لا يزال استهداف ميناء دمياط في مصر حادثًا لافتًا وخطيرًا ومثيرًا للجدل، لارتباطه بعدة رؤوس أقلام سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية، وأبرزها ملف الطاقة وحجم الكارثة التي كان من الممكن أن يتسبب بها، وهو ما يشي بأن الهدف لم يكن توريط مصر فقط، بل امتداد التوريط لأوروبا التي ستتأثر وارداتها من الغاز بفعل كارثة الميناء الاستراتيجي في إمدادات الطاقة.
يضاف إلى ذلك عمليات العلم الزائف، ومن المستفيد من هذا الاستهداف، وكذلك دلالات ردود الأفعال المصرية رسميًا وشعبيًا والتي لم تغير موقفها وانحيازاتها رغم محاولات إعلامية غربية، بل وعربية دؤوبة لإلصاق التهمة بإيران، وكذلك التلميحات الخبيثة للرئيس ترامب في ذات الاتجاه، وهو ما لم ينطلِ على الشعب المصري والذي وجه شكوكه للعدو الصهيوني باعتباره العدو الحقيقي وربما الحصري لهذا الشعب.
وهنا يمكن تناول هذا الحادث الخطير عبر عدة عناوين رئيسية توضح مدى خطورته ومدى عمق دلالات ردود الأفعال رسميًا وشعبيًا:
1- هل كان الهدف مجرد حريق أو تفجير شامل لميناء دمياط؟
من تفاصيل الحادث، يبدو أن الأمر لم يكن مجرد تهديد أو رسالة محدودة، بل كان عملية تفجير كبرى على غرار انفجار مرفأ بيروت، وكان من الممكن انفجار ميناء دمياط بالكامل بل وامتداد الانفجار للمدينة نفسها، وذلك بسبب حجم الحمولة الهائلة، حيث كانت إحدى السفن تحمل نحو 60 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، وهو ما كان يهدد بحدوث موجة انفجارية ضخمة ومدمرة بدائرة قطرها يصل إلى 15 كيلومترًا، وبسبب تعدد السفن والمنشآت، حيث توجد نحو 15 سفينة أخرى متتالية للحركة داخل الميناء، فضلًا عن قربها من محطات إسالة الغاز ومنشآت بتروكيماوية حساسة، وهو ما كان ينذر بتسلسل انفجارات كارثية، لولا كفاءة وشجاعة جهات الإنقاذ والتدخل السريع الذي حال دون وقوع كارثة كبرى، ربما أريد لها أن تحدث تحولًا استراتيجيًا في الإقليم.
2- الإعلام الموجه والدفع باتهام إيران وحركات المقاومة:
منذ اللحظات الأولى وقبل أي إعلان مصري عن الحادث، أذاعت شركة أمبري البريطانية النبأ جازمةً بأن الحادث ناتج عن طائرة مسيرة. ومنذ اللحظات الأولى تلقفت وسائل الإعلام الغربية الخبر باعتباره هجومًا إيرانيًا، ثم دخلت قناة العربية السعودية على الخط بتقارير وتحليلات موجهة بشكل غير مهني لافت لترسيخ هذا الادعاء، عبر استضافة إعلاميين مصريين من المطبعين مع العدو لتبرئة “إسرائيل” وتوجيه اتهام صريح لإيران.
وبالطبع دخلت وسائل الإعلام الصهيونية على الخط بتقارير تشير إلى تورط إيران في هذا الاستهداف، ودخل ترامب على الخط في مؤتمر صحفي بالتلميح إلى أن إيران وحلفاءها هم المتورطون وأن أميركا تعرف كيف ترد عليهم.
3- ردود الأفعال المصرية ودلالاتها:
تنقسم ردود الأفعال المصرية إلى ردود رسمية وردود شعبية، وهناك تقاطع لافت بينها في رفض توجيه الاتهام لإيران، وهو ما صاغه المستوى الرسمي بانتظار نتائج التحقيقات، وصاغه المستوى الشعبي بأغلبية كبيرة بعدم استفادة إيران من هذا الهجوم وتوجيه الاتهام للعدو “الإسرائيلي” وأميركا.
وقد جاء رفض توجيه الاتهام رسميًا من كافة المستويات، بداية من الرئيس السيسي في مكالمته مع رئيس الوزراء الإسباني، حيث تحدث عن جهات التحقيق وانتظار نتائجها ولم يلمح إلى إيران من قريب أو بعيد، مرورًا بوزير الإعلام المصري الذي كذب الصحف الأجنبية التي تحدثت عن اتهام مصر لإيران عبر مصادر مجهولة، وقال إن نفي إيران يستدعي التأمل وإن مصر تنتظر نتائج التحقيق، وصولًا لوزير الخارجية المصري الذي رفض توجيه أي اتهامات لأي طرف.
