●𝕏▶✈⌕
موقع صدى الضاحية
موقع صدى الضاحيةموقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم
البث المباشر
عاجل
موقع صدى الضاحيةأصحاب شاحنات الضنية يصعّدون احتجاجهم رفضًا لوقف العمل وحجز آلياتهمموقع صدى الضاحيةقصف مدفعي صهيوني يستهدف بلدة المنصوري جنوبي لبنانموقع صدى الضاحيةاليمن| غارة لطيران العدو السعودي استهدفت مديرية فرع العدينموقع صدى الضاحيةالعدو الصهيوني نفد تفجيرًا في بلدة بيت ليف جنوبي لبنانموقع صدى الضاحيةقوات الاحتلال تقتحم قرية دير سامت بالضفة المحتلةموقع صدى الضاحيةرويترز: المقترح الفرنسي يقضي بأن تسحب الدول الأوروبية 50 مليون برميل من مخزونات الديزلموقع صدى الضاحيةرويترز: دول الاتحاد الأوروبي ناقشت مقترحًا فرنسيًا للسحب من مخزونات الديزل استجابة لضغوط أميركيةموقع صدى الضاحيةالشيخ العيلاني: سنبقى مع المقاومة لأن الوقوف معها هو واجب شرعيموقع صدى الضاحيةأصحاب شاحنات الضنية يصعّدون احتجاجهم رفضًا لوقف العمل وحجز آلياتهمموقع صدى الضاحيةقصف مدفعي صهيوني يستهدف بلدة المنصوري جنوبي لبنانموقع صدى الضاحيةاليمن| غارة لطيران العدو السعودي استهدفت مديرية فرع العدينموقع صدى الضاحيةالعدو الصهيوني نفد تفجيرًا في بلدة بيت ليف جنوبي لبنانموقع صدى الضاحيةقوات الاحتلال تقتحم قرية دير سامت بالضفة المحتلةموقع صدى الضاحيةرويترز: المقترح الفرنسي يقضي بأن تسحب الدول الأوروبية 50 مليون برميل من مخزونات الديزلموقع صدى الضاحيةرويترز: دول الاتحاد الأوروبي ناقشت مقترحًا فرنسيًا للسحب من مخزونات الديزل استجابة لضغوط أميركيةموقع صدى الضاحيةالشيخ العيلاني: سنبقى مع المقاومة لأن الوقوف معها هو واجب شرعي

ماذا بعد يوم السيادة؟.. إلا السيادة ورفض بيت الطاعة الأميركي

02/10/2026 · زهراء حسن العطار
ماذا بعد يوم السيادة؟.. إلا السيادة ورفض بيت الطاعة الأميركي

هل سيمتلك الداخل العراقي (القرار)؟ هذا بالضبط ما ينبغي أنْ نواجه به أنفسنا بعد أنْ احتفلنا في الـ30 من أيلول الماضي.

السيادة ليست غياباً لقوة الآخرين فحسب، بل حضور لقدرة الدولة.

هل خرج العراق من قيود الوجود الأجنبي ليدخل في وصاية أشدّ خفاءً وأطول عمراً؟ سؤال لا يحتمل التأجيل بعد أن أتمّت القوات الأميركية -تحت مظلة التحالف الدولي الذي يضم نحو 82 دولة- انسحابها من آخر قواعدها في نهاية أيلول 2026م الماضي؛ ما مثّل نهاية لـ “رحلة الجحيم” كما سمّاها ترامب في خطاب الانسحاب، وهو اعتراف صريح وانتصار لأولي البأس في ساحات العزّة والشرف والمقاومة. وتزامن ذلك مع تفاهم عراقي-تركي على نقل معسكر “بعشيقة – زليكان” تدريجياً إلى عهدة الحكومة العراقية، والعديد من فقرات ترسيخ مبدأ سيادة الدولة العراقية التي تنتظر على حبال أيام التفاوض الوطني-الخارجي المقبلة.

فالحدث طوى صفحة ثقيلة امتدّت بصور شتى منذ عام 2003م، لكنّه لا يُجيب عن السؤال الأصعب: هل سيمتلك الداخل العراقي القرار؟ هذا بالضبط ما ينبغي أنْ نواجه به أنفسنا بعد أنْ احتفلنا في الـ30 من أيلول الماضي؛ فالسيادة التي تُقاس بغياب الجندي الأجنبي هي سيادة ناقصة الحساب، أما السيادة التي تُقاس بقدرة الدولة على أن تُقرر وتُنفذ وتتحمل كلفة قرارها، فهي وحدها التي تستحق هذا الاسم.

