
هدايا السلطة “للكيان”: اجتماع روما يعيد إنتاج نفوذ العدو
لم يعد المشهد الذي أعقبَ اجتماع روما التفاوضي مجرّد محطة عابرة في سلسلة الاتصالات الجارية حول الوضع في جنوب لبنان، بل بات يمثّل لحظة سياسية دقيقة تكشف حجم الاختلال في موازين التفاوض، وطبيعة الضغوط التي تحاول إسرائيل والولايات المتحدة فرضها على لبنان. فالمسألة لا تتعلّق فقط بترتيبات أمنية مُحدّدة أو بإجراءات ميدانية مرتبطة بالانسحاب والانتشار، بل تتصل بصورة أوسع بمحاولة إعادة رسم قواعد التعامل مع الواقع اللبناني من خلال تحويل الضغط العسكري إلى أداة تفاوضية، بحيث يصبح القصف والدمار المستمران جزءاً من مسار سياسي يراد للبنان أن يتكيّف معه تدريجياً، ويبدو أن السلطة فعلت ذلك.
آخر الكلام المُتداول في الكواليس السياسية، يؤكد أن إسرائيل لا تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مساحة متكافئة للوصول إلى تفاهمات متبادلة، بل باعتبارها امتداداً للميدان العسكري ولكن بأدوات مختلفة. فهي تدخل إلى طاولة التفاوض وهي تستند إلى واقع تصنعه بالقوة، وتحاول تثبيت وقائع جديدة تجعل أيّ نقاش لاحق منطلقاً من الشروط التي فرضتها خلال المواجهة. ولذلك فإن أي تقديم متسرّع لما جرى في روما على أنه نجاح أو اختراق قد يكون مُضلّلاً، لأن قيمة أي اتفاق لا تُقاس فقط بما يتضمّنه من عبارات عامة، بل بما يحمله من ضمانات فعلية تحفظ حقوق لبنان بوقف إطلاق النار والانسحاب وتحرير الأسرى.
وهذه الهواجس المنتشرة، لا تنبع من تفاصيل تقنية مرتبطة بالمناطق التجريبية فقط التي نوقشت في الجولة الثالثة من المفاوضات، بل من طبيعة العلاقة التي يحاول هذا المسار تكريسها بين لبنان وإسرائيل. فاختيار مناطق مُحدّدة لتكون ساحة اختبار لقدرة الجيش اللبناني لا يحمل بعداً أمنياً فحسب، وإنما يضع الدولة أمام امتحان سياسي وسيادي خصوصاً أن المطلوب تحويل الجيش الى وحدات شرطة تحت إشراف إسرائيلي – أميركي!
وأكثر من ذلك، فإسرائيل هي التي حدّدت سبع بلدات جنوبية لتكون مناطق تجريبية أولى، وهي الزوطران الشرقية والغربية، وفرون، والغندورية، وقلاوية، وبرج قلاوية، وصريفا. غير أن هذا الاختيار يثير إشكالات جوهرية، لأن هذه البلدات لا تنتمي جميعها إلى واقع ميداني واحد، ولا تخضع كلها للاحتلال المباشر أو للظروف الأمنية نفسها. فبعضها يقع على تماس مباشر مع مواقع إسرائيلية، وبعضها الآخر يخضع للتهديد بالنار أو للقصف، فيما لا يمكن تصنيفه بالضرورة ضمن المناطق المُحتلة وفق المعايير التقليدية، علماً أن الانتقال من مرحلة التفاهم السياسي إلى التطبيق العملي يبقى مُعلّقاً على نتائج الاجتماع العسكري الثلاثي الافتراضي الذي يُفترض أن يحسم التفاصيل التنفيذية اليوم، بدءاً من آلية الانسحاب الإسرائيلي، مروراً بطريقة انتشار الجيش اللبناني، وصولاً إلى طبيعة المهام التي ستُناط به.
نجحت إسرائيل في إدخال شروطها الأمنية إلى قلب المسار التفاوضي
وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية، بحسب مصادر سياسية بارزة، شرحتها لـ«الأخبار» وهي أن «المطلوب من الجيش اللبناني لا يقتصر على الانتشار الجغرافي، بل يتصل بمهمة لا علاقة لها بتنفيذ خطة وطنية بل بتطبيق معايير أمنية تضعها إسرائيل وتحدّد من خلالها ما تعتبره تهديداً». وتشير المصادر إلى عقبات سبقت الاجتماع وهي رفض الجيش عقد الاجتماع الثلاثي في الناقورة باعتبارها مُحتلة، كما تحفّظ على بعض البلدات المُختارة مناطق تجريبية، لأنها لا تقع كلها ضمن نطاق الاحتلال المباشر. وكذلك البلدات المختارة لا تمثّل مجرّد نقاط جغرافية مُحدّدة، بل تتحوّل إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت حضورها فيها، فهي موزّعة بين جنوب الليطاني وشماله.























