل المدنيين وجرف البيوت واحتلال الأرض؟
هذا الجمهور المؤلف من لبنانيين يختلفون فيما بينهم في كثير من القضايا ويجمعون على العداء للكيان الاستيطاني الإرهابي المدعو “إسرائيل”، وجد بالأمس في منصات التواصل منابر تتيح له التعبير عن استيائه من كلام أقل ما يقال فيه إنه مهين للدم المسفوك على أرض الجنوب، ومهين لفيوض البذل التي قدمتها المقاومة، وبدون منة، ومن أجل أمان كل اللبنانيين، كلهم، حتى أولئك الذين يعادونها حبًا بـ”إسرائيلهم”، وهم بالمناسبة أقل بكثير على أرض الواقع وليس كما يبدو على الشاشات المتاحة لهم والتي تمنحهم فرصة الترويج بالصراخ والهوبرة لتصوير لبنان كساحة “إسرائيلية”.
إذًا، تلقت السلطة، سيلًا من التقريع والسخرية وحتى الاشمئزاز. فحملات الاستنكار للانبطاح التي عبّر الناس من خلالها عن غضبهم ورفضهم لأي مفاوضات استسلامية مباشرة، لم تكتفِ بالرد على ما قاله جوزيف عون في مقابلته أمس، بل ولم تقصر باتجاه نواف سلام وسائر الذاهبين في معاداة الناس والساعين لمنح أرض الجنوب كعربون انبطاح للأميركي، والمجتهدين في محاولة سحق المقاومة ولو من أجل “كأس” كحول في “تل أبيب”.
ومن اللافت أن هذا الرفض القاطع لمواقف عون المخزية عبر شاشة CNN لم يصدر حصرًا من المهجرين من القرى الحدودية منذ سنوات، المسلوبة أرضهم والممنوعين من العودة إليها، ولا ينحصر داخل مجتمع المقاومة، أهل العزة والإباء ودرّتهم عوائل البذل والشهادة فقط، ولا حتى من كامل البيئة اللصيقة بحزب الله وحركة أمل، بل من جميع البيئات التي تحترم الإنسان وترى ما يجري بحيث لا ينطلي عليها كلام على شاكلة “إيران دمرت الجنوب” أو “ليس لدى إسرائيل نوايا عدوانية”.
فخامتك، لقد تجاوز الأمر النوايا العدوانية، نحن في خضم عدوان وحشي ممنهج، وأغلب الظن أنك تعلم، ولسبب ما تغرق في الإنكار الذي يتوافق مع “عشاء” جمع شخصيات لبنانية و”إسرائيلية”، كي يكون بينهم خبز وملح، بالإضافة إلى الهدف المشترك: إنهاء حالة المقاومة في لبنان، وتجريم حزب الله! وهيهات!
في الختام، قالت السلطة كلمتها، المتماهية مع الحديث العبري اليومي، وقال الناس كلمتهم بدورهم وبالعامية: “يا عيب الشوم”، إذ لم يجدوا سواها للتعبير عما رأوه.
ليلى عماشا-العهد
قراءة البيان الصادر عن الاجتماع بين وفد السلطة في لبنان مع وفد العدو بحضور الجانب الأميركي، توجب البحث في بنوده المعلنة، واللحظة السياسية التي وُلد فيها، والمسار الذي سبقه والتحولات التي أعادت تشكيل البيئة الاستراتيجية التي يعمل ضمنها جميع الأطراف.
فالاتفاق جاء في مرحلة شهدت سقوط رهانات كبرى، وتبدل حسابات إقليمية، وتصاعد مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع كانت تهدد بإعادة إشعال الحرب الإقليمية من بوابة لبنان.