أيّ حارس هذا الذي يقضي عمره واقفاً عند باب الدار يطرد الغرباء عنه، ثم يلتفت فيجد السقف متصدّعاً، والجدران مُتشققة، وخزائن البيت مفتوحة لمن يشاء، وأهله لا يتفقون على من يملك مفتاحها؟ فعلى مستوى الفكرة قبل الواقعة، لا يكفي هنا الجواب القانوني ولا الجغرافي؛ إذ إن الدولة المعترف بها أممياً يجب أن تملك مؤسساتُها القوةَ والاستقلالَ السيادي على المستويات كافة، لتحويل هذا القرار من سطر في الدستور إلى وقائع تمشي على الأرض.

ومن هنا، أرى أنْ نفرّق بين سيادة سلبية وأخرى إيجابية: فالأولى تعني تحرير المجال الوطني من سلطة عسكرية أجنبية لا تخضع للدولة ولا تُسأل منها، والثانية تعني تمسّك الدولة فعلياً بمقود قراراتها كلها بعد زوال ذلك الوجود.

ومن الإنصاف القول إنّ ما تحقق في الأولى ليس قليلاً، وليس من الرصانة أنْ ننادي بسيادة الدولة ثم نستهين بزوال وجود عسكري أجنبي كان موضع خلاف سياسي وقانوني عميق في البلد لأكثر من عقدين؛ غير أنّ المحطة الأولى -على أهميتها- ليست إلا عتبة الطريق، وما يليها أصعب بكثير.

ولا يفوتنا ملاحظة المفارقة العراقية التي تظهر في ردود الأفعال على الانسحاب نفسه؛ فبعض الأطراف تراه نصراً سياسياً وأمنياً يُسجل لها، وأطراف أخرى تحذر من فراغات أمنية محتملة وعودة نشاط خلايا “داعش” -بثوب مختلف- إلى مناطق رخوة بعد انتهاء مهمة التحالف. ولستُ هنا بصدد ترجيح تقدير على آخر، فحجم الخطر موضع اجتهاد تحكمه المعلومة الاستخبارية لا الانطباع، لكنّ المخاوف تضع الدولة العراقية أمام امتحان حقيقي: ما مدى قدرة مؤسساتها على أنْ تملأ بنفسها المجال الذي أخلاه الآخرون، من دون أنْ تملأه جهة أخرى بديلة عنها؟

وهذا يؤدي إلى انكشاف الفروق بين الاستقلال والقدرة؛ فقد يكون البلد مُستقلاً في عرف القانون، وهو ضعيف القدرة في عرف الواقع، وقد يملك قراره نظرياً، ولا يملك الوسائل التي تُنفذه. والدول الحديثة لا تكتفي بإعلان سيادتها على الملأ، بل تركز على إنتاج القدرة التي تحمي هذه السيادة.

وأعيدك -سيدي القارئ- إلى ما أُسمّيه “مركب الحضارة” في مفهوم الدولة: أي الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل في إطار منظومة قيم عليا حاكمة. فحماية الأرض تحتاج إنساناً مؤهلاً، والمؤسسة الأمنية تحتاج علماً ومعلومة وتقنيات حديثة، وإدارة المخاطر تحتاج حسن استثمار للجهد والوقت، والجيش القوي يحتاج اقتصاداً قادراً على تمويله لتوفير مستلزمات تأمين الأرض والسماء والمياه. وهذا كله يحتاج دولة مؤسسات، لا مراكز قوى موازية تتقاسم الهيبة والموارد.

وبهذا المعنى، فإن احتكار الدولة للسلاح ليس شعاراً سياسياً يُرفع في وجه جماعة بعينها، ولا مطلباً موجهاً ضد فريق دون آخر، وإنّما هو نتيجة منطقية لمفهوم الدولة نفسها؛ فإذا تعددت الجهات التي تملك القدرة المنظمة على استخدام القوة خارج القرار الدستوري، تتعدد مراكز السيادة، ومتى تعددت مراكز السيادة لم يبق منها شيء يستحق الشعار والتسمية.

