
مقالات بين طهران وصنعاء وبيروت: تشييع الملايين يعلن قرب ولادة غرب آسيا الجديد”؟
07/07/202607:30:07
في مشهد مهيب غير مسبوق، شهدت طهران وعدد من المدن الإيرانية والعراقية مراسم تشييع استثنائية لقائد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي، الذي اغتيل في اليوم الأول من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026.
قدّرت السلطات الإيرانية عدد المشاركين في طهران وحدها بما بين 15 و20 مليوناً، في جنازة وصفت بأنها الأكبر في تاريخ إيران الحديث. تستمر المراسم ستة أيام بين طهران وقم ومشهد، وصولاً إلى النجف وكربلاء في العراق، حيث قدّرت الحشود هناك بنحو 5 ملايين مشارك.
لكنّ هذا الحدث الجنائزي الضخم تجاوز كونه مجرّد وداع لقائد، ليصبح رسالة وجودية موجّهة إلى العالم، وإعلاناً عن قرب ولادة جديدة لغرب آسيا، واختباراً حاسماً لقوة النفوذ الأميركي في المنطقة.
رسائل التشييع: وحدة وطنية وولادة جديدة
لم تكن هذه الجنازة مجرّد مراسم حداد، بل تحوّلت إلى استعراض للوحدة الوطنية والقدرة على الصمود. فبعد أشهر من الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وبعد اغتيال القائد الأعلى، كان النظام الإيراني بحاجة ماسة إلى إظهار تماسكه واستمراريته.
الرسالة التي أرادت طهران إيصالها كانت واضحة: النظام لم ينجُ من حرب وجودية فحسب، بل خرج منها بأقوى مما دخل. وكما أشارت تقارير إعلامية، فإنّ هذا التجمّع الهائل كان “إشارة واضحة إلى الغرب عن عدم قدرته على كسر الإرادة الوطنية لإيران”. حتى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أقرّ بأنه “صُدم” بحجم الحشود، معترفاً بأنه كان يتوقّع ردّ فعل شعبياً مختلفاً تماماً داخل إيران.
هذا المشهد الشعبي الهائل، الذي تزامن مع حضور وفود رسمية لقادة قوى المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن، يؤكّد أنّ إيران لا تزال قادرة على حشد ملايين المواطنين خلف رايتها، وأنّ المشروع الغربي لإسقاط النظام أو عزله قد فشل فشلاً ذريعاً.
التصعيد الميداني: رسائل متزامنة على عدة جبهات
لم تقتصر الرسائل الإيرانية على طهران، بل امتدت إلى ساحات القتال في اليمن ولبنان، في مشهد متكامل يؤكّد أنّ معركة غرب آسيا لم تنتهِ بعد.
في اليمن، هبطت طائرة مدنية إيرانية في مطار صنعاء، في خطوة وصفت بأنها كسر للحصار. هذا الهبوط، الذي واكبته اتهامات حوثية للرياض بمحاولة منعه، رفع منسوب التوتر وأعاد إشعال جبهات القتال، مع تحشيد قبلي متبادل وعودة القتال إلى جبهة الحديدة بأعنف هجوم منذ سنوات. كما رفع أنصار الله مستوى الجاهزية القتالية لحسم المسألة اليمنية وتطبيق الاتفاق المعطّل مع المملكة العربية السعودية.
في لبنان، تواصلت عمليات المقاومة الإسلامية ضدّ “الجيش” الإسرائيلي، في تشديد على أنّ مسار إسقاط المشروع الإسرائيلي في الجنوب اللبناني ما زال مستمراً، وأنّ المقاومة تصلّبت في مواقفها أكثر من أيّ وقت مضى.
هذا التزامن بين الرسالة الشعائرية في طهران والرسالة الميدانية في اليمن ولبنان، والحضور الشعبي الكبير في العراق يعكس استراتيجية متكاملة تهدف إلى إظهار أنّ إيران وحلفاءها يمسكون بخيوط اللعبة على جميع المستويات.
الحملة الأميركية المضادة: اعتراف بالعجز
في الجهة المقابلة، أطلقت واشنطن حملة دبلوماسية مكثّفة وغير مسبوقة لثني الدول عن المشاركة في مراسم التشييع. وزير الخارجية مارك روبيو أجرى اتصالات شخصية مع نظرائه في ما لا يقلّ عن خمس دول عربية، مهدّداً إياها بعواقب سلبية على العلاقات الثنائية مع واشنطن.
وفقاً لتقييمات إيرانية، تراجعت 13 دولة على الأقل عن المشاركة نتيجة الضغوط الأميركية، بينها ثلاث دول من أوروبا الشرقية، وخمس دول أفريقية، ودولتان من منطقة الخليج، ودولتان من شرق آسيا.
هذه الحملة الأميركية، رغم حجمها، تعكس اعترافاً ضمنياً بالعجز عن منع الرسالة الإيرانية. فبينما نجحت واشنطن في إبعاد بعض الوفود الرسمية، فشلت في منع ملايين الإيرانيين من الخروج إلى الشوارع، وفشلت في منع مشاركة دول كبرى كروسيا والصين والهند وتركيا، وإن كان ذلك بمستويات تمثيل منخفضة.
الاجتماع الأمني في البحرين: محاولة لترتيب الأوراق
في تطوّر متزامن، قادت القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” حواراً أمنياً إقليمياً في البحرين، بمشاركة قادة دفاع من 12 دولة. هذا الاجتماع، الذي عُقد في الأول من تموز/يوليو، يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول المشاركة ومواجهة التحدّيات الأمنية في المنطقة.