السؤال الأهم، هو هل تمت صياغة بنود هذا الإعلان انطلاقاً من فرضية أن المقاومة ستقبل بها وتتعامل معها بوصفها أساساً لتسوية جديدة، أم أن الجهات التي وضعتها كانت تدرك مسبقاً أن شروطها غير قابلة للقبول، لكنها أرادت توظيفها سياسياً وإعلامياً لأهداف أخرى؟
الإجابة تسمح بفهم خلفيات الاتفاق وسياقه، وتكشف طبيعة الصراع الذي يدور حول لبنان ومستقبله، وتساعد على فهم ما إذا كنا نتجه صوب تسوية مستقرة أم نحن أمام محطة جديدة في مسار مواجهة لم تصل بعد إلى نهاياتها بعد؟
لم يأتِ الاتفاق المطروح اليوم في لبنان من فراغ، بل هو تتويج لمسار طويل من التقديرات والرهانات التي سادت لدى الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض القوى اللبنانية منذ اندلاع الحرب.
وهي تقديرات انطلقت من فرضية أن حزب الله وإيران يعيشان في أضعف مراحلهما، وأن الظروف مؤاتية لإحداث تغيير جذري في معادلات القوة التي حكمت لبنان والمنطقة خلال العقود الماضية.
لذلك، لم تكن الحرب مجرد عملية عسكرية محدودة، بل بهدف إخراج حزب الله من المعادلة السياسية والأمنية اللبنانية، بالتوازي مع إخضاع إيران أو إضعافها بصورة تسمح بالتفرغ لاحقاً للساحة اللبنانية.
غير أن مسار الحرب أظهر نتائج مغايرة لكثير من تلك التوقعات. فبدلاً من انهيار إيران أو تراجع دورها الإقليمي، فقد باتت لاعباً أكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد الإقليمي. كما أن العدوان الإسرائيلي لا ينهي دور حزب الله أو يشل قدرته على التأثير، بل ظهر الحزب بقدرة على مواصلة الاستنزاف العسكري وفرض كلفة متزايدة على جيش الاحتلال ومستوطنيه.
ومع ذلك، استمرت محاولات الاستثمار السياسي في نتائج الحرب. فتوقُّف إطلاق النار مع إيران، كان يشمل لبنان، لكن واشنطن تبنت المقاربة الإسرائيلية التي تركز على فصل المسارين الإيراني واللبناني للاستفراد بلبنان ومقاومته.
ثم جاءت التطورات اللاحقة، بما فيها التصعيد الإسرائيلي الواسع الذي بدأ بـ«الأربعاء الأسود» لتؤكد أن هناك من يريد إعادة صياغة شروطه لمصلحة إسرائيل.
إلا أن هذا المسار واجه بدوره متغيرات جديدة. فقد أدى القرار الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، إلى صب تأثير العامل الإقليمي في المواجهة لمصلحة لبنان، قبل أن تنتهي الاتصالات غير المعلنة إلى تحييد الضاحية الجنوبية وبيروت عن ساحة الحرب المباشرة. ومع ذلك استمرت المواجهة في الجنوب بوتيرة متصاعدة، ورفعت المقاومة من المستوى الكمي والنوعي لعملياتها موقعة الخسائر الكبيرة في صفوف جيش العدو، بالتوازي مع توسع نطاق الردود التي طالت عمقاً أكبر داخل الأراضي المحتلة. ومع مرور الوقت بدأت الكلفة السياسية والعسكرية للحرب تتراكم داخل إسرائيل نفسها، ما أدى إلى تصاعد الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو لإيجاد مخرج من المأزق القائم.
اللحظة المفصلية كانت بإعلان نتنياهو نيته توسيع الحرب لتشمل بيروت والضاحية الجنوبية. وهنا لم يعد الأمر يتعلق بسقف العمليات العسكرية فحسب، بل بإعادة رسم حدود الصراع واحتمالات توسعه. وفي هذا السياق جاء موقف إيران الحاسم بأنها سترد عسكرياً على استهداف الضاحية عبر ضرب أهداف في شمال فلسطين المحتلة. وهذا ليس مجرد تهديد عسكري إضافي، بل إعلان سياسي واضح بأن أي تصعيد ضد الضاحية قد يفتح الباب أمام انخراط إيراني مباشر ويهدد بإعادة المنطقة إلى مسار الحرب الإقليمية الشاملة.
هل افترض واضعو الإعلان أن الحرب تجري لمصلحة إسرائيل، وأن حزب الله ومعه إيران في وضع ضعيف حتى يقبلا بهذه الشروط؟