وعلى مستوى العلاقات الخارجية، يجب أنْ لا نقع في فخّ يتكرر في خطابنا السياسي، وهو الظنّ بأنّ استعادة السيادة تعني استبدال نفوذ بنفوذ؛ فاكتمال السيادة لا يعني -بحسب ادعاء مُدّعي السياسة- أنْ يحلّ النفوذ الإيراني محلّ الأميركي، ولا أنْ يحلّ التركي محل الإيراني، ولا أنْ ننتقل من محور إلى محور في لعبة الأمم. فالدولة التي تبدل تبعية بتبعية لم تستعد سيادتها، وإنّما غيّرت وجهة التأثير فيها؛ لذلك فإن المطلوب هو تشكيل إرادة عراقية مستقلة، تنطلق من مصالح العراق وأمنه وقوانينه وحاجات أهله، وتقرر هي -من خلال مؤسساتها الشرعية- شكل العلاقة مع واشنطن وطهران وأنقرة والرياض والقاهرة وعمّان وسائر العواصم.

وليس في هذا دعوة إلى العُزلة، فالدولة ذات السيادة تتحالف وتستعين بخبرة غيرها، وتبرم الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية وتدخل في شراكات استراتيجية واسعة، والفارق الجوهري أنّها تفعل ذلك بقرارها ولخدمة قدرتها، لا تعويضاً عن غياب قدرتها. وهذا يقودني إلى نداء موجه إلى الجوار العربي والإقليمي: إن مصلحة الدولة العراقية -لو أحسنتم قراءتها- تكون في وجود بلد مستقر متماسك القرار، وإنّ العلاقة معها تُبنى على الندية والمصلحة المتبادلة لا على ما يُمكن انتزاعه منها وهو منشغل بجراحه. ثم إنّ علينا أنْ نعترف بأننا اختزلنا السيادة طويلاً في وجود قوات أجنبية أو غيابها، وفي السلاح والحدود والمجال الجوي والشعارات، بينما هي أوسع من ذلك كله بكثير.

إنّ السيادة قدرة مركبة لا تتجزأ، والدولة التي لا تملك اقتصاداً قوياً، ولا نظاماً مالياً قادراً، ولا بنية تقنية مستقلة نسبياً، ولا مؤسسات عالية الكفاءة، ولا شبكة مصالح دولية تمنحها مجالاً للمناورة؛ تبقى سيادتها عرضة للضغط والخضوع لـ “بيت الطاعة” وبخاصة الأميركي.

قد لا تحتاج القوة الكبرى في عالم اليوم إلى إرسال طائرة حربية أو صاروخ موجه لتؤثر في قرار بلد معين، فيكفيها التحكّم في المنظومة المالية، والحاجة السوقية، وتوجيه عقوبات على الشركات والأفراد، واحتكار التقنية والتكنولوجيا. فعلى مستوى السيادة الاقتصادية، ظلّ العراق على امتداد عقدين يحصل على أكثر من تسعة أعشار موازنته من بيع النفط، ويُودع عوائد هذا النفط في حساب مرتبط بالنظام المالي الأميركي، ويرتبط تحويل الدولار إلى الخارج بقواعد امتثال وتدقيق تفرضها مصارف المراسلة، حتى صار القطاع المصرفي نفسه عاجزاً عن الاعتماد على ثقة العالم به؛ إذ أصبح العراق دولة تدفع رواتب ملايين الموظفين من مورد واحد وتبيعه بعملة غيرها، ولا تملك التصريح بأن اقتصادها حرّ.

وعلى مستوى سيادة الطاقة والمياه، يستورد العراق الغاز والمشتقات النفطية فضلاً عن الكهرباء، بينما يحبس الجار التركي المياه في أعالي الرافدين من الشمال الذي يُمثل شريان الحياة للوسط والجنوب، فيكون الصيف العراقي أسيراً لقرارات أنقرة. وحتى لا يَتيه القارئ في إلقاء لائمة هذا الضعف على الدولة أم على الدبلوماسية أم على سوء التخطيط أم على غياب استراتيجية وطنية في شكل الحكم، فالجواب يكون مجتمعاً في ما ذُكر؛ لأنّ دول الجوار باتت تشاهد تحوّلَ الثروة التي تفيض من الأرض إلى عبء لا يُستثمر ولا تُبنى عليه صناعة ولا زراعة ولا مصافٍ ولا شبكات نقل، وهذا لا يقبله عقل ولا منطق، لذلك أصبحت سياسة احتكار الموارد المشتركة ورقة مساومة لا بنود شراكة.

وفي ميدان السيادة الرقمية، يعيش العراقي حياته اليومية على منصات وخدمات وخوادم لا يملك منها شيئاً، وتحفظ بياناته ومراسلاته وصور أسرته في مراكز تقع خلف البحار، ثم تُقدم الدولة نفسها أحياناً على إغلاق الشبكة كلها في أيام الامتحانات لأنّها لا تملك وسيلة أخرى لضبط الغش! فتعاقب مجتمعاً كاملاً على عجز مؤسسة واحدة. وهناك بون شاسع بين دولة تحمي بياناتها بقانون وبنية تحتية وكفاءات وطنية، ودولة تقطع الإنترنت لأنّها لا تقدر على غير ذلك.

