اتفاق بلا موافقة: “الكيان” لا ينوي وقف عملياته العسكرية في جنوبي لبنان
مقالات

اتفاق بلا موافقة: “الكيان” لا ينوي وقف عملياته العسكرية في جنوبي لبنان

28/07/202612:23:05

في نهاية حزيران/يونيو، وقّع ممثلون أميركيون ولبنانيون وإسرائيليون، في واشنطن، اتفاقاً إطارياً ثلاثياً يتعلق بوقف الأعمال القتالية في لبنان.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال مراسم التوقيع: “نحن لا نقلل، بأي شكل من الأشكال، من صعوبة المهمة التي أمامنا، لكننا ندرك أهميتها وضرورتها الحيوية، ويشرّفنا أن نؤدي دورنا في جمع الأطراف من أجل ذلك”.

وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية الأميركية لاحقاً، يرسي الاتفاق مساراً لاستعادة الدولة اللبنانية سيادتها، ونزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية، على أن يجري انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي لاحقاً وعلى مراحل. غير أن الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه بصعوبة بالغة، لا يبدو أن مصيره سيكون سهلاً، فاللاعبون الرئيسيون المعنيون به مباشرةً أعلنوا رفضهم له أو تحفظهم عليه.

ورأى الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، أن الاتفاق الإطاري ليس سوى إهانة للشعب اللبناني وتنازل عن سيادته. وفي هذا السياق، أكد أن الحزب لن يغادر ساحة المواجهة، قائلاً: “لم نغادر ساحة المعركة في أحلك الظروف، ولن نغادرها، ففي ذلك الخير والخلاص”، ومشيراً إلى أن حزب الله سيواصل “ردع الاحتلال الإسرائيلي” حتى انسحابه من الأراضي اللبنانية.

أما رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، فرأى أن الاتفاق تبيّن أنه أسوأ حتى من اتفاق 17 أيار/مايو 1983، الذي لم يُنفّذ، معتبراً أن تنفيذ بنوده قد يشق المجتمع اللبناني ويقود البلاد إلى حرب أهلية جديدة.

وانتقد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الاتفاق مع لبنان بشدة، واصفاً إياه بـ”الخطأ الجسيم”. وقال إنه توجّه إلى مكتب رئيس الحكومة مطالباً بطرح الاتفاق على الحكومة، مؤكداً أنه يعارض هذه المبادرة منذ أسابيع.

ويرى بن غفير، المعروف بتوجهاته المتطرفة، أنه حتى مع استمرار التفوق العسكري الإسرائيلي ووجود وحدات من جيش الاحتلال في أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية، فإن السلطات اللبنانية لن تتمكن من نزع سلاح حزب الله.

وبالتالي، وفق موقفه، فإن جيش الاحتلال وحده قادر على تحييد البنية العسكرية للحزب. وتتواصل، في الوقت نفسه، العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان. وطلبنا من عالم الاجتماع والمحلل الجيوسياسي كارلوس ف. ماماني ألياغا التعليق على الوضع الناجم عن توقيع الاتفاق.

اتفاق يؤسس لاعتراف وظيفي

بدايةً، ننطلق من حقيقة لا مفر منها: العلاقات الدولية هي علاقات قوة، لا علاقات حق. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن توقيع هذه الوثيقة، من دون امتلاك إمكانات حقيقية تدعم الجانب اللبناني، لا يشكل ضماناً لأي شيء.

هذا التوقيع يفتح أمام بيروت منطقة رمادية بالغة الخطورة. فإذا كان النص يعترف بحق “إسرائيل” في الوجود بوصفها دولة مجاورة تعيش بسلام، ويفترض إنهاءً رسمياً لحالة الحرب، فنحن أمام شكل من أشكال الاعتراف الوظيفي، حتى لو حاولت الحكومة اللبنانية تقديمه بوصفه اتفاقاً تقنياً أو أمنياً أو اتفاقاً لخفض التصعيد.

والصيغة القانونية، على الأرجح، تهدف إلى تجنب الكلفة السياسية الداخلية لعبارة “نحن نعترف بإسرائيل”، لكنها عملياً ترسي سابقة: لبنان لم يعد مجرد دولة في حالة حرب، بل بات جزءاً من بنية إقليمية تشرف عليها الولايات المتحدة.