وشعبيًا، عبّر المصريون بطريقتهم الساخرة عن رفضهم اتهام إيران، وبأكثر من طريقة عبروا عن قناعتهم بأن هناك محاولات لتوريط مصر بالحرب الدائرة وأن المستفيد هو العدو “الإسرائيلي” وأميركا، كما دخلوا في اشتباكات وسجالات حوارية عبر تعليقاتهم على منشورات بعض السياسيين والإعلاميين الذين اتهموا إيران صراحةً وبشكل دعائي موجه.
ولا يقتصر الأمر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدور معظم حديث رجل الشارع المصري في المقاهي ووسائل المواصلات والأسواق عن محاولات الزج بمصر بسبب فشل أميركا وصمود إيران، وبأن “إسرائيل” ودولًا خليجية تحاول توريط مصر في الصراع باعتبارها إضافةً عسكريةً وللزج بجنودها للموت بدلًا من جنود التحالف المعتدي على إيران.
4- الهدف ومن المستفيد؟
بملاحظة أن الاستهداف لم يقتصر على حريق محدود، بل بدا وكأنه تفجير لميناء استراتيجي يمكن أن يوقف ضخ الغاز لأوروبا ويقطع إمدادات الكهرباء عن مصر، ناهيك عن الخسائر بالأرواح التي كان من الممكن وقوعها لو تمت الانفجارات المتتالية، فإن الهدف كان كارثة كبرى لمصر ولإمدادات الطاقة لأوروبا، وهو ما يعني إدخال مصر بشكل مباشر في الحرب، وحلحلة الموقف الأوروبي المتردد والمتلكئ في مشاركة أميركا في العدوان.
وهنا لا توجد أي مصلحة إيرانية في استعداء مصر وشعبها بعد أن أعربت إيران في أكثر من مناسبة عن امتنانها للموقف المصري وتحديدًا الشعبي في مساندتها والانحياز لها في الحرب.
كما أن إيران لا تخشى الإعلان عن عملياتها وتفصل بين استهداف المصالح الأميركية وبين يدها الممدودة بالأخوة للشعوب العربية، كما تعكس بياناتها تجاه شعب الأردن على سبيل المثال.
بل وحتى في استهداف المصالح الأميركية تحرص إيران على انتقاء الأهداف التي لا تتعلق بشكل مباشر بخدمات ومصالح الشعوب وتحصر نطاق أهدافها بقواعد العدو ومنشآته وبنيته التحتية.
يضاف إلى ذلك أن هناك نفيًا رسميًا إيرانيًا وعلى لسان وزير خارجيتها، وليس عن طريق مصادر مجهولة كما فعلت وسائل إعلام الغرب سواء باستخدام مصادر إيرانية مجهولة تتبنى الاستهداف، أو مصادر مصرية مجهولة تتهم إيران.
وبرصد المستفيد من هذا التوريط فإن العقل يشير إلى الطرف المأزوم والعالق والذي لا يجد مخرجًا من هذه الحرب، وهو الطرف الأميركي وحلفاؤه والذي له مصلحة في شرعنة عدوانه بإدخال دول إقليمية معه في هذه المعركة والاستفادة من القوة العسكرية لدولة بحجم مصر، والدفع لحرب مذهبية وحرب عربية إيرانية لتخفيف الخسائر ولإنهاك دول المنطقة وبقائها تحت الهيمنة الأميركية.
وقد استفادت “إسرائيل” بشكل مباشر عبر زيادة صادرات الغاز لمصر تعويضًا عن النقص الحادث بفعل الحريق، كما أشارت التقارير الاقتصادية إلى أن هناك قلقًا إسرائيليًا من تطوير ميناء دمياط بزيادة وحدات التغويز وهو ما قد يعني تنويع مصادر استيراد الغاز وعدم الاقتصار على الغاز الصهيوني، كما أشارت بعض أصابع الاتهام إلى الإمارات بسبب منافستها الشرسة في ميدان الموانئ وبأن هناك تهديدات وجهتها قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا لمصر وهي تمتلك مسيرات تستطيع استهداف مصر.
وقد يكون هناك تورط أوكراني أو استخدام “إسرائيلي” لقواعد سرية بالعراق لتوجيه الأنظار والتتبع التقني إلى الاتجاه الإيراني، وقد تكون عملًا إرهابيًا داخليًا، وهي كلها شواهد تحمل وجاهةً ومنطقًا، بينما لا يحمل اتهام إيران أي وجاهة، وقد قطع النفي الإيراني واليمني جميع الشكوك، ولا تتبقى إلا حقيقة الهزيمة الاستراتيجية الأميركية والتي باتت تبحث عن أي مخرج من مأزقها الاستراتيجي الناجم عن صمود إيران والمقاومة والاقتراب من نصر تاريخي وفضيحة إمبراطورية كبرى لأميركا وذيولها.