من طهران إلى بيروت… معادلات جديدة ترسم ملامح المواجهة الإقليمية
مقالات

من طهران إلى بيروت… معادلات جديدة ترسم ملامح المواجهة الإقليمية

17/07/202607:33:41

لم تعد التطورات المتسارعة في المنطقة مجرد حلقات متفرقة من التصعيد، بل باتت تشكل، وفق المؤشرات الميدانية والسياسية، مسارًا متكاملًا يعيد رسم خرائط الردع وقواعد الاشتباك. فمن إيران إلى اليمن، مرورًا بسوريا ولبنان والعراق، تتداخل الجبهات وتتقاطع الرسائل، فيما تستعد مختلف الأطراف لمرحلة تبدو أكثر حساسية من أي وقت مضى.

المشهد الإيراني يحتل مركز هذه التحولات. فمنذ استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي، شهدت إيران، بحسب المعطيات التي رصدتها خلال وجودي في مراسم التشييع بطهران، حالة تعبئة شعبية غير مسبوقة، حيث امتلأت الشوارع بالملايين الذين اعتبروا أن البلاد دخلت مرحلة جديدة عنوانها الدفاع عن السيادة والرد المباشر على أي اعتداء.

هذا التحول لم يقتصر على المزاج الشعبي، بل انسحب أيضًا على العقيدة العسكرية الإيرانية. فمرحلة “الصبر الاستراتيجي” التي اعتمدتها طهران لسنوات تبدو، وفق القراءة الإيرانية، قد أفسحت المجال لنهج يقوم على الرد العلني والمباشر، بحيث لم يعد الرد مؤجلًا أو غير معلن، وإنما أصبح جزءًا من معادلة ردع واضحة تقوم على مبدأ أن أي استهداف سيقابله رد مماثل أو أشد.

وتشير المعلومات المتقاطعة إلى أن القيادة الإيرانية تتعامل مع احتمال اندلاع مواجهة واسعة باعتباره احتمالًا قائمًا، وهو ما انعكس في تسريع وتيرة تطوير الصناعات العسكرية، وتعزيز قدرات إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب اتخاذ إجراءات تهدف إلى تعزيز الجبهة الداخلية، سواء عبر تأمين الاحتياجات الأساسية أو رفع مستوى الجهوزية الشعبية والمؤسساتية.

وفي هذا السياق، تؤكد مصادر إيرانية أن طهران تحتفظ بأوراق ضغط استراتيجية، أبرزها القدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما يمنحها هامشًا واسعًا في أي مواجهة إقليمية قد تتوسع خلال المرحلة المقبلة.

أما على الساحة اليمنية، فإن التطورات الأخيرة المرتبطة باستهداف مدرج مطار صنعاء الدولي تعكس، بحسب القراءة، انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة. فاستهداف المطار لا يُنظر إليه باعتباره حادثًا معزولًا، بل خطوة قد تفتح الباب أمام ردود متبادلة تطال منشآت ومرافق حيوية داخل العمق السعودي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على أمن الطاقة وحركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

وفي سوريا، تتزايد المؤشرات على أن الساحة السورية ستبقى إحدى أهم ساحات الاشتباك غير المباشر بين القوى الإقليمية والدولية. وتشير المعطيات إلى وجود رسائل إيرانية واضحة تحذر من أي محاولات لتوسيع نطاق العمليات العسكرية أو فرض وقائع جديدة على الأرض، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة تعزيز حضورها في عدد من المواقع العسكرية داخل الأراضي السورية.

كما يبقى الوضع اللبناني جزءًا لا يتجزأ من المشهد الإقليمي. فالحدود الجنوبية لا تزال مرشحة لأي تصعيد، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتوتر القائم، فيما تؤكد قوى المقاومة أنها تتابع التطورات وترفع مستوى جهوزيتها تحسبًا لأي مواجهة قد تُفرض عليها.

وعلى المستوى الداخلي، يواجه لبنان تحديات سياسية متزايدة، وسط استمرار الانقسام حول كيفية التعامل مع الضغوط الخارجية والاستحقاقات المقبلة، في وقت يرى كثيرون أن أي تطور إقليمي ستكون له انعكاسات مباشرة على الساحة اللبنانية.

أما العراق، فرغم تباين المواقف الرسمية، فإن الحضور الشعبي في المناسبات الكبرى والفعاليات الجماهيرية يعكس، وفق العديد من المراقبين، استمرار التفاعل الشعبي مع التحولات التي تشهدها المنطقة، بما يجعل العراق حاضرًا في معادلات التوازن الإقليمي.

إن المنطقة تقف اليوم عند مفترق بالغ الحساسية، حيث لم تعد المواجهات تُدار ضمن حدود جغرافية ضيقة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي مترابط، تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

وبين التصعيد ومحاولات الاحتواء، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح القوى الدولية في منع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، أم أن المنطقة باتت بالفعل أمام مرحلة جديدة تُرسم فيها معادلات الردع بالنار قبل السياسة؟

حسين مرتضى

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24