وينص الاتفاق على إعلان لبنان و”إسرائيل” نيتهما إنهاء النزاع بينهما ومعالجة أسبابه، والوصول إلى خاتمة رسمية لحالة الحرب، بالتوازي مع تأكيد كل طرف حق الآخر في السيادة والعيش بسلام.

إلى أي مدى تُعد هذه الترتيبات ملزمة قانونياً لـ”إسرائيل” ولبنان في حال خرقها؟

ينبغي النظر إلى هذه الضمانات لا بوصفها بنية قانونية راسخة، بل غطاءً سياسياً لإدارة ميزان قوى قائم أصلاً، ولمصلحة طرف واحد بوضوح، هو محور واشنطن – تل أبيب. وكون الولايات المتحدة هي الوسيط الرئيسي، بدلاً من الأمم المتحدة، لا يجعل الاتفاق أكثر فاعلية تلقائياً، بل، على العكس، يضعه مباشرةً ضمن منطق المصالح الاستراتيجية لواشنطن و”إسرائيل”.

وحتى لو كانت الأمم المتحدة تؤدي الدور الأبرز، فإن ذلك أيضاً لن يضمن الكثير؛ فالقانون الدولي يمر بمرحلة تآكل عميقة، تتجلى اليوم أكثر من أي وقت مضى في الأمم المتحدة نفسها، التي أثبتت تاريخياً عجزها عن ضمان الاتفاقيات والتوقيعات والقرارات ومعاهدات السلام بفاعلية، عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى.

لذلك، فإن المشكلة الجوهرية لا تكمن فقط في أن الولايات المتحدة هي الضامن، بل في أنه، مع الولايات المتحدة، ومن الناحية الاستراتيجية، لا وجود لأي ضمانات على الإطلاق. هل يملك الجيش اللبناني موارد حقيقية للسيطرة على مناطق نفوذ حزب الله من دون خطر الانزلاق إلى حرب أهلية جديدة؟

يستطيع الجيش اللبناني اتخاذ مواقع، والسيطرة على الطرق، ومصادرة مستودعات الأسلحة المتروكة، أو إدارة بعض المناطق في الجنوب. لكن تفكيك المنظومة السياسية والاجتماعية والعسكرية والمجتمعية لحزب الله، من دون الإخلال بالتوازن الطائفي في البلاد، أمر مختلف تماماً.

فالحكومة اللبنانية نفسها أقرت بمحدودية قدرات الجيش، وبأن نزع السلاح يتوقف أيضاً على خطوات متبادلة من الجانب الإسرائيلي. كما حذّر حزب الله من أن توسيع عملية نزع السلاح قد يؤدي إلى عدم استقرار أو فوضى أو حتى حرب أهلية. ولا تزال سابقة عام 2008 تحمل وزناً كبيراً؛ فعندما حاولت الحكومة المساس بالبنية الاستراتيجية لحزب الله، تحولت الأزمة إلى اشتباكات داخلية، وسيطر الحزب على عدد من أحياء بيروت.

ويمتلك الجيش اللبناني موارد لإدارة عملية انتقالية محدودة، لكنه لا يملك القدرة على فرض نزع سلاح حزب الله بالقوة، من دون مخاطرة عالية بانقسام وطني، قد ينتهي باندلاع حرب أهلية جديدة في لبنان.

وبموجب الاتفاق، تبدأ عملية نزع السلاح وانتشار الجيش في منطقتين تجريبيتين، على أن تتوسع لاحقاً، فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي الكامل مشروطاً بإتمام نزع سلاح الحزب وإزالة ما تعتبره “إسرائيل” تهديداً أمنياً.

أهداف واشنطن تتجاوز “ضمان السلام”

من المهم فهم الهدف من إبرام الاتفاق بالنسبة إلى مبادره الرئيسي، أي الولايات المتحدة. فأهداف واشنطن لا تقتصر على “ضمان السلام” بين لبنان و”إسرائيل”. الهدف الأول هو تعزيز “إسرائيل” بوصفها قاعدة عسكرية وتكنولوجية وجيوسياسية للولايات المتحدة في “الشرق الأوسط”.

والهدف الثاني هو احتواء إيران وكامل شبكة حلفائها الإقليميين. أما الهدف الثالث، فهو الحفاظ على البنية المالية – الطاقوية التي دعمت، على مدى عقود، هيمنة الدولار عالمياً، وخصوصاً من خلال روابط الولايات المتحدة بالممالك النفطية في الخليج.

عباس عثمان-الميادين

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24