التطبيع ليس قدراً. بل هو، كما النيوليبرالية والعولمة والإمبريالية من قبله، بنية اجتماعية طارئة، لا ينبغي أبداً الخلط بين نزعته التوسّعية واعتباره تاريخاً مُنجزاً. فهو قد يُنتَج من فوق، لكن تاريخه لا يُكتب حصرياً من هناك. إن الفرق هنا جوهري، لأن ديمومة التطبيع الظاهرية هي من إنجازاته الأيديولوجية. فعندما نقتنع باستحالة تغيير مسار النظام الإقليمي، تكون الانهزامية قد حقّقت بالفعل ما تسعى البنية التحتية والمعاهدات وقمع الدولة إلى تأمينه مادياً.
توفّر لنا الحركة الأردنية المناهضة للتطبيع سجلاً حافلاً من النضال، إذ واجهت التطبيع لا كمفهوم مجرد، بل كخطوط أنابيب، واتفاقيات، وفواتير كهرباء، وقطع أرض مُصادرة، وإعادة تنظيم للحياة اليومية. وقد انطلقت الحملة الوطنية ضد اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني عقب خطاب النوايا لعام 2014 بشأن صفقة الغاز، وجمعت بين الجمعيات المهنية، والبرلمانيين، والأحزاب السياسية، والنقابيين، والجماعات الشعبية. وكان موقفها التأسيسي واضحاً لا لبس فيه: فاتفاقية الغاز ستربط استمرار الحياة اليومية – من إضاءة وتدفئة وصناعة وكهرباء – بنظام طاقة تسيطر عليه إسرائيل، وبالتالي ستحوّل المستهلكين العاديين إلى مشاركين في تمويل البنية التي يعارضونها سياسياً.
تكمن أهمية الحملة في السؤال التكتيكي الذي طرحته: كيف يمكن لمناهضة التطبيع من القاعدة أن تواجه دولة أعيد تشكيلها بالفعل من خلال التطبيع من القمة؟ وجاءت إجاباتها الثلاث، محكمة الشعب، والمقاطعة من خلال إطفاء الأنوار، والنضال حول مسار خط الأنابيب في ابسر أبو علي، لتكشف عن إمكانات وحدود تنظيم مناهضة التطبيع.
سعت محكمة الشعب في أيلول 2015 إلى تقليص دور الدولة الأردنية عبر محاكمة رمزية لمجلس الوزراء والشركة الوطنية للكهرباء. وكانت التهم التي وجّهها المحامون مستندة إلى قوانين الدولة الجنائية ومكافحة الإرهاب وغسل الأموال، وأعلنت المحكمة الرمزية بطلان الإجراءات المتعلقة باتفاقية الغاز. وكشفت هذه التكتيكات عن التناقض بين المزاعم القانونية للدولة والتزامها الفعلي بالتطبيع. ومع ذلك، وبالاعتماد على قواعد الدولة القانونية ذاتها، تمّ تصوّر نسخة مُحسّنة من الدولة القائمة بدلاً من فضاء سياسي يتجاوزها. وشاهدت الجماهير خبراء يُحاكمون الدولة نيابةً عنها، فتحوّلت المشاركة إلى مجرد مشاهدة.
تجاوزت حملة إطفاء الأنوار في آذار 2017 هذه السلبية عندما دعت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات في الأردن وحملة مناهضة التطبيع، الأسرَ إلى قطع الكهرباء لمدة ساعة، وشارك فيها نحو 10 آلاف أسرة. نقل هذا التحرك صفقة الغاز من مستوى العقود والوزارات إلى حيز المنزل الخاص. أصبح كل مفتاح كهربائي تذكيراً بأن التطبيع قد أُقحم في الحياة اليومية. كما أعادت هذه الاستراتيجية صياغة منطق الدولة في فك الارتباط وإعادة الارتباط: حاول المشاركون رمزياً فك ارتباطهم بعلاقة الطاقة الإسرائيلية، متخيّلين مصادر عربية بديلة في قطر والجزائر أو الإنتاج المحلي.
لكن المقاطعة كشفت أيضاً عن حدود سياسات المستهلك. فإذا كانت القوة تكمن أساساً في قرار الأسرة بالاستهلاك أو الامتناع عنه، فإن الصراع يبقى خاضعاً لتأثير السوق. صحيح أن الاستهلاك الأخلاقي قد يُفعِّل الأفراد السلبيين، لكنه لا يُواجه تلقائياً العلاقات الطبقية وقدرات الدولة التي تُنظِّم هذا السوق. قد يكون رفضٌ لمدة ساعة واحدة حدثاً سياسياً، لكن التنظيم المُستدام وحده هو ما يُمكنه تحويله إلى علاقة قوة دائمة. علاوة على ذلك، يُمكن للدولة أن تتسامح مع أشكال عديدة من مقاطعة المستهلك طالما أنها لا تُهدِّد البنى التحتية التي تعتمد عليها استراتيجيتها الإقليمية.
