
مقالات
كيف يُعاد تشكيل الوعي تمهيدًا للتطبيع؟
لم تكن الأزمة اللبنانية يوماً أزمة اقتصادية أو سياسية فحسب، بل هي في جوهرها أزمة هوية وطنيّة لم تتمكن الدولة من معالجتها منذ تأسيسها.
فمنذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، ثم الاستقلال عام 1943، بقيت الهوية الوطنية أسيرة التوازنات الطائفية والانقسامات الإقليمية، فيما جاء اتفاق الطائف عام 1989 لينهي الحرب الأهلية دون أن يؤسس لدولة تمتلك رؤية موحدة للأمن القومي أو لمفهوم السيادة.
واليوم، ومع التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط، واندفاع عدد من الدول العربية نحو مسار التطبيع مع إسرائيل منذ توقيع «اتفاقيات أبراهام» عام 2020، عاد الملف اللبناني ليُطرح في سياق مختلف، لا يرتبط بإمكانية توقيع معاهدة سلام فحسب، بل بقدرة المجتمع اللبناني على الصمود أمام محاولات إعادة تشكيل وعيه السياسي والاجتماعي.
المشكلة الجوهرية تكمن في أن اللبنانيين لا يتفقون حتى اليوم على تعريف التهديد الوجودي الذي تواجهه الدولة.
لينقسم المشهد بين مشروعين متناقضين: الأول، يتبناه محور المقاومة وحلفاؤه، حيث يرون ان إسرائيل، بتاريخها العسكري الممتد من اجتياح عام 1978، مروراً باحتلال بيروت عام 1982، واستمرار احتلال أجزاء من الجنوب حتى عام 2000، ثم حرب تموز 2006، وصولاً إلى الحرب الأخيرة على لبنان عام 2024، والتي لم تنته بعد، ما تزال تمثل الخطر الاستراتيجي الأول، وأن سياسة الردع والمقاومة والتفاوض غير المباشر، هو الضمانة الوحيدة لتفكيك المشروع الاسرائيلي التوسعي في مناطقنا وحماية السيادة الوطنية واستعادة الأراضي المحتلة. فهي مقاربة واقعية ترتكز على تراكم القوة لتحقيق الهدف.
تختلف المقاربة الإسرائيلية تجاه لبنان عن تجاربها مع دول أخرى. فإسرائيل تدرك أن النظام السياسي اللبناني، بتعقيداته الدستورية والطائفية، يجعل توقيع اتفاق تطبيع رسمي أمراً شديد الصعوبة في الظروف الحالية
في المقابل، يعتبر الفريق الثاني أن مصلحة البلاد تكمن في الحياد والاندماج في النظام الإقليمي الجديد، كما يرى أن إنهاء الصراع مع إسرائيل واحتكار الدولة للسلاح وتجريد لبنان من أوراقه الدفاعية كشرط مسبق.
وهو طرح يفتقر الى الواقعية الجيوسياسية، اذ يعني الاستسلام الحتمي. المطلبان، بحسب الفريق الثاني، يشكلان المدخل الطبيعي لإعادة بناء الاقتصاد واستعادة ثقة المجتمع الدولي وتحقيق السلام في المنطقة.
إلاّ أن هذا الطرح يصطدم بحقائق ميدانية تتمثل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية في الجنوب، واستمرار الخروقات الجوية والبرية في كل المناطق اللبنانية، ما يجعل الحديث عن سلام دائم، في نظرهم، منفصلاً عن الواقع السياسي والأمني بشكل لافت.
كيف يُعاد تسويق التطبيع في لبنان؟
تختلف المقاربة الإسرائيلية تجاه لبنان عن تجاربها مع دول أخرى. فإسرائيل تدرك أن النظام السياسي اللبناني، بتعقيداته الدستورية والطائفية، يجعل توقيع اتفاق تطبيع رسمي أمراً شديد الصعوبة في الظروف الحالية، ولذلك انتقلت إلى ساحة أخرى أكثر تأثيراً: الرأي العام اللبناني.
في هذه الساحة لم تعد المواجهة تقتصر على القوة العسكرية، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على أدوات الحرب الهجينة والحرب المعرفية (Cognitive Warfare، وهي استراتيجيات تقوم على التأثير في الإدراك الجمعي للمجتمعات، وإعادة تشكيل قناعاتها من خلال الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، والحملات النفسية، واستثمار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فتعمل بصورة ممنهجة ومدروسة على بث افكار التطبيع وربطها بنتيجة وهميّة توهم اللبنانيين بحلم العيش بـ«سلام ».
بعد الأزمة النقدية والمصرفية عام 2019، وانفجار مرفأ بيروت عام 2020، ثم تداعيات الحرب الأخيرة، أصبح المجتمع اللبناني يعيش واحدة من أكبر الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، الأمر الذي خلق بيئة خصبة لتسويق روايات تربط أي انفتاح على إسرائيل بإمكانية الحصول على الاستقرار الاقتصادي والامني والاستثمارات وإعادة الإعمار.
من هنا، لم يعد الهدف المباشر هو إقناع الدولة اللبنانية بتوقيع اتفاق سلام، بل العمل تدريجياً على تفكيك الرفض الشعبي، وكسر المحظورات الثقافية، والتابوهات السياسية، وإلغاء قانون العقوبات اللبناني المرتبط بتجرّيم التعامل مع إسرائيل، بحيث يتحول الأمر، مع مرور الوقت، من فكرة مرفوضة إلى نقاش مشروع، ثم إلى خيار سياسي قابل للتداول.
إن معركة التطبيع في لبنان، ليست معركة دبلوماسية تدور حول توقيع اتفاقية سلام، بل هي صراع طويل الأمد على الهوية والوعي والإدراك الجماعي























