«هذا الخريف، وللمرة الأولى منذ 250 عاماً، لن تجني عائلتي الزيتون في لبنان». بهذه الكلمات اختصر ابن بلدة زوطر الشرقية أحمد شمس الدين مأساة لم تعد تقتصر على تدمير المنازل أو تجريف الأراضي، بل امتدّت إلى اقتلاع الذاكرة نفسها من جذورها.
ويضيف: «لقد اقتلعت القوات الإسرائيلية أشجارنا من الأرض وأخذتها. وعلى مدى قرنين ونصف قرن، اشترت عائلتي الأراضي ولم تبع منها متراً واحداً.
نحن لا نبني على الأرض، بل نغرس فيها». ويؤكد أن اقتلاع شجرة زيتون يتجاوز عمرها 500 عام «يتطلّب جرّافات وخبرة وشاحنات، وعملية مقصودة، وليس مجرّد أضرار ناجمة عن الحرب»، مشدّداً على أن المنطقة التي اقتُلعت منها الأشجار «لم يكن فيها أسلحة أو مقاتلون أو أي وجود عسكري».
وتفتح هذه الشهادة الباب أمام واحدة من أخطر الجرائم التي شهدتها البلدة، في محاولة لاقتلاع إرث عمره مئات السنين ومحو أحد أبرز رموز الهوية الزراعية في الجنوب، إذ لم يكتفِ الاحتلال الإسرائيلي بتدمير وتفجير عدد كبير من المنازل والوحدات السكنية والبنى التحتية في زوطر الشرقية، بل صعّد اعتداءاته باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون، في خطوة تحمل في الوقت نفسه سمات إبادة بيئية مُمنهجة.
فاقتلاع أشجار الزيتون يأتي استكمالاً لسياسة تهدف عملياً إلى تحويل المناطق المحتلة إلى «أرض ميتة». وتكتسب هذه الجريمة خطورة خاصة في بلدة تضم أكثر من 15 ألف شجرة زيتون مُعمّرة يعود عمر بعضها إلى مئات السنين، وتشكّل مصدر رزق أساسياً لعدد كبير من أهالي الزوطرين، فضلاً عن كونها جزءاً من هوية المنطقة وإرثها التاريخي.
ويعيد متابعون من أهالي زوطر الشرقية بداية هذه الجريمة إلى التوغّل البري الإسرائيلي في البلدة قبل نحو ثلاثة أشهر، حين عمدت آليات الاحتلال إلى تجريف الطرقات والأراضي الزراعية وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، قبل أن تبدأ عمليات متفرّقة لاقتلاع أشجار الزيتون وسرقتها، ولا سيما بعد وقف إطلاق النار. إلا أن الصور الجوية المُلتقطة بعد 20 تموز الماضي كشفت عن أكبر عملية من نوعها، تمثّلت باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون من وسط البلدة.
اقتلاع أشجار الزيتون المُعمّرة تفكيك لمنظومة متكاملة من الوظائف البيئية والإنتاجية والاجتماعية، ما يرفع كلفة العودة ويضرب مقوّمات بقاء المجتمعات المحلية
ويؤكد العارفون بالمنطقة أن اقتلاع الأشجار لم يكن نتيجة أعمال قتالية، بل عملية مُنظّمة نُفّذت بواسطة آليات ثقيلة اقتلعت الأشجار من جذورها، وهي جريمة تضاف إلى قيام الاحتلال سابقاً بإحراق عدد من أشجار الزيتون في مزرعة الحمرا التابعة للبلدة. ورغم عدم امتلاك الأهالي دليلاً قاطعاً على نقل الأشجار إلى داخل الأراضي المحتلة، فإن تحليل الصور الجوية يُظهِر اختفاءها تماماً من مواقعها، ومن الأراضي المجاورة أيضاً، ما يعزّز فرضية نقلها خارج لبنان، ولا سيما في ظل «سوابق» مماثلة وثّقتها كاميرات مستوطنين إسرائيليين خلال العامين الماضيين في قرى حدودية جنوبية.
زيتونات عائلة شعيتاني
لم تقتلع الجرافات الإسرائيلية أشجار الزيتون من أرض زوطر الشرقية فحسب، بل اقتلعت معها جزءاً من ذاكرة عائلات ارتبط تاريخها بهذه الأرض على مدى قرون. فالكروم المُستهدفة تعود إلى عائلات شعيتاني وشمس الدين وزين الدين ويونس وعنيسي وحرب وغيرها.
بالنسبة إلى عدنان شعيتاني، الذي يقع حقله ضمن المساحة المُجرّفة، كانت صدمة اختفاء نحو مئة شجرة زيتون أكبر من وقع تدمير منزله. يقول: «كرم الزيتون عمره ثمانية أجيال على الأقل.
هو ذكريات جدّي وأبي، وكان جنّتي ومصدر رزقي». ويرى أن اقتلاع الأشجار وسرقتها يندرجان ضمن «خطة للضغط على أهالي الجنوب عبر حرمانهم من أحد أهم مصادر عيشهم وأسباب بقائهم».
أمّا ابنه إبراهيم، الذي ورث الأرض عن والده، فيؤكّد أن «الزيتون بالنسبة إلينا ليس مجرّد محصول زراعي، بل هو رمز للهوية والصمود والانتماء».
ويضيف: «ورثت عن والدي عدنان مئة شجرة زيتون مُعمّرة، وهو ورثها عن جدّي حسين، الذي ورثها بدوره عن جدّي الأكبر إبراهيم».
ويعتبر أن «اقتلاع كروم الزيتون وسرقتها لا يعنيان إلا قتلنا مرتين: مرة بآلة الحرب، ومرة بمحاولة محو تاريخنا. لكن لن يقتلوا عزيمتنا. سنعود إلى أرض الأجداد، وسنعيد غرس الزيتون وسقايته ورعايته».
سنُعيد زرعها
لم تكن خسارة صلاح شمس الدين مجرّد فقدان نحو 120 شجرة زيتون من أرضه الواقعة ضمن المساحة التي جرفها الاحتلال، بل كانت خسارة جزء من ذاكرته العائلية. فالحقل المُمتدّ خلف منزل والده، المربّي الراحل عبد الكريم شمس الدين، «تحوّل إلى ملعب رملي بعدما جرفوا كل شيء»، معتبراً أن هذا النوع من الاعتداء «لا يستهدف الأشجار فقط، بل يحاول ضرب الذاكرة وكل ما يرمز إلى الانتماء والتشبّث بالجذور». يستعيد شمس الدين علاقة عائلته بالزيتون قائلاً: «كبرنا نحنا والزيتونات سوا.
كل واحد فينا صار عنده عيلة، لكنّ الزيتونات كانت تجمعنا كل موسم. واللي ما بيعرف شو يعني لمّة العيلة بموسم الزيتون، ما بيعرف شو يعني بركة الأرض وقيمة الزرع».
ويشير إلى تزامن اقتلاع الأشجار مع ذكرى رحيل والدته التي «غرست الزيتون بيديها، وسقته من تعبها وحبها وحنانها». ويختم مؤكداً أن ما جرى لن يكون نهاية الحكاية: «لأجلها، ولأجل لمّة العائلة من جديد، راجعين نزرع الزيتون».
(علي حشيشو)

(علي حشيشو)

