
مقالات التصعيد الأميركي في مواجهة إيران: محاولة لفرض أمر واقع على مجمل “الشرق الأوسط”
17/07/202610:55:50
يشهد “الشرق الأوسط” مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تبادل التهديدات العسكرية، واستمرار الضربات الأميركية، وتصاعد الخطاب الإيراني بشأن مضيق هرمز وأمن الملاحة والطاقة.
ورغم ارتفاع مستوى التوتر، لا تزال المؤشرات تدل على أن جميع الأطراف تحاول تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، لما قد يترتب عليها من تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والاستقرار الإقليمي.
فالإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب تسعى إلى فرض معادلات سياسية وأمنية جديدة في المنطقة، مستخدمة الضغوط العسكرية والاقتصادية من أجل دفع إيران إلى تقديم تنازلات في ملفات متعددة، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والنفوذ الإقليمي، وأمن الملاحة في الخليج.
وقد رافقت هذه الضغوط تصريحات أميركية عن احتمال توسيع الضربات العسكرية، واستهداف البنية التحتية الإيرانية، إضافة إلى التلويح باستهداف صادرات النفط الإيرانية في مراحل لاحقة.
في المقابل، تؤكد طهران أنها لن تقبل بأي اتفاق لا يتضمن ضمانات حقيقية تمنع واشنطن من التراجع عن التزاماتها كما حدث في محطات سابقة.
كما يواصل البرلمان الإيراني التصعيد عبر تشريعات تتعلق بإدارة مضيق هرمز، فيما يلوح الحرس الثوري بإغلاق طرق تصدير النفط والغاز إذا تعرضت إيران لضغوط عسكرية أكبر.
وتؤكد القيادة الإيرانية أنها أثبتت قدرتها على الرد على الهجمات الأميركية، واستهداف القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في المنطقة، بما يفرض معادلات ردع جديدة.
محاولة أميركية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي
لا يقتصر الصراع الحالي على الخلاف الأميركي – الإيراني، بل يرتبط أيضًا بالتحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وانتقال العالم تدريجيًا نحو نظام متعدد الأقطاب. وفي هذا السياق، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها بوصفها الضامن الأساسي لأمن الشرق الأوسط، في وقت تسعى فيه قوى دولية وإقليمية أخرى إلى توسيع نفوذها.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تعمل على بناء شبكة واسعة من الشراكات لدعم استراتيجيتها، مستفيدة من التقارب الذي ظهر خلال قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة، حيث برز نوع من تبادل المصالح بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، يقوم على استمرار الدعم الأميركي لأوروبا في مواجهة روسيا داخل أوكرانيا، مقابل تعزيز الموقف الأوروبي تجاه السياسة الأميركية في مواجهة إيران.
وفي الوقت نفسه، تسعى واشنطن إلى توظيف أدوار قوى إقليمية مؤثرة، وفي مقدمتها تركيا والمملكة العربية السعودية، بهدف احتواء النفوذ الإيراني ومنع تحوله إلى عامل مهيمن في المنطقة. إلا أن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة، نظرًا إلى تباين مصالح القوى الإقليمية، وحرص العديد من الدول على تجنب الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة قد تهدد استقرارها الاقتصادي والأمني.
كما تلعب سلطنة عمان دور الوسيط التقليدي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف، حيث تواصل جهودها لإعادة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات، وضمان استمرار حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات الإستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.
إلى أين يتجه الصراع؟
تواجه إدارة ترامب ضغوطًا داخلية كبيرة، ما يدفعها إلى البحث عن إنجازات سياسية يمكن تسويقها داخليًا. ويرى بعض المراقبين أن التصعيد العسكري قد يكون جزءًا من إستراتيجية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض أكثر مما يهدف إلى إشعال حرب مفتوحة، خاصة أن الولايات المتحدة تدرك أن الدخول في حرب استنزاف طويلة مع إيران ستكون له كلفة بشرية، واقتصادية، وسياسية مرتفعة.
في المقابل، تمارس “إسرائيل” ضغوطًا مستمرة لمنع أي اتفاق أميركي – إيراني لا يحقق مطالبها الأمنية، إذ تخشى أن يؤدي أي تفاهم جديد إلى تعزيز مكانة إيران الإقليمية. وتتهم طهران كلًا من واشنطن و”تل أبيب” بمحاولة استخدام الضغوط العسكرية والسياسية لفرض شروط جديدة، بينما تصر على ضرورة وقف الاعتداءات “الإسرائيلية” على لبنان، وانسحاب “إسرائيل” من الأراضي اللبنانية المحتلة.
وتبرز في هذا السياق الجبهة اليمنية باعتبارها أحد عناصر الضغط الإقليمية، إذ وجهت القوات اليمنية تحذيرات إلى شركات الطيران بشأن عبور الأجواء السعودية، في رسالة تؤكد أن أي مواجهة واسعة قد تمتد إلى ساحات متعددة، وأن أمن الممرات الجوية والبحرية سيبقى عرضة للتأثر بتطورات الصراع.
ورغم استمرار التصعيد الإعلامي والعسكري، فإن فرص العودة إلى التفاوض لا تزال قائمة، إذ يبدو أن كلا الطرفين يدرك حدود القوة وحدود التصعيد. فالولايات المتحدة تسعى إلى تعديل بنود التفاهمات السابقة بما يخدم مصالحها، بينما تتمسك إيران بالحصول على ضمانات قانونية وسياسية تحول دون تكرار الانسحاب الأميركي من أي اتفاق مستقبلي.
خلاصة
في ضوء هذه المعادلات، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في الوصول إلى تسوية وسطية لا تحقق كامل مطالب أي من الطرفين، لكنها تمنع اندلاع مواجهة شاملة قد تهدد أمن “الشرق الأوسط” والاقتصاد العالمي.
كما أن دول المنطقة تبدو حريصة على تجنب الانخراط في الحرب، خصوصًا مع تنامي قدرات الفاعلين غير الدولتيين، وفي مقدمتهم حركة أنصار الله في اليمن، الذين أصبحوا يشكلون قوة إقليمية مؤثرة يصعب تجاهلها في أي معادلة أمنية جديدة.
وعليه، فإن مستقبل الأزمة لن يتحدد فقط بمستوى القوة العسكرية، بل بقدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى توازن جديد يراعي مصالح الجميع، في مرحلة تشهد إعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوى على المستويين الإقليمي والدولي.
جمال واكيم-العهد
جاري تحميل الخبر التالي...