هذا التحرّك الأميركي، الذي يأتي في ذروة مراسم التشييع، يؤكّد أنّ واشنطن تسعى جاهدة لترتيب أوراقها في مواجهة التحوّلات الإقليمية. لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن لهذه الاجتماعات أن تعوّض الفشل الاستراتيجي في احتواء إيران، خاصة وأنّ الرسائل التي حملتها مراسم التشييع كانت أقوى من أيّ تحالف أمني؟
التداعيات الاستراتيجية: غرب آسيا على موعد مع ولادة جديدة
ما حدث في طهران وبغداد وصنعاء وبيروت خلال الأيام الماضية، ليس مجرّد احتفالات أو وداع، بل هو إعلان عن ولادة جديدة لغرب آسيا. هناك عدة تداعيات استراتيجية لهذا الحدث:
أولاً: سقوط مشروع إعادة هيكلة المنطقة
المرحلة الأخيرة من خطة إسقاط الدول السبع التي كشفها الجنرال ويسلي كلارك عام 2001 قد سقطت فعلياً. إيران أثبتت أنها ليست مجرّد حلقة في سلسلة، بل الحلقة الأقوى التي كسرت السلسلة بأكملها.
ثانياً: تراجع النفوذ الأميركي
الحملة الأميركية لمنع المشاركة في التشييع، رغم حجمها، لم تمنع الملايين من الخروج، ولم تمنع مشاركة دول كبرى. هذا يعكس تراجعاً في قدرة واشنطن على فرض إرادتها.
ثالثاً: انكشاف العجز الإسرائيلي
“إسرائيل”، التي راهنت على تغيير النظام في طهران، تخرج من هذه الحرب منهكة، ويبدو أنّ مشروعها التوسّعي “من الفرات إلى النيل” أصبح في مكان آخر.
رابعاً: توحيد جبهة المقاومة
التنسيق بين طهران وبغداد وبيروت وصنعاء، الذي ظهر بوضوح خلال مراسم التشييع والتصعيد الميداني، يؤكّد أنّ جبهة المقاومة أصبحت أكثر تماسكاً واستعداداً للمرحلة المقبلة.
خامساً: إعادة تعريف ميزان القوى
هذا الحدث يغيّر معادلات القوة في المنطقة لصالح القوى المناهضة للهيمنة الغربية، ويفرض على واشنطن الاعتراف بواقع جديد لا يمكن تجاهله.
مرحلة جديدة من الصراع
التشييع الهائل لقائد الثورة الإسلامية في إيران لم يكن مجرّد وداع، بل كان إعلاناً عن مرحلة جديدة في مسار غرب آسيا. إنها مرحلة لن تكتمل فيها ولادة المنطقة الجديدة إلا بهزيمة كاملة للمشروعين الأميركي والإسرائيلي، وهي هزيمة قد تأخذ سنوات، لكنّ مؤشّراتها بدأت تظهر بوضوح، وهي تحتاج لدخول قوى إقليمية كبيرة، خاصةََ تركيا التي أيقنت تهديدها بوجودها في حال انهيار إيران، وأيضاََ مصر المنهكة باتفاقيات “كامب ديڤيد” .
في هذه المرحلة، يبدو أنّ الصراع سيستمر بمستويات وأشكال متعدّدة، من المفاوضات المتعثّرة في جنيف والدوحة، إلى التصعيد الميداني في اليمن ولبنان، إلى المواجهات الدبلوماسية في المحافل الدولية. والأكيد أنّ الرسائل التي حملتها مراسم التشييع – رسائل الوحدة والصمود والتحدّي – ستظلّ محفورة في ذاكرة المنطقة، وستشكّل نقطة تحوّل في تاريخ غرب آسيا الحديث.
أسئلة مفتوحة في زمن التحوّل
في ظلّ هذه التحولات المتسارعة، تبقى الأسئلة التالية مفتوحة على كلّ الاحتمالات:
· هل ستنجح إيران في تحويل هذا الزخم الشعبي الهائل إلى مكاسب سياسية واقتصادية مستدامة؟
· كيف سيكون شكل غرب آسيا إذا استمر تراجع النفوذ الغربي وبروز نظام إقليمي جديد يعتمد أساس التكامل السياسي والاقتصادي والأمني لنجاحه؟ أم ستعود الصراعات الإقليمية على حجم الأدوار؟
· هل تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها احتواء هذه التحوّلات عبر تحالفات أمنية جديدة، كما يحاول الاجتماع في البحرين، أم أنّ الزمن لم يعد في صالحهم؟
· وما مصير المشروع الإسرائيلي التوسّعي في ظلّ هذه التحوّلات؟ هل ستعيد “تل أبيب” تعريف استراتيجيتها أم ستصرّ على خيار المواجهة حتى النهاية؟
· والسؤال الأهم: أين موقع شعوب المنطقة من هذه التحوّلات الكبرى؟ وهل ستكون هذه الولادة الجديدة لصالح الشعوب أم على حسابها؟
الأيام والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار غرب آسيا للسنوات المقبلة. لكنّ المؤكّد أنّ المنطقة التي شهدت هذا التشييع الهائل لم تعد كما كانت، وأنها تتجه نحو مستقبل مختلف تماماً، قوامه تحالفات جديدة وإعادة تعريف للقوة والنفوذ، وربما ولادة لنظام إقليمي جديد يضع حدّاً لقرنين من الهيمنة الغربية.
أحمد الدرزي-الميادين
جاري تحميل الخبر التالي...