وفي ميدان السيادة التعليمية والثقافية، تقف السيادة في حيرة أمام المناهج والجامعات والبحث العلمي: فمن يصوغ عقل الجيل المقبل؟ ومن يمنحه أدوات الفهم والإنتاج؟ وهل تُخرّج جامعاتنا من يبني الدولة أم من يبحث عن ملجأ خارجها؟ وهل نمتلك خطاباً ثقافياً يُقدم صورة العراق لنفسه وللعالم أم أننا نستهلك صورة ترسم لنا من الخارج؟ فالدولة التي لا تملك روايتها عن نفسها تترك لغيرها أنْ يكتبها، والتي لا تُعلّم أبناءها كيف يفكرون ستجد من يُفكر عنهم.

أما السيادة العسكرية في البرّ والبحرّ والجوّ، فتتصل بجيش وحشد شعبي موحّد العقيدة والقيادة، ومنظومة دفاع جوي قادرة على حماية سماء العراق التي ما تزال في معظمها مُستباحة، وعلى صناعة عسكرية -ولو متواضعة- تقلل من الارتهان الكامل لمصدر واحد للسلاح وقطع الغيار والتدريب.

ويجب أنْ لا يقودنا هذا النقد إلى لوم الآخرين وتعليق الخيبة على حبال التسقيط والتُهم الجاهزة؛ فذلك طريق رسمه المحتل ليرسم شكل العلاقة بين أبناء الوطن. وإلا فأين الاقتصاد الذي يمنح القرار السياسي ثقله؟ وأين النظام المصرفي الذي يعمل بثقة في النظام الدولي؟ وأين المؤسسات التي تجعل الدولة مركز القوة الوحيد داخل البلاد؟ وأين السياسة الخارجية التي توسع خيارات العراق بدلاً من أنْ تحشره بين قوتين؟ وأين المشروع الوطني الذي يحوّل الثروة النفطية إلى قدرة اقتصادية وعلمية وتقنية ومؤسسية متراكمة؟

كلّ هذه التساؤلات المشروعة لن تجد لها واقعاً مُترجماً على أرض العمل المؤسساتي وتطبيق الدستور والقوانين، وهذه هي الفضيحة السياسية للفرقاء الذين تحاصصوا على الحكم، وأدّت سياساتهم المخطئة إلى أنْ يُصبح بلد مثل العراق -يمتلك كلّ هذه الموارد- هامشياً ويواجه هدراً سيادياً يوازي الفساد وهدر المال العام في القرار الوطني. فأمسى كلّ دولار نفطي لم يتحول خلال العقود الماضية إلى مدرسة أو مصنع أو جامعة أو محطة أو مصرف أو شركة وطنية، جزءاً من القدرة السيادية التي أضعناها، وحين تأتي ساعة القرار نكتشف فجأة أنّ الثروة التي استهلكناها لم تتحول إلى قوة.

ولنا في تجارب الأمم ما يُضيء الطريق من غير أنْ يكون أُنموذجاً يُستنسخ: فمثلاً كوريا الجنوبية خرجت من الحرب وهي من أفقر البلدان، واستثمرت في التعليم والصناعة فصارت تفاوض الكبار وهي تملك ما تفاوض به؛ وماليزيا بنت اقتصاداً متنوعاً خفف من تحكّم السلعة الواحدة في مصيرها؛ والنرويج جعلت من نفطها صندوقاً سيادياً يحمي الأجيال بدلاً من أنْ يحرقه الحاضر -كما يحصل في راهننا المعاصر داخل العراق-. وكلها دول نجحت لأنّها أدركت أنّ السيادة تُشترى بالعمل الطويل لا بجعجعة الشعارات. فالعراق يمتلك من الموارد والموقع الجغرافي والعقول ما يفوق كثيراً من هذه الأمم، وينقصه ما لا يُشترى من الأسواق: وهو إرادة سياسية جامعة تضع الدولة فوق الحزب، والمنفعة فوق الغنيمة.

