لم يقتصر تأثير فقدان النصاب في الجلسة التشريعية الأخيرة على تأجيل إقرار مشروع إلغاء عقوبة الإعدام واقتراح العفو العام، بل أظهر أن المشروعين أصبحا جزءًا من تسوية سياسية واحدة، بحيث بات تمرير كل منهما مرتبطًا بالتفاهم على الآخر، وتحول النقاش من مضمون القانونين إلى اختبار لقدرة الكتل على التوصل إلى صيغة توافقية تراعي مطالبها المختلفة.
ويهدف مشروع إلغاء عقوبة الإعدام إلى إجراء إصلاح دائم في منظومة العقوبات عبر حذف الإعدام من القوانين اللبنانية واستبداله بعقوبة مشددة، فيما يشكل العفو العام إجراءً استثنائيًا لمعالجة أوضاع فئات محددة من الموقوفين والمحكومين، وسط خلاف سياسي حول المستفيدين منه والجرائم التي يشملها.
ورغم الاختلاف الجوهري بين المشروعين، إذ يضع الأول قاعدة قانونية للمستقبل بينما يعالج الثاني ملفات مرتبطة بالماضي، فإن جمعهما في مسار واحد دفع النقاش بعيدًا عن فلسفة العقوبة وعدالة المحاكمات، ليركز على هوية المستفيدين والتوازنات السياسية والطائفية. وأصبح أي تعديل في أحد المشروعين قادرًا على تعطيل التفاهم بشأن المشروع الآخر.
ويحمل مشروع إلغاء عقوبة الإعدام بعدًا يتجاوز أوضاع المحكومين الحاليين، إذ لم ينفذ لبنان أي حكم إعدام منذ عام 2004، كما صوّت أكثر من مرة في الأمم المتحدة لمصلحة الدعوة إلى وقف تنفيذ هذه العقوبة. ويهدف المشروع إلى تحويل هذا التجميد العملي إلى قاعدة قانونية ثابتة، بدل إبقاء العقوبة قائمة في النصوص وخاضعة لقرار سياسي قد يتغير مع تبدل الحكومات والظروف الأمنية.
إلا أن ربط المشروع بقانون تنفيذ العقوبات غيّر مسار النقاش، لينتقل من البحث في العقوبة البديلة وضماناتها إلى مسألة مدة العقوبة وإمكان تخفيضها وشروط إطلاق السراح، ما جعله يتقاطع مباشرة مع الخلاف الدائر حول العفو العام، وأصبح إقراره مرتبطًا بالنتائج العملية التي قد تترتب على المحكومين الحاليين.
وبذلك، بات مشروع إلغاء الإعدام يُناقش من خلال ملفات وأسماء محددة، بدل النظر إليه كتعديل شامل في السياسة العقابية للدولة. ويخشى البعض أن يفتح إقراره بابًا غير مباشر للإفراج عن محكومين بجرائم خطرة، فيما يعتبر آخرون أن الصيغة المطروحة تتضمن قيودًا تمنع استفادة محكومين في ملفات أمنية مستقبلًا. لكن الجدل حول هوية المستفيدين طغى على القيمة الإصلاحية للمشروع.
وفي المقابل، لا يقل ملف العفو العام تعقيدًا، إذ لا يعني إطلاق جميع السجناء أو إسقاط كل الجرائم، بل يجمع بين العفو عن بعض الأفعال وتخفيض عقوبات محكومين آخرين. كما يتقاطع مع ملفات الموقوفين الإسلاميين والمدانين بجرائم مخدرات والمتخلفين عن تسوية أوضاعهم القانونية، إضافة إلى قضايا الحق الشخصي وحقوق الضحايا وطول التوقيف من دون أحكام نهائية.
وجاء تحرك النواب السنة وتشكيل لجنة لإعداد تعديلات جديدة ليؤكدا استمرار البحث عن صيغة تعالج ما يعتبرونه “مظلومية” لحقت بموقوفين ومحكومين في ملفات أمنية، وبعضهم موقوف منذ سنوات من دون محاكمة فعلية. إلا أن اعتماد منطق الموازنة بين مطالب الكتل قد يحول معالجة هذه القضايا إلى توزيع للاستثناءات، بما يفتح الباب أمام الاستنسابية والمحسوبيات.
ولا يُعد فصل المشروعين مجرد إجراء تقني لتسهيل التصويت، إذ يحتاج مشروع إلغاء عقوبة الإعدام إلى نقاش مستقل يرتكز على موقف الدولة من العقوبة القصوى وضمانات المحاكمة العادلة والعقوبة البديلة، بينما يتطلب العفو العام معايير واضحة تميز بين معالجة الظلم الناتج عن طول التوقيف أو اختلال المحاكمات، وبين إسقاط المسؤولية عن جرائم خطرة تحت ضغط التسويات، مع الحفاظ على حقوق الضحايا.
وتخلص التجربة الأخيرة إلى أن جمع المشروعين لم يسهم في تسهيل إقرارهما، بل حمّل كلًا منهما خلافات الآخر وأخضعهما لمنطق الصفقة الواحدة، ما يجعل إعادة كل ملف إلى سياقه الطبيعي مدخلًا لمناقشته وفق معايير قانونية مستقلة بعيدًا عن المقايضات السياسية.