أخبار عالميةمقالات
قراءة في العقل السياسي لدونالد ترامب واليمين الشعبوي

في مستهل الألفية الثالثة، راحت العولمة، كظاهرة طاغية، تفرض وجودها في كلّ مناحي الحياة فعلياً. وانزلق كثيرون ممن انكبّوا على تحليلها إلى اختزالها في بعدٍ أحادي، هو “أمركة” العالم، وبالحدّ الأدنى “تغريبه”، فبدت العولمة أنها ليست عولمة حقاً، بل مؤامرة كونية مراميها قومية أميركية.
وجهة النظر التي أحالت العولمة إلى الأمركة، جاعلةً منها “مؤامرة أميركية” على العالم، قفزت من فوق عوامل رئيسة تشكّل ظاهرة العولمة وتؤلّب كثيراً من الغربيّين ضدها، ومنها:
أ ـ أنّ حرية حركة السلع والخدمات عبر الحدود تحطّم الصناعي المحلي في الغرب بالسلعة الأجنبية الرخيصة، وتسحق العمال الغربيين غير المهرة بالعمال المهاجرين، أو بهجرة المصانع إلى حيث اليد العاملة أرخص، وقوانين البيئة والعمل مجرد ديكور يزيّن الرفوف والدروج.
ب ـ أنّ الخصخصة وتفكيك دولة “الرعاية الاجتماعية”، اللذين تقتضيهما برامج التصحيح الهيكلي، هدّدا عشرات الملايين في الغرب ذاته بالبطالة أو بالفقر والعوز أو كلاهما.
جـ ـ أنّ العولمة، كاقتصاد سياسي، تعني هيمنة رأس المال المالي، الربوي والمضارِب، والعابر للحدود، على رأس المال المنتج، وتغوّل الاقتصاد النقدي على الاقتصاد المادي الملموس، وتعني تحوّله، بالتالي، إلى المصدر الأول لتفريخ القيم المالية وبسط النفوذ السياسي، وهذا خلق تناقضات حادة بين الرأسمالية الوطنية المنتِجة والكتل المالية المنفلتة من قيود الجغرافيا والهوية.
د ـ أنّ تقليص صلاحيات الدول، اقتصادياً واجتماعياً، بموجب إملاءات العولمة، وتقويض الدول المركزية لمصلحة بنى إدارية دولية عابرة للحدود، هدّد بمسح مراكز القوى المتخندقة في الجهاز البيروقراطي ومؤسساته من الحرس القديم.
هـ ـــــ أنّ انتشار مفاهيم مثل “نسبية الأخلاق”، أي جعل الهوى الفردي مرجعية الصح والخطأ، مهما بلغ من الغرابة، وتقديس “التعددية الثقافية والعرقية”، وتسخيف الهوية القومية وتجريمها، ما عدا في حالة الأقليات، اصطدم بشدة بالنزعات الدينية والمحافظِة والعنصرية البيضاء في الغرب ذاته، وخصوصاً في الأرياف.
كما كان يفترض بصعود قوى دولية جديدة، انطلاقاً من منصة العولمة ذاتها، مثل الصين التي انضمت إلى منظمة التجارة العالمية سنة 2001، وروسيا التي انضمت إليها سنة 2012، والهند التي كانت من مؤسسيها في 1/1/1995، أن ينبّه بدوره إلى الفروق بين العولمة والأمركة.
كان يفترض أيضاً بردة فعل الغرب الممتعضة بشدّة من صعود أقطاب دولية جديدة انخرطت في العولمة بحساب قومي، أن تنبّه المحلّلين أيضاً إلى أنّ العولمة هي الظاهرة الأساس، وأنّ انخراط بعض النخب الأميركية الوازنة فيها ينبثق من صفتها المعولمة، في ردةٍ عن هويتها الأميركية، الأمر الذي جعل كثيراً من الأميركيين يتعاملون مع تلك النخب بتشكّك أو بإدانة صريحة.
أضف إلى ذلك أنّ الاعتراض على صعود أقطاب دولية جديدة جاء من تمسّك الأخيرة بصفتها القومية (الروسية أو الصينية)، كدول مركزية وبلدان مستقلة غير خاضعة لهيمنة رأس المال المالي الدولي، بل تطمح في أن تشاركه ثمرات العولمة الاقتصادية، الأمر الذي ألّب المعولمين ومناهضيهم في الغرب عليها، كلٌ من منطلقاته، بدرجة أكبر ضد روسيا، كحاجز جغرافي ـــــ سياسي عملاق، في حالة المتعولمين، وبدرجات أكبر ضدّ الصين، كتنين اقتصادي قلّل من ثقلهم نسبياً في موازين القوى الدولية، في حالة مناهضيهم، ومن هنا تركيز ترامب على الصين أكثر من غيرها.
من رحم ذلك التناقض الكبير بين العولمة والأمركة نشأت ظاهرة ترامب في الولايات المتحدة، ولا يمكن فهم ترامب من دون الإمساك جيداً بذلك التناقض المفصلي. أما في سائر الغرب الجماعي، فنشأت معارضة يمينية للبنى المعولمة العابرة للحدود، على غرار الاتحاد الأوروبي، على أسس يمينية متشدّدة أيضاً. وهي معارضة تثبت بدورها أنّ العولمة لا يمكن اختزالها في “التغريب”.
نشأت، هكذا، قوى يمينية شعبوية، قومية شوفينية، وعنصرية بيضاء، مناهضة للعولمة، عبر الغرب الجماعي برمّته، على قاعدة العداء للمهاجرين، والسلعة الرخيصة، والصين خصوصاً. وتبلورت روح أخوّة أيديولوجية عابرة للحدود بين تلك القوى (أنظر مثلاً ردّة فعل الرئيس ترامب المتعاطفة بشدة مع قائدة اليمين الشعبوي في فرنسا، مارين لوبان، من جرّاء الأحكام القضائية ضدّها).
نشأت، كذلك، في صفوف ذلك التيار، نزعات مؤمنة بتفوّق الغرب الجماعي (في صراع الحضارات)، ذات نزعات صليبية صريحة موروثة من غزوات الفِرنجة (أنظر مثلاً وشوم “صليب القدس”، و”كافر”، ونداء الحروب الصليبية “الله يريدها”، والتي استعرضها وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، على ذراعيه)، مع العلم أنها غزوات همجية استهدفت المسيحية المشرقية أيضاً آنذاك، من القسطنطينية آنذاك إلى القدس، لا المسلمين فحسب، وهدفها الأول هو فلسطين طبعاً، في الأمس، كما اليوم، وهذا له علاقة بالجغرافيا السياسية، بغضّ النظر عن الغلاف الديني المزيّف.
الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