إنّ الاعتراف بالصعوبة لا يُسوّغ التأجيل؛ ومرحلة ما بعد جلاء قوات التحالف من العراق من دون إصلاح مصرفي، وتنويع اقتصادي، وإعادة بناء للمؤسسة الأمنية والتعليمية قد تُضاعف كلفة الإصلاح في المنظومة السيادية للبلد. والسيادة لا تستعاد بالصراخ ضد أميركا، ولا بالشعارات ضد الجمهورية الإسلامية، ولا بالخُطب التي تُعلن أنّ العراق دولة مستقلة ذات سيادة؛ بل تُبنى حين تكون للدولة الكلمة العليا داخل حدودها، وحين تُنظم السلاح وتحصره بيد الدولة، وحين يكون اقتصادها مُنتِجاً متنوعاً لا ريعياً، وحين تكون مؤسساتها أقوى من الأشخاص والجماعات، وحين تقدر سياستها الخارجية أنْ تقول “نعم” أو “لا” إذا اقتضت المصلحة العراقية ذلك، وتتحمل في كلتا الحالتين كلفة قرارها.

ومن زاوية الشعب -صاحب الشأن الأول- لا يصح أنْ يغيب عن حديثنا أنّ السيادة ليست امتيازاً للسلطة ولا زينة في خطاب الحكم، بل هي ضمانة لحياة المواطن: فهي الكهرباء التي لا تنقطع بقرار من خارج الحدود، والماء الذي يصل إلى البصرة صالحاً للشرب، والراتب الذي لا يرتهن بتقلبات مزاج الفيدرالي الأميركي، والبيانات الشخصية التي لا تُسرق ولا تُصبح مادة للبيع والشراء في سوق تصفية الخصوم والابتزاز وشراء الذمم، والشاب الذي يجد في بلده عملاً وجامعة تحترم عقله في التخصص المُنتج وليس في التلقين الموجّه.

وكلّ سيادة لا ينعكس أثرها في تفصيلات معيشة الناس هي سيادة هواء في شبك، يتغنى بها من يعتلي منابر الخطابة ولا يرى ما تخفيه. ولهذا، فإن الشرعية السيادية لأي حكومة عراقية مقبلة -وبخاصة أن هناك حديثاً يقترب من مراكز صنع القرار يشي بأن الزيدي سيتجه نحو الاستقالة بعد جملة من تقلبات المناخ ورياحه المقبلة من البيت الأبيض ودول مجاورة فضلاً عن رياح الحنانة- ستُقاس بقدرتها على تحويل هذا المفهوم المجرد إلى خدمات وإنتاج وأمن واستقرار، وسط ريح عاتية تحمل تغييرات جيوسياسية سيكون العراق في قلب إعصارها.

خلاصة القول إنّ خروج التحالف الدولي حدث كبير في تاريخ العراق الحديث، وهي خطوة مشروعة في استعادة ما فقدته السيادة بسبب سياسة التدخل المباشر للولايات المتحدة الأميركية في الشؤون العراقية، فضلاً عمّا تلاه من توغل للعدو الإسرائيلي في هيئات مختلفة -إرهاباً عسكرياً وفكرياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً وجغرافياً- تستهدف التجربة الديمقراطية والمجتمع على حدّ سواء. فالمرحلة السابقة كان سؤالها: متى تخرج القوات الأجنبية؟ أما المرحلة الحالية فسؤالها: ماذا بعد السيادة؟ ماذا سيصنع العراقيون بالمجال السيادي الذي صار بين أيديهم؟ وهل يبنون به دولة تحمي حدودها، وتضبط سلاحها، وتُنتج غذاءها ودواءها وطاقتها وعلمها ومعرفتها، أم يتركونه ساحة جديدة لتنافس الإرادات الخارجية من نافذة تختلف عن الرصاصة والسايبر؟

فالسيادة ليست غياباً لقوة الآخرين فحسب، بل حضور لقدرة الدولة؛ وليست فقط في أنْ يكون للعراق حقّ باتخاذ القرار والمصير، بل في أنْ يمتلك من القدرة ما يجعل القرار العراقي صناعة وطنية.

فيا من بيدِهم زمام الحكم والقرار، أخاطبكم: ليس لكم بعد اليوم من تُلقون عليه اللوم والفشل في إدارة الدولة، ولا بدّ لكل إصلاح وبناء من

أساس تُقيمونه قبل أنْ ترفعوا عليه راية الملكية والسيادة؛ وإذا لم تنحنوا فلن يركب على ظهوركم أحد، وكيفما تكونوا يُولّى عليكم.

كاتب المقال الأصلي: محمد الخزاعي

المصدر: الميادين

تابعنا عبر Google اجعل صدى الضاحية مصدرك المفضّل على Google

اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.

لتثبيت التطبيق على iPhone: اضغط مشاركة ثم إضافة إلى الشاشة الرئيسية.