في كل مناسبة وطنية، تتكرر عبارات الإشادة بالجيش باعتباره “صمام الأمان” و”سياج الوطن” و”الضامن للوحدة الوطنية”. لكن مع انتهاء الاحتفالات، يعود العسكري إلى ثكنته حاملاً همومًا معيشية لا تقل صعوبة عن مسؤولياته الأمنية.
ويؤكد المقال أن قوة الجيش لا تقوم على السلاح والانضباط فقط، بل على جندي لا ينشغل بتأمين لقمة عيش عائلته أثناء أداء واجبه في الدفاع عن الوطن. ويشير إلى أن المؤسسة العسكرية لم تكن بمنأى عن الأزمة الاقتصادية، بل كانت من أكثر المؤسسات تأثرًا بها.
ورغم نجاح المؤسسة، بفضل قيادتها ودعم الدول الصديقة، في الحفاظ على تماسكها ومنع انهيارها، فإن آلاف العسكريين ما زالوا يكافحون يوميًا لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
ويلفت إلى أن العسكري الذي يقف لساعات على الحواجز، أو ينتشر في القرى الحدودية، أو يلاحق شبكات التهريب، أو ينفذ عمليات أمنية دقيقة، يعود إلى منزله مثقلًا بتحديات الحياة اليومية، من بدل إيجار المنزل، وتعليم أولاده، والاستشفاء، وكلفة التنقل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية.
ويرى المقال أن هذه التحديات ليست شأنًا فرديًا، بل ترتبط مباشرة بالأمن الوطني، إذ لا يمكن مطالبة العسكريين بالبقاء في أعلى درجات الجهوزية فيما يعيشون هم وعائلاتهم أوضاعًا اجتماعية صعبة. كما يؤكد أن الانتماء إلى المؤسسة العسكرية لا يعني التخلي عن الحقوق الأساسية أو القبول بظروف معيشية قاسية.
ويشير إلى أن الجيش أثبت خلال السنوات الماضية قدرة استثنائية على الصمود، فلم تنهَر المؤسسة ولم تتفكك وحداتها، واستمرت في تنفيذ مهامها داخل البلاد وعلى الحدود رغم الانهيار المالي، وتراجع قيمة الرواتب، وارتفاع كلفة المعيشة.
كما يوضح أن الدعم الذي قدمته دول شقيقة وصديقة أسهم في الحفاظ على الحد الأدنى من الجهوزية، لكنه لا يمكن أن يشكل بديلًا دائمًا عن مسؤولية الدولة اللبنانية تجاه مؤسستها العسكرية.
ويشدد المقال على أن بناء جيش قوي يبدأ بالاستثمار في الإنسان قبل العتاد، معتبرًا أن المعنويات لا تُشترى، وأن الولاء يتعزز عندما يشعر العسكري بأن دولته تقف إلى جانبه عند الحاجة.
ويضيف أن أخطر ما قد تواجهه أي مؤسسة عسكرية ليس نقص الذخيرة، بل شعور أفرادها بأن تضحياتهم لا يقابلها الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، في ظل تراجع القدرة الشرائية للرواتب وازدياد الضغوط المعيشية.
ويؤكد أن الوقائع لا تدل على أزمة ولاء أو انضباط داخل الجيش، بل على العكس، إلا أن الحفاظ على هذه الروح يتطلب سياسات مستدامة بدل الحلول المؤقتة.
ويخلص المقال إلى أن المطلوب رؤية وطنية تضع العسكري في صلب أولويات الدولة، عبر تحسين أوضاعه المعيشية، وتأمين الرعاية الصحية والاجتماعية، وإقرار رواتب وتعويضات تتناسب مع حجم المسؤوليات التي يتحملها، لأن تكريم الجيش لا يكون في المناسبات الرسمية فقط، بل في كل قرار يعيد إلى الجندي كرامته المعيشية ويمنحه الطمأنينة بأن الدولة لن تتركه وحيدًا في مواجهة أعباء الحياة.