تجاوزت المواجهة في ابسر أبو علي في إربد هذا الأمر بالانتقال من الرفض الرمزي إلى إنتاج فضاء تفاضلي. وكان الهدف من تمديد مسار خط الأنابيب هو ربط حصة الأردن من خط أنابيب الغاز العربي بإسرائيل، عبر أرض مملوكة لفرع إربد في نقابة المهندسين الأردنيين. وبدلاً من التنازل عن الأرض، رفضت النقابة نزع ملكيتها، وفتحت الموقع للتجمعات العامة، وأجبرت الحكومة على التفكير في حل بديل مكلف. هنا، لم يعد الصراع يدور حول ما يجب على الدولة فعله فحسب، بل حول من يستطيع تنظيم المساحة. تمّ توظيف الملكية الخاصة، التي عادةً ما تُعتبر مقدّسة ضمن فضاء مجرد، ضد الدولة، لخلق مساحة محرّرة مؤقتة يستطيع فيها النشطاء والمهندسون والسكان التنظيم والاحتجاج.
وهنا تتحوّل فكرة لوفيفر عن الإدارة الذاتية إلى أكثر من مجرد مرجع أكاديمي. فمن خلال تعطيل التوسع الجغرافي لخط الأنابيب، أحدثت الحملة، ولو مؤقّتاً، علاقة اجتماعية مختلفة بالأرض. وأصبح الموقع فضاءً تعليمياً ونضالياً. وطُلب من المهندسين التعهّد بعدم المشاركة في بناء البنية التحتية للتطبيع. وهكذا، كانت المقاومة مادية واجتماعية وفكرية في آن واحد: إغلاق خط الأنابيب، وإعادة تنظيم الأرض، وإثبات إمكانية الرفض. وقد اكتسبت مقولة روث ويلسون جيلمور بأن «الحرية مكان»، لفترة وجيزة، بُعداً جغرافياً ملموساً في شمال الأردن.
انتصرت الدولة في نهاية المطاف. فقد حشدت الأموال، وسلطات الشرطة، وعقود المقاولة الفرعية، بما في ذلك شركة الفجر المصرية، للالتفاف على تعهدات المهندسين وعلى الأرض المتنازع عليها. وتمّ بناء خط الأنابيب. لكنّ هزيمة الهدف المباشر لا ينبغي أن تمحو الدرس التكتيكي. كان أهم إجراء مناهض للتطبيع هو الذي لم يكتفِ بمطالبة الدولة بتغيير سلوكها أو مطالبة المستهلكين بالتصرف بشكل أكثر أخلاقية، بل خلق فضاءً سياسياً منظّماً قادراً على عرقلة إعادة إنتاج التطبيع على أرض الواقع.
هذا هو الدرس الأساسي لإعادة بناء مناهضة التطبيع كمشروع مناهض للإمبريالية. إن التحالفات الظرفية ضرورية، لكنها لا تغني عن الوضوح السياسي. يمكن للاستعراض القانوني أن يكشف التناقضات، ويمكن للمقاطعات الاستهلاكية أن تُسيِّس الحياة اليومية، لكنّ أياً منهما لا يكفي دون تنظيم دائم قادر على مواجهة البنية التحتية والملكية والعمالة والدولة. تبلغ مناهضة التطبيع ذروتها عندما تعكس حجم العدو لتتجاوزه: عندما تستطيع الانفصال عن الدوائر الإمبريالية مع إعادة ربط القوى الاجتماعية من القاعدة، عندما تستطيع تحويل المساحات الهامشية إلى مراكز نضال، وعندما تستطيع تحويل المعارضة من مجرد شعور إلى قدرة منظّمة.
لم تحقّق حملة مناهضة التطبيع الأردنية هدفها النهائي بعد. لذا، على النضال أن يستمر وأن يتجاوز حدود الحملة المنفردة. فقيمته تكمن تحديداً في إفراز تجارب يمكن لحركة إقليمية أوسع – في الأردن ولبنان وسوريا وغيرها – أن تتعلم منها كيفية مقاومة التطبيع لا ككونه اتفاقاً بين الدول فحسب، بل كشكل مادي من أشكال القوة الإمبريالية.
إيليا الخازن ـ الاخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




