أخبار لبنان
“حرب أهلية” تجتاح الBBC… هل سقط الخطاب الغربي اخيرا؟

تحقيق صحافي كشف عن «حرب أهلية» داخل BBC بسبب تغطيتها المنحازة إلى حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، مظهراً كيف تدير القيادة الإعلامية في القناة تغطية تصب في مصلحة إسرائيل، متجاهلة اعتراضات الصحافيين
كان عام 2024 بمثابة عام الحصاد الذي عرّى الخطاب الإعلامي الغربي، الذي دائماً ما ادعى الموضوعية والحياد، وفي الوقت نفسه يدرّب شعوب الجنوب العالمي على الصحافة ويُملي عليهم معايير «الصحيح» و«الخطأ». المجازر الإسرائيلية الوحشية ضد الشعب الفلسطيني، التي قوبلت بتغطية منحازة وتبريرية من كبرى المؤسسات الإعلامية الغربية، أسقطت القناع عن هذا الإعلام الذي تباهى بدور «الحارس للديموقراطية» و«منارة للحقائق» والمدافع عن حرية الرأي والتعبير. بينما كانت قنواته تنقل روايات الاحتلال حرفيّاً وتبرّر العنف، استمرت في تجاهل المعاناة الإنسانية للفلسطينيين، مع تشويه نضالهم وتصويرهم جناة بدلاً من ضحايا.
في تحقيق شامل، كشف الصحافي البريطاني أوين جونز في موقع «دروب سايت نيوز» عما وصفه بـ «الحرب الأهلية» داخل «هيئة الإذاعة البريطانية» (BBC) بشأن تغطيتها للحرب الإسرائيلية المستمرة على غزة. استند إلى مقابلات مع 13 صحافياً وموظفاً في BBC. يوضح التحقيق كيف أثرت القيادات العليا في قسم الأخبار على طريقة التغطية لتصبّ في مصلحة الرواية الإسرائيلية، مع تجاهل اعتراضات عدد من العاملين الذين طالبوا بتحقيق التوازن والعدالة في التغطية الإعلامية.
كشف جونز عن شكاوى متكررة تقدم بها صحافيو BBC بشأن تغطية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ أشاروا إلى أنّ الإدارة تتجاهل أي محاولات للتصحيح أو الاعتراض. وعندما حاول هؤلاء الصحافيون استخدام القنوات الرسمية للتواصل مع الإدارة، قوبلوا بالتجاهل، ما دفعهم إلى تقديم شكوى جماعية في رسالة داخلية. تضمّنت الرسالة مطالبات واضحة بتحسين التغطية، مثل التشكيك في الادعاءات الإسرائيلية التي تفتقر إلى الأدلة، وتقديم سياق تاريخي متوازن للأحداث، والحرص على استخدام لغة عادلة عند الحديث عن الضحايا الفلسطينيين والإسرائيليين.
أشار أحد الصحافيين إلى أنّ الرسالة الجماعية كانت «الملاذ الأخير» بعد محاولات عدة للتواصل مع الإدارة من دون جدوى. مع ذلك، رفضت الإدارة الرد بشكل رسمي على الرسالة بحجة أنها مجهولة المصدر، وهو ما اعتبره الصحافيون تملّصاً واضحاً من المسؤولية.
يتناول التحقيق بالتفصيل دور رئيس تحرير قسم الشرق الأوسط في BBC News Online، رافي بيرغ، الذي وصفه الصحافيون بأنه المسؤول الأول عن توجيه التغطية لمصلحة الرواية الإسرائيلية. وأوضح العاملون أن بيرغ يضع سياسات تحريرية تهدف إلى «تخفيف حدة الانتقادات الموجهة لإسرائيل» وتقليص التركيز على معاناة الفلسطينيين.
أحد الصحافيين السابقين وصف دور بيرغ بقوله: «وظيفته الرئيسية هي تخفيف أيّ تغطية ناقدة لإسرائيل»، ما يوضح مدى تأثيره في تحديد نبرة التغطية واتجاهها. وأشار العاملون أيضاً إلى أنّ الشكاوى المتعلقة بتأثير بيرغ على التغطية جرى تجاهلها مراراً من قبل الإدارة العليا، ما يعكس انعدام الرغبة في التغيير. تفاقمت الانتقادات ضد BBC في كانون الأول (ديسمبر) الماضي عندما امتنعت الشبكة عن الإشارة إلى تقرير «منظمة العفو الدولية»، الذي اتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة. لم يُذكر التقرير في النشرات الإخبارية الرئيسية للشبكة مثل «أخبار الواحدة» أو «أخبار السادسة»، ولم يظهر في الصفحة الرئيسية لموقع BBC، رغم أهميته البالغة.
