يُجمِع أهالي النبطية على أن انعدام الاستقرار الأمني واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية في محيط المدينة يشكّلان العائق الرئيسي أمام عودة السكان واستئناف الدورة الاقتصادية.
ويضاف إلى ذلك انكفاء معظم مؤسسات الدولة وإداراتها وأجهزتها الأمنية، وغياب الخدمات الأساسية، في مدينة ترزح تحت دمار غير مسبوق. وبعد شهر ونصف شهر على وقف إطلاق النار، لم تتجاوز نسبة العودة الفعلية للسكان 30%، فيما بدت الزيارات التي قام بها عدد من الوزراء المعنيين خلال الأسبوعين الماضيين أقرب إلى جولات استطلاعية أو استعراضية، من دون أن تفضي إلى جدول زمني واضح أو خطوات تنفيذية ملموسة لإطلاق عملية التعافي.
مدينة بلا واجهات
لا تعترف الرصاصات الإسرائيلية الطائشة بالحدود الفاصلة بين النبطية الفوقا وحي السراي في مدينة النبطية. هناك، وفي كلِّ أحياء المدينة، تهتز الأبواب المُخلّعة مع كل انفجار يهزّ كفرتبنيت أو قصف مدفعي يستهدف تلة علي الطاهر القريبة. ورغم مرور شهر ونصف شهر على وقف إطلاق النار، لا تزال النبطية تعيش إيقاع الحرب، ويفرض القلق الأمني حضوره على تفاصيل الحياة اليومية.
الخراب يطبع معظم أحياء المدينة، وإن بدرجات متفاوتة، والحصة الأكبر هي من نصيب حيَّي الميدان والسراي، حيث تضرّرت أيضاً مبانٍ تراثية عريقة. واجهات معظم المحال التجارية مُحطّمة، والرفوف فارغة، والزجاج المتناثر يغطي الأرصفة. وتشير التقديرات إلى تدمير نحو 250 مؤسسة تجارية بالكامل، وتضرر أكثر من 1300 محل جزئياً. إلا أن هذه الأرقام لا تعكس سوى جزء من حجم الكارثة، إذا أضيف إليها تدمير 750 وحدة سكنية بشكل كامل، وتضرر نحو ثلاثة آلاف وحدة أخرى.
ومن بين الركام، يحاول بعض أبناء المدينة استعادة ما أمكن من حياتهم. أعاد صاحب محل الألعاب سمير جابر فتح ما تبقّى من متجره، داخل مبنى بات مُهدّداً بالهدم، فيما استأنف المختار حسن نزار جابر، بعد تضرر مكتبه الأساسي، استقبال معاملات الأهالي في مكتب في سوق «ساحة البيدر» الذي افتُتِح عشية الحرب.
في أحد الأزقة، يقف الثمانيني حسين منصور متأمّلاً المشهد، بعدما عاش معظم محطات المدينة، ليختصر ما جرى بكلمات قليلة: «كارثة كبرى حلّت بالنبطية». لكن، رغم هذا الدمار، تحاول المدينة إرسال إشارات حياة. فقد علّقت إحدى المؤسسات التجارية لافتة كُتب عليها: «راجعين أقوى». عبارة حاولت حملة النظافة التي نُظِّمت الأسبوع الماضي أن تُترجمها في الشارع.
وترجمت حملة النظافة التي نُظّمت الأسبوع الماضي جانباً من هذه الإرادة. ورغم أنها ليست الأولى منذ وقف إطلاق النار، فإنها تميّزت بمشاركة واسعة من أبناء المدينة وجمعياتها الأهلية، إلى جانب وفد من فعّاليات مدينة صيدا وأعضاء في مجلسها البلدي، في «مبادرة مشتركة عكست روح التضامن بين المدينتين».
«وينيي الدولة»؟
«المدينة منكوبة». عبارة يردّدها أبناء النبطية لوصف واقع مدينتهم، التي باتت تقع على بعد أقل من ثلاثة كيلومترات من الاحتلال الإسرائيلي المباشر. لذلك، يبدأ أي حديث عن أسباب تأخر عودة الحياة الطبيعية من العامل الأمني أولاً.
لكن، «هل الدولة موجودة فعلياً في النبطية؟»، يسأل رئيس المجلس البلدي عباس فخر الدين، مشيراً إلى أن المشكلة تمتدّ إلى الغياب شبه الكامل للدولة. ويضيف: «هل علينا أن نذكّر بأنها مركز محافظة؟ أين الإدارات الرسمية؟»، لافتاً إلى أن بعض الدوائر استأنفت عملها أخيراً، فيما يُفترض أن تعود دوائر أخرى قريباً، «وهو أمر إيجابي، لكنه غير كافٍ».
فخر الدين الذي لم يغادر مدينته في الحرب وبذل مع أعضاء المجلس البلدي جهوداً كبيرة لفتح الطرق وتأمين الأدنى من الخدمات الأساسية يستغرب تراجع ساعات التغذية بالكهرباء مثلاً إلى نحو 4 ساعات يومياً، في وقت كان يُفترض أن تحظى المدينة بأولوية بسبب الظروف الاستثنائية التي تعيشها. ويلفت إلى أنّه نقل هذه الهواجس إلى الوزراء والوفود الرسمية التي زارت النبطية، محذّراً من أن استمرار انكفاء مؤسسات الدولة سيؤخّر عودة السكان واستئناف الحياة الاقتصادية.
الدولة، بكل مؤسساتها المدنية والأمنية والعسكرية، انسحبت من النبطية أثناء الحرب ولم تعد