ردّت الإدارة على الشكاوى بوصف ذلك «خطأً تقنياً»، لكن الصحافيين أشاروا إلى أنّ هذا التجاهل يتجاوز الأخطاء التقنية. وأثار هذا التجاهل سخط كبار الصحافيين في BBC، الذين أعربوا عن استيائهم في محادثات داخلية ووصفوا تغطية الشبكة بأنها خاضعة للرواية الإسرائيلية بشكل مبالغ فيه.
في رسالة إلى العاملين، حاولت المديرة التنفيذية للأخبار، ديبورا تورنس، تهدئة الأوضاع بالقول إنّ BBC «تفخر بتغطيتها الصحافية» وتظل مفتوحة للنقاش، لكنها أشارت إلى أنّ الشكاوى المجهولة المصدر تعيق التواصل الفعال. هذا الرد اعتبره الصحافيون محاولةً لتقليل أهمية النقد وتشتيت الانتباه عن المشكلات الحقيقية.
وفقاً للتحقيق، فإن التقارير المنشورة عبر المنصة الرقمية تؤثر بشكل غير مباشر في طريقة تغطية وسائل الإعلام الأخرى، إذ يعتمد عدد من المؤسسات على BBC كمصدر أساسي للأخبار. وأشار الصحافيون إلى أنّ المقالات التي يُشرف عليها بيرغ تُستخدم بمثابة مرجعية لعدد من المراسلين والمحررين داخل BBC وخارجها، ما يخلق تأثيراً مضاعفاً يعزز الرواية الإسرائيلية على حساب الحقيقة.
في ظل هذا الوضع، قدم الصحافيون مجموعة من المقترحات لتحسين التغطية الإعلامية، تضمنت: توضيح أو الإشارة إلى عدم وجود أدلة كافية لدعم الادعاءات الإسرائيلية خلال النشرات وفي المنشورات، تقديم تمثيل متوازن للخبراء في قضايا الجرائم ضد الإنسانية، استخدام لغة عادلة ومتكافئة عند مناقشة الضحايا الفلسطينيين والإسرائيليين، وإضافة سياق تاريخي للأحداث يساعد على فهم أعمق للصراع.
من غير الواضح ما إذا كانت BBC ستتمكن من استعادة ثقة جمهورها. في الوقت نفسه، أصبحت الشعوب تستهلك الأخبار بشكل متعاظم عبر منصات التواصل الاجتماعي وقنوات الإعلام البديل، ومع تراجع مصداقية الإعلام الغربي، يظلّ من غير المؤكد ما إذا كانت التعديلات المحتملة في سياساتها ستعيد الثقة المفقودة لدى الجمهور الذي بدأ يلتفت إلى مصادر جديدة وأكثر استقلالية.
دائماً ما كان الإعلام في الدول الاستعمارية أداة أساسية لتكريس الهيمنة وتوجيه السرديات بما يخدم مصالح القوى الكبرى وأذرعها العسكرية والاقتصادية. ويستخدم الإعلام بمثابة وسيلة لتبرير العدوان، وشرعنة الحروب، وقمع الحركات التحررية، بينما تجرد الشعوب المستعمَرة من صوتها وقصتها. في دول العالم الأول، يُنتج الإعلام روايات مُضللة تعيد صياغة العدالة تحت عنوان الحرب ضد «الإرهاب» أو «تحرير السكان» أو «نشر الديموقراطية»، ما يجعل شعوب هذه الدول أدوات غير واعية تدعم سياسات حكوماتها العدوانية من دون إدراك عواقبها الحقيقية. أما شعوب دول الجنوب، فتُحاصر بسرديات تسلبها شرعية نضالها، ما يكرس نظاماً عالمياً يخدم مصالح النخب على حساب الناس. وهذا التشويه المنظم للسرديات لا يسهم فقط في إدامة الاحتلال والاستغلال، بل يمنع أيضاً أي إمكانية لتضامن عالمي حقيقي ضد القمع والنظام الرأسمالي الاستعماري.
جريدة الأخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



